روايات وقصص

حماتي

حماتي هدّت أوضة البيبي اللي ابنها الوحيد كان مجهزها لابنه… ولما ابنها شاف اللي عملته، طلب منها تلم هدومها وتسيب البيت. الغريب إنها ما اتخانقتش… ولا حتى حاولت تبرر. عدت شهور كتير بعد اليوم اللي قفلنا فيه باب البيت القديم وخرجنا منه، لكن الغريب إن الحكاية ما انتهتش بمجرد إننا سيبنا المكان.

 

يمكن المكان اتغير.

يمكن البيت اتباع.

ويمكن كل واحد فينا رجع لحياته بشكل مختلف.

لكن اللي حصل بينا فضل عايش جوانا.

أنا وياسين بقينا في شقتنا الجديدة، شقة مش كبيرة زي بيت العيلة، لكن كانت بالنسبالي أوسع من الدنيا كلها.

لأنها كانت أول مكان أدخله وأنا حاسة إني مش محتاجة آخد إذن عشان أرتب حاجة، ولا أشرح ليه اخترت لون ستارة معين، ولا أخاف حد يدخل أوضتي في أي وقت، ولا أصحى الصبح وأنا حاطة في دماغي ألف حساب لكل كلمة هقولها.

كنت بعمل قهوتي الصبح على مزاجي.

أطبخ اللي نفسي فيه.

أرتب البيت بطريقتي.

وأقعد مع ياسين بالليل نتكلم عن يومنا.

والأهم من كل ده إن آدم كان بيكبر قدام عينينا.

بقى عنده سنة ونص تقريبًا.

وبقى يجري في الشقة الصغيرة كأنه مالكها.

كل يوم يعمل حاجة جديدة.

مرة يستخبى ورا الكنبة ويستناني أدور عليه.

ومرة يطلع فوق السرير ويضحك لما أنادي عليه.

ومرة يمسك ريموت التليفزيون ويجري بيه في البيت، وياسين يفضل يجري وراه.

وكان أجمل حاجة في الموضوع كله إن نوال كانت جزء من حياته.

لكن بشكل مختلف.

كانت تيجي تزورنا.

تقعد مع آدم.

تلعب معاه.

تحضر له أكله.

لكن عمرها ما كانت تدخل المطبخ وتغير حاجة من غير ما تسألني.

حتى لو كانت شايفة إن مكان حاجة غلط، كانت تقول:

“مريم، تحبي أحطها هنا ولا أخليها زي ما هي؟”

وأنا في الأول كنت بستغرب.

بعدها بدأت أضحك.

وفي مرة قلت لها:

“إنتِ اتغيرتي أوي.”

ضحكت وقالت:

“أنا مش اتغيرت يا بنتي، أنا بس بطلت أفتكر إن كل حاجة لازم تمشي على مزاجي.”

قلت لها:

“وده أكبر تغيير.”

قالت:

“يمكن كنت محتاجة أخسر حاجات عشان أعرف قيمة اللي كان عندي.”

الجملة دي فضلت في دماغي.

لأن نوال فعلًا كانت فقدت جزء من قربها من ابنها بسبب خوفها عليه.

لكنها في المقابل كسبت حاجة تانية.

بقت أقرب له من غير سيطرة.

وأنا كمان بقيت أقرب لها من غير خوف.

وفي يوم جمعة، كنا قاعدين كلنا على السفرة.

ياسين كان بيحط الأكل.

آدم كان في كرسيه الصغير.

ونوال كانت بتحاول تطعمه.

وفجأة آدم مسك المعلقة ورماها على الأرض.

ياسين قال:

“أهو بدأ يطلعلكوا.”

نوال ضحكت.

“هو مش شبهك يا ابني؟”

قلت:

“لأ، ده شبه أبوه فعلًا.”

ياسين بص لي وقال:

“إنتِ بتتهميني؟”

ضحكت.

لكن في اللحظة دي، جالي إحساس غريب.

بصيت حواليا.

أنا.

ياسين.

آدم.

نوال.

كلنا قاعدين على سفرة واحدة.

وفكرت في اليوم اللي كانت فيه نوال واقفة في أوضة آدم وماسكة العتلة.

لو حد قال لي وقتها إن بعد كل اللي حصل هنقعد يوم من الأيام بالشكل ده، كنت مستحيل أصدقه.

لكن الحياة ساعات بتاخدك من أسوأ نقطة لأهدى مكان من غير ما تفهم إزاي.

بعد الغدا، نوال طلبت من ياسين يتكلم معاه لوحده.

أنا ما سألتش.

كنت اتعلمت إن مش كل حاجة لازم أعرفها.

لكن بعد شوية ياسين دخل لي.

وشه كان مختلف.

قلت:

“في إيه؟”

قعد جنبي.

وقال:

“ماما عايزة تبيع شقتها.”

اتصدمت.

“ليه؟”

قال:

“عشان تسافر تعيش مع أختها فترة.”

قلت:

“ليه؟”

“بتقول إنها محتاجة تبدأ حياة جديدة.”

سكت.

وبعدين قلت:

“هي زعلانة مننا؟”

هز راسه.

“لأ.”

قلت:

“أمال ليه؟”

قال:

“بتقول إنها عايزة تتعلم تعتمد على نفسها.”

ابتسمت.

“دي أول مرة أسمعها تقول كده.”

ياسين ضحك.

“وأنا كمان.”

وبالفعل، بعد شهرين نوال سافرت تقعد مع أختها فترة.

ما كانتش هجرة ولا حاجة كبيرة.

مجرد كام شهر بعيد عن القاهرة.

لكن البيت بقى هادي جدًا من غيرها.

وأنا بصراحة اشتقتلها.

حتى ياسين نفسه بقى يتصل بيها كل يوم.

وأحيانًا كان يتصل بيها مرتين.

وفي مرة قلت له:

“مش إنت كنت بتقول إنك عايز مساحة؟”

ضحك.

“المساحة حاجة، وغياب أمي حاجة تانية.”

قلت:

“أهو كده عرفت قيمتها.”

قال:

“أنا عارف قيمتها من زمان.”

وبعدين سكت.

وقال:

“بس كنت محتاج أعرف إزاي أحبها من غير ما أسمح لها تظلمك.”

بصيت له.

قلت:

“وأنا كنت محتاجة أعرف إزاي أحترمها من غير ما أسمح لها تلغي وجودي.”

مسك إيدي.

وقال:

“اتعلمنا.”

ومرت الأيام.

وفي ليلة من الليالي، كنت نايمة جنب آدم.

وفجأة صحيت على صوت بكاء خفيف.

فتحت عيني.

لقيت آدم واقف عند باب الأوضة.

كان خايف.

قمت بسرعة وشلته.

قلت:

“مالك يا حبيبي؟”

حط وشه في رقبتي.

وياسين صحى.

قال:

“في إيه؟”

قلت:

“آدم خايف.”

قام وشغّل النور.

آدم كان بيبص ناحية الباب.

قلت له:

“خايف من إيه؟”

ما ردش.

بس أشار ناحية الحيطة.

ضحكت.

“مفيش حاجة يا حبيبي.”

شيلته على السرير.

وحطيت إيدي على ضهره.

وفجأة افتكرت أوضة البيبي القديمة.

افتكرت الحيطة اللي اتهدت.

افتكرت الخوف اللي حسيت بيه.

ولأول مرة فهمت إن بعض الأحداث بتفضل جوا الإنسان حتى بعد ما تخلص.

يمكن آدم ما كانش فاهم حاجة.

يمكن كان بيحلم.

لكن أنا كنت شايفة في عينه خوف صغير.

فحضنته أكتر.

وقلت:

“محدش هيهدم بيتنا يا حبيبي.”

ياسين سمعني.

بص لي.

وابتسم.

وقال:

“أبدًا.”

بعدها بأيام، جت نوال من السفر فجأة.

دخلت علينا ومعاها شنطة كبيرة.

آدم أول ما شافها جري عليها.

“تيتا!”

نوال نزلت على ركبها وحضنته.

وقالت:

“وحشتني يا قلب تيتا.”

وبعدين قامت وبصت لي.

“وحشتيني.”

حضنتها.

قلت:

“إنتِ اللي وحشتينا.”

ضحكت.

“أنا جبتلك حاجة.”

قلت:

“إيه؟”

طلعت علبة صغيرة.

فتحتها.

كان جواها سلسلة بسيطة جدًا.

فيها مفتاح صغير.

بصيت لها باستغراب.

قالت:

“فاكرة المفتاح اللي اديتهولك؟”

قلت:

“أيوه.”

قالت:

“ده مفتاح جديد.”

“مفتاح إيه؟”

قالت:

“مفتاح بيت أختي.”

ضحكت.

“وإيه اللي هيعمله هنا؟”

قالت:

“عشان لو في يوم احتجتي مكان تروحيه، تروحي.”

قلت:

“هو إحنا هنزعل؟”

قالت:

“مش لازم تستني الزعل.”

سكتت.

“أنا عايزاكي تعرفي إنك لو احتجتي حاجة، أنا موجودة.”

الكلام ده لمس قلبي.

يمكن لأنه كان عكس كل اللي حصل في البداية.

زمان كانت نوال عايزة تملك المكان.

دلوقتي كانت بتديني مفتاح مكانها هي.

مش عشان أكون تحت سيطرتها.

لكن عشان أعرف إن لي مكان عندها.

مسكت السلسلة.

وقلت:

“شكرًا.”

قالت:

“أنا اللي بشكرك.”

“على إيه؟”

قالت:

“إنك ما خليتيش غلطتي الأولى تكون آخر حاجة بينا.”

حضنتها.

وقلت:

“يمكن كلنا كنا محتاجين فرصة.”

قالت:

“بس إنتِ كنتِ أكرم مني.”

قلت:

“لأ.”

هزيت راسي.

“أنا بس كنت محتاجة أعيش من غير حرب.”

ابتسمت.

“وأنا كمان.”

بعدها بمدة، حصل موقف صغير لكنه فضل في قلبي.

كنت في المطبخ بجهز الغدا.

نوال كانت قاعدة مع آدم.

سمعت صوتها بتقول له:

“قول لماما شكرًا.”

آدم ضحك.

قال:

“شكرًا يا ماما.”

قلت من المطبخ:

“على إيه؟”

قالت نوال:

“عشان عملتله الأكل.”

قلت:

“ده ابني.”

قالت:

“أيوه، بس مش خدامته.”

ضحكت.

خرجت لها.

لقيتها بتبص لآدم.

وقالت:

“أنا زمان كنت فاكرة إن الست لازم تعمل كل حاجة عشان تحافظ على بيتها.”

قلت:

“ودلوقتي؟”

قالت:

“دلوقتي عرفت إن البيت اللي محتاجك تفضلي طول الوقت ساكتة ومضغوطة عشان يفضل واقف، ده محتاج يتصلح من أساسه.”

سكت.

وبعدين قالت:

“البيت مش حيطة وسقف.”

بصت لي.

“البيت أمان.”

الجملة دي حسيت إنها لخصت كل اللي حصل.

بعد فترة، ياسين بدأ مشروع جديد.

مشروع صغير باسمه.

وكان مصمم إنه يبدأ من الصفر.

أنا سألته:

“مش خايف؟”

قال:

“أكيد.”

“طب ليه بتعمله؟”

قال:

“عشان أبويا علمني إن الفلوس ممكن تروح، لكن الخبرة ما بتروحش.”

وبالفعل، اشتغل.

ونجح بالتدريج.

مش نجاح خيالي.

ولا فجأة بقى مليونير.

لكن كل شهر كان بيتقدم خطوة.

وكان أهم شيء بالنسبالي إننا بقينا بنخطط سوا.

أي قرار كبير بيتاخد بينا.

وأي مشكلة بنتكلم فيها.

حتى لو اختلفنا.

وده كان جديد عليا.

زمان كنت بخاف من الخلاف.

دلوقتي بقيت عارفة إن الاختلاف مش معناه إن البيت هينهار.

البيت بينهار لما الناس تسكت عن الغلط لحد ما يتحول لحمل تقيل.

أما الكلام الصريح، حتى لو وجع، ممكن ينقذ.

وفي يوم، كنا قاعدين أنا وياسين بالليل.

آدم نايم.

والبيت هادي.

قال لي:

“مريم.”

“نعم؟”

“فاكرة أول يوم اتجوزنا؟”

ضحكت.

“أنساه إزاي؟”

قال:

“لو رجع بيكي الزمن، كنتي هتتجوزيني؟”

بصيت له.

قلت:

“سؤال صعب.”

فتح عينه.

“ليه؟”

ضحكت.

“عشان هطلب منك شروط.”

قال:

“شروط إيه؟”

قلت:

“أول شرط، ما تسكتش لما حد يظلمني.”

هز راسه.

“موافق.”

“تاني شرط، ما تخلينيش أحس إني غريبة في بيتنا.”

“موافق.”

“تالت شرط، لما تبقى أمك زعلانة مني، ما تخلينيش أحارب لوحدي.”

قال:

“موافق.”

“رابع شرط…”

قاطعني.

“كفاية شروط.”

ضحكت.

قال:

“وأنا عندي شرط.”

“إيه؟”

قال:

“لو أنا غلطت، ما تسكتيش.”

بصيت له.

قال:

“قوليلي.”

سكت.

قال:

“أنا اتعلمت إن السكوت ساعات بيخلّي المشكلة تكبر.”

ابتسمت.

وقلت:

“موافق.”

وبعدين مسك إيدي.

وقال:

“يبقى نتجوز.”

ضحكت.

“متأخر أوي.”

قال:

“نجدد بقى.”

ضحكنا.

وفي اليوم التالي، صحينا على مكالمة من نوال.

كانت بتقول:

“أنا جاية القاهرة.”

ياسين قال:

“ليه؟”

قالت:

“عندي خبر.”

قلت:

“خبر إيه؟”

قالت:

“مش هقول في التليفون.”

وقفلنا.

فضلنا طول اليوم بنحاول نخمن.

لما وصلت، كانت ماسكة ورقة.

قلت:

“إيه ده؟”

قالت:

“أنا اشتريت شقة صغيرة.”

ياسين فرح.

“بجد؟”

“أيوه.”

قلت:

“يعني هترجعي؟”

قالت:

“رجعت.”

آدم جري عليها.

قال:

“تيتا هتعيش هنا؟”

ضحكت.

“قريب.”

وبعدين بصت لي.

“بس مش عندكم.”

قلت:

“أكيد.”

قالت:

“أنا عايزة يبقى لي بيتي.”

قلت:

“وأنا عايزاكي يبقى ليكي بيتك.”

ضحكنا.

بعدها بأسبوع نقلت نوال لشقتها.

كانت قريبة مننا.

لكن مش معانا.

وبقى كل واحد عنده بيته.

لكن أبوابنا مفتوحة لبعض.

وده كان أجمل شكل وصلناله.

لا أنا بقيت مسؤولة عن حياتها.

ولا هي بقيت مسؤولة عن حياتنا.

لكن لما نحتاج بعض، بنكون موجودين.

وفي يوم، بعد حوالي سنتين من يوم الحكاية، كنت داخلة أوضة آدم.

لقيته واقف قدام الحيطة بيرسم.

قلت:

“بتعمل إيه؟”

قال:

“بيت.”

بصيت للرسم.

كان عامل بيت صغير.

وفيه أربع أشخاص.

سألته:

“مين دول؟”

قال:

“أنا وإنتِ وبابا وتيتا.”

ابتسمت.

قلت:

“وأهو البيت فيه إيه؟”

قال:

“ناس بتحب بعض.”

وقفت مكانى.

الكلمة كانت بسيطة.

لكنها بالنسبة لي كانت كل الحكاية.

أنا قضيت سنين فاكرة إن البيت هو المكان.

لكن آدم فهمها من غير ما يتعلمها.

البيت هو الناس.

البيت هو الأمان.

البيت هو إنك لما تتعبي تلاقي حد يسندك.

ولما تغلطي تلاقي حد يقولك الحقيقة من غير ما يهينك.

ولما تختلفي مع حد، ما يبقاش هدفك تكسره.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى