
أنا وجوزي خدنا بنتنا فلوريدا عشان نحقق لها آخر أمنية في حياتها لكن في آخر يوم لينا في الفندق مدير الفندق سلّمني جواب في ظرف مقفول وقال لي بصوت واطي
في حاجة عن الرحلة دي جوزك عمره ما قالهالك
بنتي ليلى اللي عندها عشر سنين ماكانش فاضل لها غير أمنية واحدة في الدنيا
كانت نفسها تشوف قصر سندريلا وتلمس البحر برجليها ولو لمرة واحدة
في الوقت ده تقريبًا ماكانش فاضل في حسابنا البنكي غير مبلغ بسيط جدًا
وجوزي كان بياخد أي شيفت إضافي يقدر عليه عشان نقدر نحقق لها أمنيتها
وفي آخر صباح لينا في فلوريدا مدير الفندق زق قدامي ظرف مقفول بهدوء وقال لي إن جوزي كان مخبي عني حاجة طول الرحلة كلها
بس الأول لازم تفهموا حاجة مهمة عن جوزي
اسمه كريم وهو مش أبو ليلى الحقيقي
مش أبوها من ناحية الدم
وعمره في يوم ما طلب منها تناديه بابا
هو بس كان دايمًا موجود
في كل زيارة للمستشفى
في كل مرة كانت حالتها تسوء الساعة تلاتة الفجر
وفي كل كشف للدكتور كانت الأخبار فيه بتبقى أسوأ من اللي قبله
ولما اتجوزنا ليلى بدأت تناديه بابا من نفسها
كأنها كانت بتعمل كده طول عمرها
أما إزاي وصلنا للفندق ده في فلوريدا فالحكاية بدأت قبل فرحنا بأسابيع
أبو ليلى الحقيقي مات في حادثة عربية قبل فرحنا بست أسابيع
ومن يومها ولحد ما ظهر كريم في حياتنا كانت الدنيا كلها عبارة عني أنا وليلى وبس
أنا وهي بنواجه الدنيا لوحدنا
لحد ما كريم دخل حياتنا
وكان عمره ما حاول ياخد مكان أبوها بالعافية
بالعكس
كان دايمًا يقول لها
أنا موجود عشانك يا ليلى مهما حصل
وكانت ليلى ساعات تبص له وهي مش فاهمة ليه جسمها مش قادر يعمل زي باقي الأطفال
وتسأله
بابا هو أنا ليه مش بعرف أجري وألعب زي باقي العيال؟ ليه دايمًا لازم أفضل في السرير؟
كريم كان بيبتسم لها ويمسح على شعرها ويقول لها
عشان انتي شاطرة وبتحاربي أكتر منهم
كان عمره ما يسمح لها تشوف دموعه
كان يستنى لما تنام وبعدها يدخل الحمام ويقفل الباب عليه ويعيط لوحده
لحد اليوم اللي الدكتور طلب يقعد معانا
بص لنا فترة طويلة قبل ما يتكلم
وبعدين قال لنا إن العلاج ماعادش بيجيب نتيجة وإن جسم ليلى ما بقاش بيستجيب له زي الأول
كانت عندها عشر سنين بس
لكنها كانت فاهمة أكتر مما كنا متخيلين
بصت للدكتور وبعدين بصت لي وبصت لكريم وسألته السؤال اللي كسر قلوبنا إحنا الاتنين
أنا فاضلي قد إيه؟
محدش فينا عرف يرد عليها
رجعنا البيت الليلة دي وإحنا ساكتين
وفي نص الليل ليلى قالت لنا إنها نفسها في حاجة واحدة بس قبل ما تمشي من الدنيا
قالت إنها نفسها تشوف قصر سندريلا
ونفسها تنزل البحر برجليها وتحس بالرملة والمية تحت رجليها
ماكانتش طالبة ألعاب غالية
ولا فستان أميرة
ولا حتى هدايا
كانت طالبة تشوف البحر
وتشوف القصر اللي كانت بتشوفه في الصور
أنا في اليوم ده بعت الإسورة الوحيدة اللي أمي كانت سايباها لي
كانت أغلى حاجة عندي
لكن أمنية ليلى كانت أغلى من أي حاجة أملكها
وبطريقة ما قدرنا نجمع الفلوس
وحجزنا وسافرنا فلوريدا
وخلال خمس أيام بس بنتي ضحكت أكتر مما ضحكت طول السنة اللي فاتت كلها
كانت بتاكل آيس كريم وهو بيسيح على إيديها
وتضحك
وتتصور مئات الصور
وفي كل صورة كانت عينيها فيها فرحة كنت فاقداها من زمان
والأجمل من كل ده إن مرضها ماكانش هو محور الكلام حتى مرة واحدة
كنا بنتكلم عن البحر
والقصر
والصور
والأكل
والأماكن اللي نفسها تشوفها
ولما رحنا الشاطئ الفندق كان مجهز لها سجادة خاصة تقدر تتحرك عليها على الرمل
وكمان كرسي متحرك مناسب للشاطئ
أنا افتكرت إن ده جزء من خدمات الفندق أو برنامج لمساعدة الأطفال اللي عندهم ظروف خاصة
وعمر الموضوع ما جه في بالي أسأل مين اللي رتب كل ده
كنت فاكرة إن الفندق عمله من نفسه
وفي آخر صباح لينا في الرحلة كانت ليلى لسه نايمة فوق
كانت حاطة ودان ميني جنب المخدة
وأنا كنت ببص لها من بعيد ومش قادرة أصدق إن الرحلة قربت تخلص
كريم نزل بره عشان يحمل الشنط في العربية
وأنا فضلت في الفندق عشان أخلص إجراءات المغادرة
مدير الفندق دخل رقم غرفتنا على الكمبيوتر
وبعدين رفع عينه وبص من خلال الواجهة الزجاجية ناحية كريم اللي كان واقف بره
وفجأة ملامح وشه اتغيرت
الابتسامة اللي كانت على وشه اختفت تمامًا
بصيت له باستغراب وقلت
في حاجة حصلت؟
ما ردش عليا
بدل ما يرد مد إيده تحت المكتب وطلع ظرف مقفول
وزقه ناحيتي على الرخامة قدامي
وقال بصوت واطي
أنا آسف جدًا
بصيت له وأنا مش فاهمة
فكمل
أنا كنت فاكر إن حضرتك عارفة
إيدي بدأت تترعش قبل حتى ما أفتح الظرف
سألته
عارفة إيه؟
قرب مني أكتر وخفض صوته كأنه خايف حد يسمعنا
وبعدين قال
حكايات_صافي_هاني
حصرياً
في حاجة مهمة جدًا بخصوص الرحلة دي جوز حضرتك مخبيها عنك
وبص للظرف قدامي وقال
والحاجة دي مالهاش أي علاقة بالحساب أو مصاريف الفندق
في اللحظة دي حسيت إن قلبي وقف
وبصيت من خلال الزجاج ناحية كريم
كان واقف جنب العربية
ووشه ناحيتي
ولما عينينا اتقابلت
لف وشه بسرعة للناحية التانية
وقتها عرفت إن الظرف ده مش مجرد جواب عادي
وإن الرحلة اللي كنت فاكرة إنها آخر هدية لبنتي
ممكن تكون وراها سر كبير جوزي كان مخبيه عني طول الوقت
والأخطر من كل ده
إن السر ده كان متعلق بحاجة حصلت في الفندق نفسه
حاجة أنا ماكنتش أعرف عنها أي حاجة
يتبع في الجزء التاني بما اني عندي حظر تعليقات فباقي القصه هاتلاقيها علي الصفحه
دي. عالم السطور وهناك اعملي متابعه عشان يوصلك
كل جديد
أبرز المعجبين
حكايات_صافي_هاني
حصرياً
المشهد الأول
فضلت واقفة قدام مدير الفندق وأنا ماسكة الظرف بإيدي والظرف تقيل بشكل غريب رغم إنه تقريبًا مفيهوش غير ورقة أو ورقتين
بصيت ناحية كريم من ورا الازاز مرة تانية
كان لسه واقف جنب العربية وبيحاول يرتب الشنط في الشنطة الخلفية
لكن من مكاني قدرت أشوف حاجة خلت قلبي ينقبض
كريم ماكانش بيبص للشنط
كان كل شوية يرفع عينه ناحية الفندق
ناحيتي أنا بالتحديد
وبمجرد ما عينينا اتقابلت لف وشه
رجعت بصيت لمدير الفندق وقلت له
هو جوزي عمل إيه هنا؟
هز راسه بسرعة وقال
أنا مش عايز أقول حاجة من عندي
قلت له وأنا بدأت أفتح الظرف
أمال الظرف ده فيه إيه؟
قال
افتحيه بنفسك
فتحت الظرف بإيد بتترعش
وأول حاجة وقعت قدامي كانت صورة
اتجمدت
الصورة كانت لليلى وهي قاعدة على كرسيها قدام البحر
بس الصورة ماكنتش من الصور اللي أنا خدتها
أنا عارفة كل صورة صورتها لبنتي
الصورة دي كانت متاخدة من بعيد
ليلى كانت باصة للبحر ووشها فيه ابتسامة واسعة
وفي ظهر الصورة كان مكتوب بخط إيد
اليوم الأول اللي شافت فيه البحر
قلبت الصورة
لقيت تحتها ورقة صغيرة
فتحتها
وكان مكتوب
إلى الشخص اللي فضل يدفع من غير ما حد يعرف
قلبي دق بسرعة
رفعت عيني للمدير
يعني إيه يدفع؟
قال
كملي
فتحت الورقة
لقيت قائمة طويلة
غرفة الفندق
الكرسي الخاص بالشاطئ
التنقلات
وجبات ليلى
رحلة خاصة للقصر
مصور
وأشياء تانية
لكن المفاجأة كانت في آخر الصفحة
كل البنود مكتوب جنبها
مدفوعة بالكامل
وتحتها توقيع كريم
بصيت للمدير وقلت
هو دفع كل ده؟
قال
جزء كبير آه
قلت
بس أنا كنت بدفع الحساب كل يوم
ابتسم ابتسامة حزينة
وقال
حضرتك كنت بتدفعي الأكل والحاجات العادية
وسكت شوية
وبعدين قال
لكن في حاجات تانية جوزك كان حاجزها من بدري جدًا
حسيت إني مش فاهمة حاجة
قلت
من بدري يعني إيه؟
رد
قبل ما توصلوا الفندق بحوالي شهرين
اتسعت عيني
شهرين؟
هز راسه
أيوه
قلت
بس إحنا ماكنّاش عارفين وقتها هنقدر نسافر أصلًا
قال
هو كان عارف
حسيت إن رجلي مش شايلاني
قعدت على الكرسي اللي ورايا
وبصيت للورقة تاني
هو
كان مخطط لكل ده؟
قال
أكتر مما تتخيلي
وساعتها سمعت صوت كريم من ورايا
سارة
اتجمدت
قفلته الورقة بسرعة
دخل كريم الفندق وهو بيحاول يبتسم
ليلى صحيت؟
ما رديتش
بص للمدير
وبعدين بص لي
وعرف
عرف من وشي إني فتحت الظرف
سكت
قلت له
إنت كنت مخبي عليا إيه؟
اتنهد
وقعد قدامي
كنت عايز الرحلة دي تبقى ليلى مش بتاعتنا
قلت
يعني إيه؟
قال
يعني كنت عايزها تحس إننا قدرنا نحقق لها أمنيتها من غير ما تعرف أنا عملت إيه
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة التوتر
طب ما تقول لي
قال
عشان كنت عارف إنك هترفضي
سألته
هرفض إيه؟
بص في الأرض
وقال
إن حد يساعدنا
قلت
إنت بتتكلم عن إيه؟
قبل ما يرد سمعنا صوت خطوات صغيرة جاية من السلم
ليلى ظهرت وهي لابسة هدومها وودان ميني على راسها
وقالت
ماما إحنا هنرجع مصر النهارده؟
مسحت دموعي بسرعة
وحاولت أبتسم
لكن كريم بص لي بنظرة طويلة
كأنه بيطلب مني ما أتكلمش قدامها
ساعتها فهمت إن اللي في الظرف مش كل السر
وإن كريم لسه مخبي حاجة أكبر
المشهد الثاني
رجعنا مصر وبعد أول يومين من الرجوع حاولت أتصرف عادي
لكن ماقدرتش
الظرف كان معايا
كل ليلة أفتحه وأبص للورق والصور
وكان فيه أكتر من صورة لليلى
صور وهي بتضحك
صور وهي بتاكل الآيس كريم
صور وهي قدام البحر
وصورة أخيرة كانت مختلفة تمامًا
كانت ليلى نايمة على سرير الفندق
وكريم قاعد جنبها ماسك إيدها
والصورة متاخدة من باب الغرفة
وتحتها جملة
أب يريد أن يمنح ابنته ذكرى قبل أن يصبح الوقت متأخرًا
فضلت أبص للصورة وقت طويل
لحد ما سمعت كريم بيقول من ورايا
لسه بتفتحيه؟
لفيت له
أيوه
قعد جنبي
قلت له
عايزة أعرف الحقيقة كلها
قال
أنا ماكدبتش عليكي
قلت
إنت أخفيت
سكت
قلت
والإخفاء أحيانًا بيكون أصعب من الكذب
فضل ساكت
فقلت
مين اللي دفع باقي الفلوس؟
رفع عينه لي
وقال
أنا
ضحكت
إنت؟
قال
أيوه
قلت
إزاي وإنت كنت بتشتغل شيفتات زيادة عشان تجمع فلوس الرحلة؟
سكت
وبعدين قال
كنت بجمع عشان أبان قدامك إني أنا اللي قادر أحقق لها أمنيتها
قلت
وباقي الفلوس؟
قال
بعت حاجات تخصني
اتصدمت
إيه؟
قال
العربية القديمة
قلت
بس العربية لسه موجودة
سكت
وبعدين قال
العربية اللي بتشوفيها مش بتاعتي
اتسمرت
يعني إيه؟
قال
أنا بعتها قبل السفر
طب العربية دي إيه؟
قال
مستأجرها
ماقدرتش أتكلم
أنا كنت فاكرة إننا رجعنا من فلوريدا وإحنا بالكاد لحقنا نفسنا
لكن الحقيقة إن كريم كان رجع من غير عربية
ومن غير حاجات كتير
ومن غير مدخراته
كل ده عشان ليلى
قلت له
ليه عملت كده؟
قال
عشان لما سألتني نفسها في إيه كنت شايف في عينيها إنها مش طالبة لعبة
سكت شوية
وبعدين قال
كانت عايزة تحس إنها طفلة عادية ولو كام يوم
دموعي نزلت
لكن كان لسه عندي سؤال
طب مين مدير الفندق؟
قال
هو مش مدير الفندق بس
بصيت له
يعني إيه؟
قال
هو واحد من الناس اللي ساعدوني
قلت
ساعدك إزاي؟
قال
أنا قبل السفر كنت بدور على أي مكان يقدر يستقبل ليلى من غير ما أحسسها إنها مريضة
وبعدها اكتشفت إن فيه ناس كتير في المكان ده عندهم برامج لمساعدة الأطفال اللي بيمروا بظروف صعبة
قلت
يعني الفندق هو اللي عمل كل ده؟
قال
أنا طلبت منهم
قلت
والصور؟
ابتسم
المصور كان هدية
سكت شوية
وبعدين قال
بس فيه حاجة واحدة ماكنتش عايزك تعرفيها
قلبي دق
إيه؟
قال
إن الرحلة دي ماكانتش آخر أمنية ليلى
اتجمدت
يعني إيه؟
بص لي
وقال
هي كانت فاكرة إن أمنيتها الوحيدة إنها تشوف البحر والقصر
سكت
لكن أنا عرفت إن فيه أمنية تانية
قلت
إيه؟
قال
كانت نفسها تشوف أبوها
شهقت
أبوها مات من سنين يا كريم
قال
عارف
قلت
إزاي تشوفه؟
سكت
ثم أخرج من درج المكتب ظرفًا آخر
ووضعه أمامي
وقال
أنا لقيت حاجة تخص أبوها قبل السفر
المشهد الثالث
فتحت الظرف التاني ببطء
وكان جواه مفتاح صغير
ومجموعة أوراق
وصورة قديمة لليلى وهي رضيعة
وفي الصورة أبوها الحقيقي شايلها وبيضحك
فضلت باصة للصورة وأنا حاسة إن الزمن رجع بيا سنين
سنين كاملة كنت بحاول أقفل عليها باب الماضي
لكن كريم كان فتح الباب من جديد
قلت له
إنت جبت الحاجات دي منين؟
قال
من بيت أبوها
قلت
بيت أبوها اتباع من زمان
قال
مش كل حاجة
وبعدين مد لي ورقة
كانت رسالة مكتوبة بخط يد أبو ليلى
وكان أول سطر فيها
لو في يوم بنتي سألت عني
ماقدرتش أكمل
دموعي غطت عيني
قلت
إنت قريتها؟
قال
أيوه
قلت
وكان مكتوب إيه؟
قال
كان كاتب إنه عارف إن عمره ممكن يكون قصير
سكت
ثم قال
وكان عايز ليلى لما تكبر تعرف إنه كان بيحبها
انهرت في العياط
أنا عمري ما كنت عايزة بنتي تعيش في الماضي
كنت خايفة عليها من وجع فقدان أبوها
لكن كريم كان شايف حاجة مختلفة
كان شايف إنها من حقها تعرف إن أبوها مااختفاش بإرادته
وإن موته ماكانش معناه إن حب أبوها ليها مات
قلت
إنت كنت مخطط إنها تقرأ الرسالة؟
قال
مش دلوقتي
قلت
أمال إمتى؟
قال
لما تبقى جاهزة
وفي اللحظة دي دخلت ليلى علينا
كانت ماسكة صورة من الصور اللي رجعنا بيها
وقالت
بابا
كريم بص لها
نعم يا حبيبتي؟
قالت
هو أنا ممكن أطلب منك حاجة؟
ابتسم
اطلبي
قالت
أنا عايزة أروح البحر تاني
ضحكنا رغم دموعنا
قال لها
إن شاء الله
لكن ليلى كملت
مش البحر اللي في فلوريدا
سكتنا
قالت
أنا عايزة أروح البحر هنا
قلت لها
ليه؟
قالت
عشان أبقى عارفة إن البحر مش حاجة حصلت مرة وخلاص
قربت منها
وقلت
هنروح
بصت لكريم وقالت
بابا هتاجي معانا؟
قال
طبعًا
ابتسمت
لكن وأنا لاحظت إن كريم ماسك المفتاح الصغير في إيده
وبص عليه للحظة
عرفت إن المفتاح ده مرتبط بحاجة لسه ماعرفتهاش
وفي نفس الليلة لما ليلى نامت
قلت له
المفتاح ده بيفتح إيه؟
قال
أمانة
قلت
أمانة مين؟
قال
أبوها
قلت
إنت لقيته فين؟
سكت طويلًا
وبعدين قال
في صندوق أمانات
قلت
صندوق أمانات فين؟
قال
في بنك
قلت
وفيه إيه؟
قال
حاجة كان أبو ليلى سايبها لها
قلت
فلوس؟
هز راسه
لا
قلت
دهب؟
قال
برضه لا
قلت
أمال إيه؟
بص لي وقال
حقيقة
المشهد الرابع
بعد أسبوع أخدنا ليلى وروحنا البحر
كانت فرحانة بطريقة خلتني أنسى كل حاجة
خلعت شبشبها وجريت على الرمل
كريم كان ماشي وراها وهو بيضحك
وأنا كنت واقفة أتفرج عليهم
في اللحظة دي فهمت إن الأبوة مش دايمًا دم
الأب الحقيقي أحيانًا هو الشخص اللي يفضل واقف جنب الطفل وقت ما كل الناس تمشي
بعد شوية ليلى تعبت وقعدت
كريم قعد جنبها
وفجأة قالت له
بابا أنا عايزة أسألك سؤال
قال
اسألي
قالت
إنت بتحبني بجد؟
كريم اتصدم من السؤال
وقال
ده سؤال؟
ضحكت
وقالت
أيوه
قال
أنا بحبك أكتر مما تتخيلي
سألته
حتى وأنا مش بنتك؟
اتغيرت ملامحه
قرب منها وقال
مين قالك إنك مش بنتي؟
قالت
أنا عارفة إنك مش أبويا الحقيقي
أنا كنت واقفة بعيد وسمعتهم
قلبي وجعني
كريم مسك إيدها
وقال
يا ليلى فيه فرق بين أبوكي بالدم وبين باباكي في الحياة
بصت له
قال
أبوكي بالدم كان ليه مكان في حياتك ومات وهو بيحبك
وأنا اخترت أبقى باباكي وأنا عارف كل حاجة
ومحدش يقدر ياخد مكان حد
سكتت
ثم قالت
يعني هو كان بيحبني؟
قال
أيوه
سألته
إنت شفته؟
قال
لا
ثم نظر ناحيتي
وأنا فهمت
هو كان مستعد يقول لها الحقيقة كلها
لكن من غير ما يكسرها
بعد ما رجعنا البيت في نفس الليلة
طلعنا معاه للبنك
ليلى ماكنتش عارفة إحنا رايحين ليه
دخلنا غرفة صغيرة
وموظف البنك جاب صندوق
كريم حط المفتاح
فتح الصندوق
وكان جواه ظرف قديم جدًا
وفوقه اسم ليلى
بخط أبوها
ليلى بصت لي
ده إيه؟
قلت
دي حاجة باباكي سابها لك
مسكت الظرف بإيدها الصغيرة
وقبل ما تفتحه بصت لكريم
ممكن تفضل جنبي؟
قال
مش هتحرك
فتحت الظرف
وأول ورقة كانت رسالة
قرأناها معاها
وكان أبوها كاتب إنه عارف إن ابنته لسه صغيرة
وإنه لو حصل له شيء فهو مش عايزها تكبر وهي فاكرة إنه اختار يبعد عنها
وإنه كان بيحلم يشوفها وهي بتكبر
وفي آخر الرسالة كتب لها إنه يتمنى في يوم من الأيام يكون في حياتها شخص يحافظ عليها ويخاف عليها ويعاملها كأنها أغلى ما عنده
ليلى وقفت عن القراءة
وبصت لكريم
هو كان بيتكلم عنك؟
كريم دمعت عينه
وقال
يمكن
قالت
أنا شايفة إنه كان بيتكلم عنك
وأنا وقفت بعيد أبكي
لكن في أسفل الصندوق كان فيه ظرف تاني
أصغر
وعليه كلمة واحدة
لسارة
اتجمدت
بصيت لكريم
قلت
ده ليا أنا؟
قال
أيوه
فتحت الظرف
وكان جواه ورقة واحدة
وفيها جملة قصيرة
لو في يوم قابلتي رجل يحب ابنتي أكثر من نفسه فخليه يكمل الطريق معاها
رفعت عيني لكريم
وكان هو بيبكي
قلت له
إنت كنت عارف إن الرسالة دي موجودة؟
قال
لا
سكت
ثم قال
أنا كنت أعرف إن فيه صندوق
قلت
لكن ماكنتش تعرف محتواه
قال
أبدًا
في اللحظة دي حسيت إن كل الأسرار اللي خفت منها كانت في النهاية أسرار حب
لكن قبل ما نقفل الصندوق
الموظف قال
فيه حاجة تانية
بصينا له
قال
الصندوق ده كان
فيه تعليمات إن في حالة وفاة صاحب الصندوق يتم تسليم جزء معين من محتوياته بعد مرور عشر سنين
قلت
عشر سنين؟
هز راسه
والوقت خلص من أسبوع
بصيت لكريم
ثم لليلى
والموظف قال
يعني لسه فيه ظرف تالت المفروض يتسلّم لكم
المشهد الخامس
خرجنا من البنك وإحنا مش فاهمين إيه اللي ممكن يكون في الظرف التالت
كريم كان ساكت
وأنا كنت بحاول أستوعب إن كل حاجة حصلت في حياتنا خلال الأسابيع اللي فاتت كانت بتقود للحظة دي
وفي اليوم التالي رجعنا للبنك
الموظف جاب الظرف
وكان أكبر من الظرفين اللي قبله
لكن الغريب إنه ماكانش مكتوب عليه اسم ليلى
كان مكتوب
لمن يفتح هذا الظرف بعد عشر سنوات
فتحه كريم قدامنا
جواه مجموعة أوراق
وأول ورقة كانت عقد تأمين قديم
لكن مش على حياة أبو ليلى
كان على شيء تاني
على قطعة أرض
وباسم ليلى
اتصدمت
يعني إيه؟
الموظف شرح إن أبوها كان اشترى قطعة أرض صغيرة وسجلها باسمها وهي طفلة
وإن الأرض دي كانت قيمتها وقتها بسيطة جدًا
لكن بعد عشر سنين بقت قيمتها كبيرة
بصيت لكريم
إنت كنت عارف؟
قال
لا
قلت
طب مين كان بيدفع مصاريفها؟
قرأنا الأوراق
وكان فيه حساب صغير مرتبط بالأرض
أبو ليلى كان بيحط فيه مبلغ كل شهر قبل وفاته
ومع الوقت المبلغ كبر
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر ورقة
كان مكتوب إن المال ده ماينفعش يتصرف فيه إلا لغرض واحد
تعليم ليلى
وقتها ليلى قالت
يعني بابا كان عايزني أروح المدرسة وأكمل؟
كريم مسح على شعرها
كان عايزك تعيشي يا ليلى
سكتت
ثم قالت
أنا هكمل
بصيت لها
قالت
حتى لو تعبت
كريم قرب منها وقال
إنتِ مش مطالبة تثبتي لأي حد حاجة
إنتِ بس تعيشي كل يوم على قد ما تقدري
رجعنا البيت
وكان عندي إحساس إن الحكاية خلصت
لكن في الليل جالي اتصال من مدير الفندق في فلوريدا
رديت
قال
أنا آسف إني بتصل في الوقت ده
قلت
في حاجة؟
قال
في حاجة لازم تعرفيها
قلبي وقع
إيه؟
قال
بعد ما خرجتوا من الفندق بيوم وصلنا خطاب جديد باسم جوزك
قلت
خطاب من مين؟
قال
من المؤسسة اللي بتساعد الأطفال
سكت شوية
ثم قال
كانوا عايزين يتأكدوا إن كريم هو الشخص اللي طلب المساعدة باسم ليلى
قلت
ليه؟
قال
عشان كريم كان رافض إن اسمكم يظهر في أي حملة أو تبرعات
استغربت
يعني إيه؟
قال
فيه ناس عرضت تدفع تكاليف الرحلة بالكامل
قلت
ومين؟
قال
أشخاص ماكانش يعرفهم شخصيًا
سكت
ثم قال
لكن جوزك رفض
قلت
ليه؟
قال
قال إنه مش عايز ابنته تحس إنها مدينة لحد
دموعي نزلت
لكن المدير كمل
ومع ذلك فيه شخص واحد دفع مبلغ صغير جدًا من غير ما كريم يعرف
قلت
مين؟
قال
أنا
اتصدمت
قال
لما شفت ليلى وهي بتبص للبحر فهمت إن الرحلة دي مش مجرد رحلة
سكت
ثم قال
وأنا كنت عايز أشارك في فرحتها بأي حاجة
شكرت الرجل وقفلت المكالمة
دخلت أوضة كريم
لقيته نايم جنب ليلى
هي كانت ماسكة إيده
وهو نايم على الكرسي جنب سريرها
بصيت لهم
وقعدت على طرف السرير
وفكرت في كل حاجة
في أبوها الحقيقي اللي ساب لها رسالة
وفي كريم اللي اختار يكون أبوها
وفي رحلة كان ممكن تبقى مجرد ذكرى مؤلمة
لكنها اتحولت لخمسة أيام من الضحك
بعد شهور
حالة ليلى بدأت تستقر بشكل أفضل مما توقعنا
العلاج الجديد اشتغل
والدكتور قال لنا إننا نركز على يوم بيوم
ليلى بدأت ترجع للمدرسة على فترات
وبقت كل شوية تقول إنها عايزة تسافر تاني
وفي يوم رجعت من المدرسة ومعاها ورقة
قالت
ماما بصي
كانت كاتبة فيها
أمنيتي الجديدة إني أبقى كبيرة وأحقق أحلامي بنفسي
بصيت لكريم
وضمّيناها بينا
مرت سنة
ثم سنتين
وبعدها بدأت ليلى تتحسن أكتر
وفي عيد ميلادها الثالث عشر وقفت قدامنا وقالت
أنا عايزة أقول حاجة
قلت لها
قولي
قالت
أنا كنت فاكرة إن أمنيتي كانت القصر والبحر
سكتت
لكن اكتشفت إن أمنيتي الحقيقية كانت إني ألاقي ناس تحبني من غير شروط
بصت لكريم
وقالت
وأنا لقيت
كريم ماقدرش يمنع دموعه
وقالت له
إنت بابا
رد عليها
وأنا محظوظ إنك بنتي
وبعدها بسنين
وقفت ليلى قدام البحر تاني
المرة دي من غير كرسي
مشت برجليها على الرمل
والموج لمس قدميها
وبصت لي
وقالت
فاكرة أول مرة جيت هنا؟
ضحكت
أنساها إزاي؟
قالت
أنا كنت فاكرة إن دي آخر مرة أشوف فيها البحر
وسكتت
ثم بصت ناحية كريم
بس بابا كان عارف إن الحكاية لسه ماخلصتش
ضحكت وقلت
هو كان عارف إيه؟
ابتسمت
إن ربنا ممكن يدي الإنسان فرصة تانية
ومسكت إيدي
وقالت
وعشان كده أنا كل ما الدنيا تضيق بيا بفتكر حاجة واحدة
إيه؟
قالت
إن الأمنيات مش دايمًا بتتحقق بالطريقة اللي إحنا متخيلينها
ساعات ربنا يحققها في صورة إنسان
بصيت لكريم
وكان واقف بعيد بيتفرج علينا
وعرفت وقتها إن أكبر سر أخفاه عني ماكانش خيانة ولا غدر ولا حاجة يخجل منها
كان حب
حب خلّاه يبيع حاجاته
ويتعب
ويشتغل ليل ونهار
ويخبي عني كل اللي عمله عشان مايحسسنيش إننا محتاجين حد
وحب خلّاه يقف جنب طفلة مش من دمه ويقول لها بكل صدق
إنتِ بنتي
أما الظرف الأول اللي سلّمهولي مدير الفندق
فضل عندي
احتفظت بيه في درج صغير
وكل ما افتحه وأشوف الصور أفتكر إن الإنسان ممكن يدخل رحلة وهو فاكر إنها نهاية
ويكتشف بعدها إنها كانت بداية جديدة
وبعد سنوات طويلة لما كبرت ليلى واتخرجت ووقفت على منصة التكريم
كان كريم أول واحد تقوم عينيه بالدموع
نادت على اسمها
ومشت ليلى قدام الناس
لكن قبل ما تستلم شهادتها بصت له
وقالت
دي ليك يا بابا
صفق الناس
وكريم حط إيده على قلبه
وأنا كنت واقفة جنبه
وبعد الحفل رجعنا البيت
ليلى فتحت درج المكتب
طلعت الظرف القديم
وقالت
لسه محتفظة بيه؟
قلت
طبعًا
قالت
أنا كمان عندي حاجة محتفظة بيها
طلعت أول صورة اتصورت لها في فلوريدا
صورة البحر
وقالت
دي أول مرة حسيت فيها إني مش مريضة
سكتت لحظة
كنت بس بنت عندها أمنية
وقالت
وبفضل ربنا وبابا إنتوا خليتوني أكمل
في اللحظة دي فهمت إن الرحلة اللي بدأت بفلوس قليلة وخوف كبير ونهاية كنا بنحاول نهرب منها
كانت في الحقيقة واحدة من أعظم النعم اللي دخلت حياتنا
لأن أحيانًا الإنسان يفتكر إن أكبر خسارة حصلت له هي اللي ماتت
وبعدين يكتشف إن ربنا بيعوضه بأشخاص يفضلوا واقفين مكانهم
مش عشان يمحوا الماضي
لكن عشان يساعدوه يكمل الطريق
وأنا عمري ما نسيت الرسالة اللي كتبها أبو ليلى
ولا اليوم اللي كريم فتح فيه الظرف
ولا أول مرة ليلى لمست البحر
لكن أكتر جملة فضلت محفورة في قلبي كانت من كريم نفسه
لما سألته يومها
إنت ليه عملت كل ده؟
فبص لي وقال
عشان لو ربنا كتب لها عمر طويل تفتكر إن أول حاجة عملناها قبل ما نخاف على بكرة إننا خليناها تفرح النهارده
ومن يومها وأنا مؤمنة إن الرحمة مش كلمة
الرحمة فعل
والحب مش كلام
الحب موقف
والأبوة مش دايمًا دم
الأبوة إنك تفضل موجود وقت ما الدنيا كلها تقول لك امشي
وربنا وحده أعلم بقلوب عباده
وحده قادر يحوّل أصعب أيام العمر لذكريات نحمده عليها بعد سنين
ويمكن دي كانت أعظم أمنية اتحققت لليلى
مش إنها شافت القصر
ولا إنها لمست البحر
لكن إنها عاشت وعرفت إنها محبوبة
وإن ليها أبًا اختارها بقلبه
وأمًا ما بطلتش تحارب عشانها
وإن بعد كل خوف كان فيه دائمًا باب مفتوح
ورحمة من ربنا أكبر من كل اللي كنا فاكرين إننا فقدناه.




