روايات وقصص

محمد نور

طردتني أمام مجلس الإدارة بأكمله… دون أن تعلم أن المالكة الحقيقية للشركة هي أنا!

وقفت نائبة رئيس مجلس الإدارة في منتصف الاجتماع السنوي، وأعلنت على الملأ أم الجميع أنني مطرودة.

في تلك اللحظة، نظرتُ إلى زوجي الجالس على كرسي المدير التنفيذي، وسألته بكل هدوء:

— تعمل إلى جانبك منذ ستة أشهر… وأما زلت لم تخبرها من يملك الكلمة الأخيرة والفيصل في “مجموعة القمة القابضة”؟

ساد القاعة صمتٌ رهيب كالمقابر.

حتى تلك اللحظة، كنت في نظر الجميع مجرد “سارة الشافعي”، مديرة قسم اللوجستيات. موظفة بسيطة، تجلس في أبعد مقعد عن طاولة الاجتماعات الضخمة، والضحية المثالية في نظرهم.

كان الاجتماع السنوي يستمر لساعات؛ تقارير مالية، مراجعات، وتوقعات مستقبليّة… إلى أن أخذت “رانيا”، نائبة الرئيس التنفيذي، الميكروفون دون أن يكون كلمتها مدرجة في جدول الأعمال.

— قبل أن نتابع —قالت بصوت حاد— لدينا أمر عاجل.

تسمرت عيناها عليّ.

— سارة الشافعي.

التفتت عشرات الوجوه نحوي، بينما ابتسمت رانيا بانتصار.

— أظهر التحقيق الداخلي وجود مشاريع وهمية، واختلاس في الميزانية، وتلاعب بالأموال تحت مسؤوليتها. وقد قررت الإدارة فصلها فكراً وفوراً.

سرت همهمة بين الحاضرين، لكنها لم تنتهِ بعد.

— غادري القاعة فوراً.

لم أتحرك من مكاني. فتحت زجاجة الماء، رشفت منها رشفة هادئة، ثم أعدتها إلى الطاولة.

بدأت ابتسامة رانيا تتلاشى:

— ألم تسمعيني؟

— سمعتكِ تماماً.

رفعت بصري إليها:

— لكني أتساءل فقط… منذ متى يحق لنائبة رئيس أن تدين موظفة في اجتماع المساهمين دون تقديم قرار رسمي، أو تقرير قانوني، أو تصويت من مجلس الإدارة؟

خفض العديد من الحاضرين أبصارهم إلى جدول الأعمال؛ لم يكن هناك أي بند يتعلق بي.
— لا أحتاج لأن أكون كذلك.

أوضح توفيق لنفسه وللجميع:

— بالكتلة التصويتية للأوقاف، يحق لها الدعوة لجلسة طارئة.

نَظَر إليّ طارق بثبات:

— أنتِ لا تملكين 51.8% من الأسهم!

— لم أقل ذلك قط.

رمش بذهوله:

— قلتِ…

— قلتُ حقوق التصويت. أوقاف الشافعي تملك 34.6% مباشرة، ولكن بعد وفاة جدتي، وقّع كبار المساهمين التزام تحالف تصويتي بنسبة 17.2% إضافية.

حسبها توفيق فوراً:

— المجموع 51.8%.

أومأتُ:

— وطالما تحقق الشرط الحماي، فتصويتهم يمارَس بالتضامن مع الأوقاف.

نظرت رانيا إلى طارق:

— قل لي إن عائلة الشافعي لم تعد تسيطر على المجموعة!

لم يُجبها طارق، فأجبتها أنا:

— تقنياً، هو محق؛ “عائلة الشافعي” لا تسيطر… بل شخص واحد من العائلة. أنا.

حلّ صمت طوّق الجميع، ثم وقف توفيق الشريف:

— أطلب رسمياً تعليق جدول الأعمال العادي وافتتاح الجلسة الاستثنائية.

— أؤيد المقترح —قالت المفتشة المالية.

ضرب طارق الطاولة:

— هذا جنون!

رد توفيق بهدوء:

— إن كانت الأدلة مزيفة، فالتحقيق سيتكفل بإثبات ذلك.

— أنا المدير التنفيذي!

— حتى اللحظة.

كانت الكلمتان أشد إيلاماً من أي صراخ.

تطلع طارق إليّ:

— أهذا ما أردتِه؟

— لا.

— إذن ماذا أردتِ؟

تذكرتُ السنوات السبع الماضية. عندما التقيت بطارق، لم تكن “القمة” بهذا الحجم؛ كانت شركة بواقع استثماري متعثر وديون خنقته، ومؤسس يرفض الاعتراف بإفلاسه. جدتي رأت فيه شعلة، وأنا كذلك، ونحن من أقنع صندوق الأوقاف بالدعم، بشرط واحد: ألا يظهر اسم عائلة الشافعي في الواجهة اليومية للشركة. كانت جدتي تمقت الورثة الذين يتباهون بالمناصب، وتؤمن أن النفوذ الأصدق هو ما لا يحتاج لاستعراض.

بعد وفاتها، ورثتُ موقعها، وكنتُ في التاسعة والعشرين. كان بإمكاني طلب مكتب إلى جوار المدير التنفيذي، لكني طلبتُ البدء من القاعدة: المشتريات، المبيعات، ثم اللوجستيات… أردت معرفة أحشاء الشركة التي سأكون مسؤولة عن حمايتها.

طارق كان يعلم ذلك وكان يحترمه، لكن الشهوة والمظاهر غيّرتاه. عندما بدأت الصحافة تصفه بـ “مهندس المعجزة”، نسي من أنقذه، وعندما دخل مستثمرون جدد، تركهم يفترضون أنه المالك المطلق.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى