روايات وقصص

قبل فرحي حكايات صافي هاني

قالت:

“بنت محترمة، دكتورة، واتعرف عليها من خلال شغله في المؤسسة. ولسه الموضوع في أوله.”

ابتسمت رغم الوجع.

“ربنا يوفقه.”

مريم سكتت شوية.

“إنتِ زعلانة؟”

فكرت بصدق.

“شوية. مش عشان كنت مستنياه يرجع، لكن عشان جزء مني كان لسه متعلق بفكرة إننا ممكن نرجع زي زمان.”

قالت:

“وده طبيعي.”

“بس أنا مش عايزاه يرجع لي لمجرد إنه مش قادر ينساني. أنا عايزاه لو رجع يكون عارف هو عايز إيه، ويكون قادر يتحمل مسؤولية اختياره.”

مريم قالت:

“يمكن دي أول مرة إنتِ وهو تبقوا فاهمين معنى الاختيار.”

قفلت المكالمة، وفضلت قاعدة قدام الشباك.

بعد دقائق، وصلني منه رسالة.

“سارة، مريم قالتلك إني اتعرفت على حد. حبيت أقولك بنفسي عشان ما تسمعيش الخبر من حد تاني. أنا مش هطلب منك رأيك، ولا هحاول أخليكي تغيري قرارك. بس حبيت أكون صادق معاكي للمرة دي.”

قريت الرسالة، وحسيت إن قلبي وجعني، لكن الوجع كان مختلف.

كتبت له:

“أتمنى تختار صح المرة دي يا حمزة. أتمنى ما توعدش حد بحاجة إلا لو كنت مستعد تلتزم بيها.”

رد:

“ده اللي بحاول أتعلمه.”

وبعدها انتهى الكلام.

ما عيطتش.

ما فتحتش الصور القديمة.

ما رجعتش أفتكر فستان الفرح.

قمت، وفتحت الشباك، وسمحت للهوا يدخل الأوضة.

كانت دي أول مرة أحس إنني فعلًا بدأت أسيب الماضي ورايا.

بعد سنة ونصف من إلغاء الفرح، وصلتني دعوة لحفل افتتاح فرع جديد لمؤسسة مريم الخيرية.

كنت مترددة أروح، لكن مريم اتصلت بيا بنفسها وأصرت.

لما وصلت، لقيت المكان مليان ناس، والأطفال بيجروا في الحديقة، والمتطوعين بيوزعوا الهدايا.

شفت حمزة واقف بعيد، بيتكلم مع مجموعة من الناس.

كان شكله مختلف. مش في هدومه أو طريقته، لكن في هدوئه.

لما لمحني، ابتسم، وجالي.

قال:

“إزيك يا سارة؟”

“الحمد لله. مبروك.”

“الله يبارك فيكي.”

بصيت حواليّا.

“المكان جميل.”

قال:

“مريم تعبت فيه جدًا.”

“واضح.”

سكتنا لحظة.

ثم قال:

“أنا اتجوزت.”

بصيت له، وابتسمت.

“ألف مبروك.”

قال:

“شكرًا. هي إنسانة طيبة، وأنا بحاول أكون معاها صادق من أول يوم.”

هزيت راسي.

“ده أهم شيء.”

بص لي، وكأنه كان عايز يقول حاجة تانية، لكنه اكتفى بابتسامة.

بعدها ظهرت زوجته، ست هادية الملامح، وسلمت عليا باحترام.

اتكلمنا دقائق بسيطة عن المؤسسة، وبعدها راحت تساعد مريم.

وقفت أبص لحمزة من بعيد.

ما حسيتش بالغيرة اللي كنت متخيلاها.

حسيت بحزن بسيط على الحياة اللي ما حصلتش، لكني حسيت كمان بالراحة، لأن كل واحد فينا بدأ يعيش حياته من جديد.

قبل ما أمشي، مريم جت حضنتني.

قالت:

“كنت أتمنى أشوفكم سوا.”

ابتسمت لها.

“وأنا كمان كنت بتمنى ده في وقت من الأوقات.”

سألتني:

“بتندمي إنك مشيتي؟”

بصيت لها طويلًا.

“لأ. أنا ندمت على حاجات كتير، لكن مش ندمانة إني اخترت نفسي لما حسيت إني بضيع.”

مريم مسكت إيدي.

“ربنا يعوض قلبك بالخير.”

خرجت من المكان، وركبت عربيتي.

وفي الطريق، افتكرت السؤال اللي سألته لحمزة أول مرة:

“لما أنا خرجت من أوضة الفندق، إنت فضلت قاعد ليه؟”

دلوقتي كنت عارفة الإجابة.

لأنه كان فاكر إن حبي ليه مضمون.

ولأنه كان متأكد إني هفضل مستنياه.

ولأنه ما فهمش إن الست اللي بتحب بصدق، ممكن تصبر على ظروف كتير، لكنها مش مطالبة تقبل الإهانة عشان تثبت حبها.

أنا ما خسرتش حمزة يوم ما اكتشفت علاقته التانية.

أنا خسرت الصورة اللي رسمتها له في خيالي.

أما نفسي، فرجعت لي بالتدريج.

مرت ثلاث سنين على ليلة الفندق.

في يوم هادي من أيام الربيع، كنت قاعدة في شقتي، براجع أوراق شغلي، لما لقيت ظرفًا قديمًا بين الكتب.

كان الظرف اللي احتفظت فيه برسالة حمزة الأخيرة قبل ما أتجوز.

أنا ما اتجوزتش بعده بفترة طويلة، وما استعجلتش أدخل علاقة جديدة. ركزت على شغلي، وعلى حياتي، وعلى إني أتعلم أكون مبسوطة من غير ما أستنى حد ييجي يكملني.

فتحت الظرف.

كانت الرسالة مكتوبة بخط إيده:

“سارة، لو في يوم قررتي تمشي، أتمنى تمشي وإنتِ عارفة إنك كنتِ أغلى حاجة في حياتي.”

وقفت عند الجملة.

زمان، كنت هعتبرها دليل حب.

دلوقتي، فهمت إن قيمة الحب مش في إن حد يقولك إنك أغلى حاجة عنده، لكن في الطريقة اللي بيحافظ بيها عليكِ لما تكوني موجودة.

قفلت الرسالة، وحطيتها في صندوق الذكريات.

وبعدها خرجت للشرفة، وبصيت للسماء.

كنت فاكرة إن نهاية الحكاية لازم تكون إني أرجع لحمزة، أو إنه يندم طول عمره، أو إني أقابل شخص تاني يخليني أنسى كل اللي حصل.

لكن الحياة ما كانتش رواية لها نهاية سهلة.

كانت مجرد طريق طويل، فيه خسارات، وقرارات، وفرص جديدة.

وفي الطريق ده، فهمت إن مش كل شخص بنحبه لازم يكمل معانا العمر، وإن بعض الناس بيدخلوا حياتنا عشان يعلمونا حاجات ما كناش هنتعلمها بأي طريقة تانية.

حمزة علمني إن الحب من غير أمان بيتحول لخوف، وإن الوعود مهما كانت جميلة ما تسواش حاجة من غير أفعال.

وأنا تعلمت إن قلبي ممكن يحب، ويتوجع، ويتعافى، من غير ما يفقد قدرته على إنه يبدأ من جديد.

أما الساعة الأثرية، فاحتفظت بيها في صندوق صغير، مش عشان أستنى باقي العمر اللي وعدنا بعض بيه، لكن عشان أفتكر إن فيه وقت ضاع فعلًا، ووقت تاني ربنا بيديهولنا عشان نعيش فيه بشكل مختلف.

وفي آخر يوم من السنة، كتبت في دفتري جملة واحدة:

“أنا ما مشيتش عشان بطلت أحب، أنا مشيت عشان فهمت إن الحب اللي يطلب مني أخسر نفسي عشان أحافظ عليه، مش هو الحب اللي أقدر أبني عليه باقي عمري.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى