روايات وقصص

جوز امي حكايات صافي هاني

جوز أمنا كان بيتعمد يفرض سيطرته ويشعرنا بالخوف والرهبة طوال الوقت. في ليلة من الليالي، بعد ساعات من الإهانة والضغط النفسي المستمر لحد ما إحنا الاتنين تعبنا تماماً، أخدنا للمستشفى وأمى كانت واقفة بتقول للدكتور بكل برود: “وقعوا على السلم”. الدكتور لاحظ آثار التعب والإرهاق اللي كانت واضحة علينا، وقفل باب أوضة الفحص، وبص لعضو الأمن وقال له بحزم: “كلم النجدة حالاً”. آخر حاجة سمعتها قبل ما تدور بي الدنيا كانت أختي التوأم هنا وهي بتصرخ باسمي، وآخر حاجة شفتها كانت وش جوز أمنا وهو مبتسم وكأن حالة العجز اللي كنا فيها دي بتبسطه.

 

جابر ما كانش بيتعامل معانا لمجرد إنه بيتعصب، ده كان بيعمل كده عشان يحبسك في سجن السيطرة والتحكم. هو اللي كان بيحدد إمتى الكلام يبدأ، يقفل السترات والستائر، ويطلب من أمى تعلي صوت التلفزيون على الآخر، وبعدين يوقفني أنا وهناك جنب بعض عشان يمارس علينا أسلوب الترهيب والقهر النفسي.

كنا في سن المراهقة وشبه بعض لدرجة إن مدرسيننا نفسهم كانوا بيتلخبطوا بينا، بس جابر عمره ما تلخبط. هنا كانت بتترجاه يبطل، وأنا كنت بسكت تماماً، وسكاتي ده كان أكتر حاجة بتجننه وتخليه يزود في ضغطه. “بتعملي فيها قوية يا يمنى؟” سألني الليلة دي. قدرت أرد عليه بهدوء وثبات: “لأ، أنا بس بفتكر كل حاجة”. لفترة قصيرة، الابتسامة الباردة اختفت من على وشه.

اللي ما كانش يعرفه إن من تلات شهور كنت لقيت تليفون قديم مخبي جوه كرتونة زينة رمضان والعيد. الشاشة كانت مكسورة، بس الميكروفون كان شغال كويس. كل ليلة كنت بخبيه تحت خشب البلاط جنب فتحة التهوية، والتسجيلات كانت بتترفع لوحدها على حساب كلاود خاص كان أبو الله يرحمه عامله زمان.

أبويا، المرحوم طعيمة، كان محاسب شاطر قوي. قبل ما يموت، ساب فلوس تأمينه وأسهم شركته في أمانة باسمي أنا وهناك، نقدر نسحبها أول ما نتم تمنتاشر سنة. جابر كان مفكر إن أمى هي اللي ماسكة الفلوس ومتحكم فيها، وهي عمرها ما خلته يحس بغير كده. بعد عزاء أبويا، خالنا درويش حذرنا إن الفلوس دي ممكن تجيب ناس طماعة، بس للأسف سفروه برا مصر، وبالتدريج أمى بقت تمنعنا حتى نتصل بيه. جابر بقى يقول للجيران إننا بنات صعبين ومش بنقدر النعمة، وبفضل أكاذيبه حول بيتنا لسجن من الأبواب المقفولة والإهانة المستمرة.

الليلة دي هنا حاولت تحميني فزقها بعنف لحد ما وقعت على الأجهزة والحيطة. جريت عليها، والدنيا لفت بيا أول ما حاول يمنعني ويطردنا من قدامه.

لما فتحت عيني تاني، النور الأبيض القوي كان ضارب في وشي. هنا كانت مغمى عليها على السرير اللي جنبي في المستشفى. جابر كان واقف جنب الستارة بيغسل إيديه بكل هدوء. أمى، نوال، مسكت شنطتها كويس وقالت للدكتور بصوت واطي: “وقعوا على السلم”.

الدكتور سامح فحص حالة دراعاتي وبعدين بص على آثار الإرهاق الواضحة على جسم هنا. حاجة اتغيرت جوه عيونه. “البنات الاتنين وقعوا على السلم بنفس الشكل بالمللي؟” سأل باستنكار. جابر ربع إيديه وقال بغرور: “العيال دي كدابة.. عالجهم وخلاص”. الدكتور سامح طلع على الطرقة، قفل باب أوضة الفحص ورا، وكلم الأمن على طول: “اطلبوا النجدة حالاً”.

جابر ضحك بسخرية وقال: “أنت مش عارف أنت بتلعب مع مين”.

من سرير المستشفى، صوت ضعيف طلع فجأة وقال: “قريب قوي هتعرف”. عيونها فتحت ببطء، والدموع نزلت من عيوني. قدرنا نصبر ونستحمل لحد ما الفخ قفل عليه.

أول ما سمعت صوت هنا وهي بتقول «قريب قوي هتعرف»، حسيت إن قلبي اللي كان واقف من الخوف بدأ يدق من جديد. فتحت عيني بالعافية، وبصيت ناحية السرير اللي جنب سريري. أختي التوأم كانت شاحبة، شفايفها متشققة، وإيديها بتترعش وهي بتحاول ترفع راسها عن المخدة.

لكن رغم كل التعب اللي كان باين عليها، كانت عينيها ثابتة على جابر. جابر اللي كان واقف من شوية بيضحك، فجأة ضحكته اختفت. قرب من سرير هنا، وقال بصوت واطي مليان تهديد: «إنتِ فايقة يا بت؟ طب كويس. عشان لما نروح البيت، هنعرف مين اللي كان بيهذي ومين اللي فاكر نفسه بطل.»

هنا حاولت تقوم، لكن التعب خلاها ترجع تانى على المخدة. صرخت فيها من سريري: «ما تقربش منها!»

لف ناحيتي ببطء، وبصلي بنفس النظرة المسيطرة اللي كنت بشوفها كل ليلة. «إنتِ كمان لسه عندك لسان؟»

كان بيتحرك ناحيتي، لكن الدكتور سامح دخل في اللحظة دي، وراه فرد أمن المستشفى، وبعدهم ممرضة شابة ماسكة ملفنا الطبي. الدكتور وقف بينه وبين السريرين، وقال بحزم: «لو سمحت، ارجع مكانك.»

جابر رفع حاجبه باستغراب مصطنع. «هو أنا عملت إيه؟ دي بناتي، وأنا جوز أمهم، ومش محتاجين كل الدوشة دي.»

الدكتور سامح رد عليه بهدوء: «كونكم عيلة مش معناه إن محدش هيسأل عن حالتهم الصحية والإصابات الظاهرة على أجسامهم.»

أمي نوال قامت من الكرسي بسرعة، وعدلت طرحتها، وحاولت تضحك ضحكة متوترة. «يا دكتور، البنات دول عصبيين من ساعة ما أبوهم مات، وبييجوا يقولوا كلام مش حقيقي. أنا أمهم، وأدرى الناس بيهم.»

بصيت لها وأنا حاسة إن حاجة بتتكسر جوايا. مش عشان كذبت، فأنا كنت عارفة إنها هتكذب، لكن اللي وجعني إنها كانت واقفة قدامي، وشايفة الإرهاق والتعب على وشي وعلى هنا، ولسه قادرة تدافع عن الغلط.

قلت بصوت مبحوح: «بصيلي يا ماما.»

عينيها اتحركت ناحيتي لحظة، وبعدها بصت للأرض. «بصيلي يا ماما، أنا بنتك.»

وشها اتجمد. كملت وأنا بحاول أمنع نفسي من العياط: «فاكرة لما بابا كان بيجيب لنا عروستين في عيد ميلادنا؟ فاكرة لما كنا بننام في حضنه وإحنا صغيرين؟ فاكرة لما وعدتيه إنك عمرك ما هتسيبينا لوحدنا؟»

نوال ضغطت على شنطتها بإيديها، وقالت بعصبية: «بطلي الكلام ده! إنتِ لسه تعبانة ومش في وعيك.»

«أنا في وعيي يا ماما. لأول مرة من سنين أنا في وعيي.»

جابر اتحرك فجأة ناحية الباب، لكن فرد الأمن وقف قدامه. «حضرتك تستنى هنا لحد ما الإجراءات تخلص.»

جابر ابتسم ابتسامة باردة. «إجراءات إيه؟ إنت فاكر نفسك بتوقف مين؟»

وقبل ما فرد الأمن يرد، الدكتور سامح قال: «الشرطة في الطريق، وفيه تقرير طبي لازم يكتمل. محدش هيخرج من هنا قبل ما البيانات الأساسية تتسجل.»

جابر بص للدكتور نظرة طويلة، وبعدين رجع بص لنا. كان واضح إنه بدأ يفهم إن الليلة دي مش شبه أي ليلة فاتت. ولأول مرة، الباب اللي كان دايمًا يقفله علينا، اتقفل في وشه هو.

أنا اسمي يمنى، وأختي التوأم اسمها هنا. كنا عندنا سبعتاشر سنة، وفضل لنا شهور قليلة ونتم تمنتاشر. اتولدنا في نفس اليوم، في نفس الساعة تقريبًا، وكان بابا بيحكي لنا دايمًا إن أول ما شافنا في المستشفى، قال للدكتور إنه مش هيعرف يفرق بينا أبدًا. لكن بعد ما كبرنا، بقى فيه فرق بسيط في شخصيتنا. هنا كانت بتتكلم كتير، وتضحك بسرعة، وتصدق الناس بسرعة أكبر. أما أنا، فكنت بحب أراقب. أراقب وشوش الناس وهي بتتكلم، وأفتكر الجمل اللي بيقولوها، وألاحظ التناقضات الصغيرة اللي محدش بياخد باله منها.

بابا كان بيقول لي: «يا يمنى، ذاكرتك دي نعمة، بس خلي بالك، مش كل حاجة تعرفيها لازم تقوليها في وقتها.» ماكنتش فاهمة قصده وقتها. لحد ما مات.

بابا طعيمة كان محاسب في شركة كبيرة في القاهرة، راجل هادي، معروف بالأمانة، ومش بيحب المشاكل. كان بيشتغل ساعات طويلة، لكنه مهما اتأخر، كان لازم يرجع ومعاه حاجة لينا. مرة يجيب لنا كراسة رسم. ومرة يجيب لنا شوكولاتة. ومرة يدخل البيت من غير ما يشتري حاجة، لكنه يفتح دراعاته ويقول: «النهارده عندي هدية أكبر من أي هدية.» فنجرى عليه ونحضنه.

بعد وفاة بابا، البيت نفسه اتغير. مش الأثاث، ولا الأوض، ولا حتى ريحة القهوة اللي كانت أمي بتعملها الصبح. اللي اتغير كان الإحساس بالأمان.

أمي اتجوزت جابر بعد وفاة بابا بحوالي سنة ونص. في البداية، جابر كان بيظهر قدام الناس بصورة الراجل المحترم اللي دخل حياة أرملة عشان يساعدها في تربية بناتها. كان بييجي لنا بحلويات، ويسألنا عن المدرسة، ويقول لنا إننا زي بناته بالظبط. كنت بحاول أحبه لأن أمي كانت بتبتسم وهي قاعدة جنبه. لكن هنا كانت متحفظة شوية.

في يوم، بعد ما جابر مشي، هنا دخلت أوضتنا وقفلت الباب وقالت لي: «إنتِ مش حاسة إن ابتسامته غريبة؟» ضحكت عليها. «غريبة إزاي يعني؟» قالت وهي بتقعد على سريرها: «مش عارفة. بحس إنه بيبص لنا وهو بيبتسم كأنه بيحسب حاجة في دماغه.» قلتلها: «يمكن إنتِ بتتفرجي على أفلام كتير.»

لكن بعد شهور، افتكرت كلامها. افتكرته وأنا واقفة في المطبخ، وجابر بيزعق في أمي عشان طلبت منه يجيب لنا كتب المدرسة. افتكرته لما شفته بيقلب في أوراق بابا القديمة، ولما سألته أمي عن اللي بيدور عليه، قفل الدرج بسرعة وقال إنه بيدور على شهادة قديمة. وافتكرته أول مرة مد إيده على هنا.

كان السبب وقتها كوب شاي وقع منها بالغلط. هنا اعتذرت عشر مرات، ونزلت تجيب فوطة عشان تنظف الأرض. لكن جابر مسك دراعها بعنف، وفضل يزعق فيها لحد ما أمي تدخلت. افتكرت إنه هيسيبها لما أمي قالت له إنها لسه صغيرة. لكنه بص لأمي وقال: «إنتِ اللي مدلعاهم زيادة عن اللزوم.» وبعدها زق هنا بعيد عنه. أنا وقفت مكاني، مش قادرة أصدق اللي حصل.

بالليل، دخلت أمي أوضتنا، وقعدت على طرف سرير هنا. قالت لنا إن جابر مضغوط بسبب الشغل، وإننا لازم نراعيه، وإن البيت محتاج هدوء. سألتها: «هو ممكن يضربنا تاني؟» ردت بسرعة: «لو سمعتوا الكلام، مش هيحصل حاجة.» الجملة دي فضلت تطاردني سنين. لو سمعتوا الكلام. كأن الضرب كان عقاب طبيعي. وكأن خوفنا هو اللي بيحدد إذا كنا نستحق الأمان ولا لأ.

بعدها بأيام، بدأ جابر يغير قواعد البيت. ممنوع نقفل باب أوضتنا. ممنوع نتكلم مع خالنا درويش من غير ما يكون عارف. ممنوع ننزل نشتري حاجة من غير إذنه. وممنوع نسأل عن فلوس بابا. كل قاعدة جديدة كانت بتيجي معاها تهديدات، وكل اعتراض كان بيخلي الوضع أسوأ. ولما حاولت أمي تبرر تصرفاته، بدأت أفهم إن الخطر مش جاي من جابر لوحده. الخطر كمان من الشخص اللي شايف كل ده، وقادر يوقفه، لكنه بيختار يسكت.

في المستشفى، كانت الممرضة بتغير الشاش على إيدي، وأنا براقب باب الأوضة. جابر واقف بره، بيتكلم في تليفونه بصوت واطي. أمي كانت قاعدة بعيد، مش بتبص لنا.

الدكتور سامح دخل ومعاه ورقة، وقعد على الكرسي بين السريرين. «أنا محتاج أسألكم كام سؤال، وكل واحدة تجاوب براحتها. مش لازم تحكوا أي حاجة وإنتوا مش قادرين عليها، لكن مهم أعرف إذا كنتوا خايفين ترجعوا البيت.»

هنا بصت لي. كنت عارفة السؤال اللي هيتقال بعده. كنت عارفة إننا لو قلنا الحقيقة، ممكن جابر ينتقم مننا. وكنت عارفة إننا لو سكتنا، هنرجع لنفس المكان.

الدكتور كرر سؤاله: «هل أنتم خايفين ترجعوا البيت؟» هنا بلعت ريقها، وقالت بصوت ضعيف: «آه.» الدكتور قرب الكرسي شوية. «من مين؟» هنا بصت ناحية الباب. «من جابر.»

أمي قامت فجأة. «كفاية بقى! البنت مش عارفة بتقول إيه.» لكن الدكتور سامح رفع إيده بهدوء. «من فضلك يا مدام نوال، سيبيها تتكلم.»

هنا بدأت تعيط. مش العياط اللي كنت متعودة أشوفه كل ليلة وهي بتحاول تخبي صوتها في المخدة. المرة دي عياطها كان عالي، متقطع، ومليان كلام اتخزن جواها سنين. حكت عن الضرب. عن الليالي اللي كنا بننام فيها وإحنا لابسين هدومنا خوفًا من إنه يدخل فجأة. عن الأكل اللي كان يمنعه عنا ساعات طويلة. عن المدرسة اللي منعنا منها أسابيع بحجة إننا تعبانين. وعن المرات اللي كان يهددنا فيها إنه هيقول للناس إننا بنكدب وإن محدش هيصدقنا.

كنت قاعدة أسمعها، وكل كلمة بتطلع منها كانت بترجعني لمشهد قديم. لحد ما جاء دوري. الدكتور بص لي وسألني: «وإنتِ يا يمنى؟» أخدت نفس طويل. «أنا عندي حاجة ممكن تثبت كلامنا.»

لأول مرة من ساعة ما صحيت، حسيت إن عيني أمي اتحركت ناحيتي بسرعة. وجابر، اللي كان واقف بره، دخل الأوضة من غير استئذان. «إيه الحاجة دي؟»

بصيت له. كان بيحاول يبان هادي، لكن عضلات فكه كانت مشدودة. قلت: «مش هقول لك.» قرب مني خطوة. «إنتِ فاكرة نفسك بتلعبي لعبة؟»

الدكتور وقف فورًا. «ارجع ورا.» جابر ما اتحركش. فضل باصص لي، وكأنه بيحاول يقرأ أفكاري. وبعدين قال: «يا يمنى، أنا اللي ربيتك. إنتِ ناسية كل اللي عملته عشانكم؟»

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى