روايات وقصص

متلازمه داون منال علي

مسح، وكنيس، وترتيب، وترويق.. ما بترحمهاش ولا بتعتقها دقيقة واحدة من أول ما النهار يشقشق لحد ما الليل يدخل. ولما باجي أتكلم وأقول كفاية، توقف لي في الصالة وتبصلي من فوق لتحت وتقول ببرود: “أنا بعلمها يا طنط.. بكرة بعد الشر عنك تفارقوها، مين هيشيلها؟ لازم تعتمد على نفسها وتبقى ست بيت شاطرة!”.. كلام سم بيتقال بابتسامة صفرا، وابني للأسف ماشي وراها ومغمض عينيه، شايفها الملايكة اللي بتصبر على أخته.

بنتي اسمها “نور”.. وشها زي البدر، وطيبة قلبها مالهاش مثيل في الدنيا دي كلها. جسدها كبير وعمرها 35، بس عقلها وقلبها عصفور بريء عنده سبع سنين. إيديها اللي كانت ناعمة بقت مشققة وخشنة من مية المسح والكلور، وضهرها بقى محني من كتر الشيل والحط.. بتطلع فوق الصبح بدري، وتفضل شغالة طول اليوم، ومبتنزلش عندي الشقة تحت غير لما المغرب يدّن وهي مهدودة وريقها ناشف. بقلم مـنال عـلي

المصيبة مش بس في التعب والبهدلة الجسدية.. المصيبة في اللي بيحصل في عقلها وقلبها.

نور لما بتنزل عندي تحت، بتبدأ الحكاية الحقيقية اللي بتقطع في نياط قلبي حتة حتة.. حصري علي روايات واقتباسات

تقعد في ركن الصالة، تاخد مخدة في حضنها، وتبدأ وتغني ليها بصوت واطي: “نام يا حبيبي.. متعيطش يا ابن ماما”. تقعد تكلم الحيطان، وتبص على الباب وتقول بفرحة طفولية: “حمد لله على السلامة يا أحمد، جهزتلك العشا.. تعبت في الشغل النهارده؟”..

كنت بقعد ، وأسأل نفسي ألف سؤال: أعمل إيه؟ أطلع ألمها وأقفل بابي عليها ومتطلعش فوق تاني؟ طب وأخوها؟ هيقول عليا بفرّق بينهم وبخرّب بيته! وأنا ست كبيرة وصحتي على قدي، لو رقدت مين هيحن عليها؟

لحد ما جه يوم الخميس اللي فات.. اليوم اللي قلب الموازين كلها.

الساعة عدت تمانية بالليل، ونور منزلتش كعادتها.. اتصلت على مرات ابني “شيرين”، تليفونها كان مقفول.. قلبي نغزني ولقيت رجلية بتسحبني على السلم خطوة ورا خطوة، وطلعت الشقة فوق.

وصلت عند باب الشقة، ولقيت الباب مش مقفول بالمفتاح، كان موارب حتة صغيرة ومطلع ضوء خافت جداً.. مدّيت إيدي وفتحت الباب ببطء من غير ما أعمل صوت..

الشقة كانت ضلمة وكأن مفيهاش روح، مفيش غير نور ضعيف جاي من أوضة التخزين اللي في آخر الممر.. الأكبر إن شيرين مكنتش موجودة، كانت سايبة البيت!

مشيت على طراطيف صوابعي والشك بياكل في عقلي، ولما قربت من ، سمعت صوت أنين ونحيب مكتوم يوجع القلب.. صوت نور بنتي!

ومسكت في جلابيتي وهي بتبكي بهستيريا، وشاورتلي على الحمام وهي بتقول كلام مش مفهوم..

ولما بصيت على الأرض تحت رجليها، شهقت شهقة خلت روحي تطلع من مكانها..

الأرض تحت نور كان عليها هدوم متكومة جنب بعض وبقعة مية كبيرة والحمام بابه مفتوح وفي إيدها كانت ماسكة طرف جلابيتي بقوة لدرجة إن صوابعها ابيضت.

بصيت لها وقلت بصوت :

“نور… حبيبتي… إيه اللي حصل؟”

نور ما ردتش.

فضلت تشير ناحية الحمام وبعدين تشير لبطنها وهي بتعيط وتقول كلمات متقطعة:

“ماما… وجع… شيرين… قفلت… قالت…”

قربت منها ونزلت على ركبتي رغم إن ركبتي كانت بتوجعني.

“شيرين عملت فيكي إيه يا نور؟”

نور هزت راسها بسرعة وغطت ودانها.

وفجأة سمعت صوت خبط خفيف من جوه الحمام.

اتجمد الدم في عروقي.

بصيت ناحية الباب.

“مين جوه؟”

مفيش رد.

قربت خطوة.

وبعدين سمعت صوت حاجة وقعت على الأرض.

فتحت باب الحمام مرة واحدة.

مفيش حد.

لكن كان فيه كيس بلاستيك كبير مستخبي ورا الباب.

سحبته.

جواه علب أدوية ومستلزمات طبية وبعض الأوراق.

مسكت أول ورقة وبدأت أقرا.

كانت ورقة من مركز طبي.

الاسم كان…

نور أحمد عبد الرحيم.

قلبي وقع في رجلي.

بصيت على تاريخ الورقة.

من أسبوع.

وبصيت على ورقة تانية.

وبعدين تالتة.

كلهم متعلقين بنور.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى