
رديت عليه: «إنت ما ربتناش. إنت خوفتنا.»
للحظة، الأوضة كلها سكتت. حتى أمي رفعت وشها. جابر بص حواليه، وكأنه مش مصدق إن الكلام ده اتقال قدام حد غريب. وبعدين ابتسم. «تمام. خلينا نشوف مين هيصدق مين.» خرج من الأوضة، لكن المرة دي ما كانش بيضحك.
قبل تلات شهور، كنت بدور على كراسة قديمة في المخزن الصغير اللي جنب المطبخ. كان فيه كراتين متكومة فوق بعضها، وشنط سفر، وعلب زينة رمضان والعيد اللي أمي ما كانتش بتفتحها غير مرة في السنة. وأنا بسحب كرتونة من تحت رف مكسور، سمعت صوت حاجة وقعت جوه. فتحتها، ولقيت تليفون قديم متلفف في قطعة قماش. الشاشة كانت مكسورة من النص، والبطارية منتفخة شوية، لكن لما وصلته بالشاحن القديم اللي لقيته في نفس الكرتونة، اشتغل بعد محاولات كتير.
كان تليفون بابا. عرفته من الخدش الصغير اللي على ضهره، والملصق الأزرق اللي كنت أنا وهنا حطيناه عليه وإحنا صغيرين. فضلت قاعدة على الأرض وأنا ماسكاه، وحسيت بريحة هدوم بابا في المكان، رغم إن ده كان مستحيل.
فتحت الصور. لقيت صور لينا وإحنا في ابتدائي. صورة هنا وهي نايمة على كتفه. وصورة ليا وأنا ماسكة شهادة التفوق. وصورة أخيرة لبابا قدام مكتبه، مبتسم، وكاتب تحتها تاريخ قبل وفاته بشهرين.
قعدت أعيط لحد ما سمعت خطوات في الممر. خبّيت التليفون بسرعة جوه هدومي. كان جابر. فتح باب المخزن، وبص لي باستغراب. «بتعملي إيه هنا؟» قلت له إني بدور على زينة العيد. بص للكرتونة، وبعدها بص لي. «إوعي تفتحي أي حاجة تخص أبوكي من غير ما أعرف.» خرج، لكني ما نسيتش الطريقة اللي بص بيها للتليفون اللي كان جزء منه ظاهر من جيبي.
من الليلة دي، بدأت أتعلم أستخدمه. كان التليفون قديم، لكن بعض وظائفه لسه شغالة. اكتشفت إن فيه تسجيلات صوتية قديمة لبابا، وملفات تخص شغله، وحساب إلكتروني كان مسجل عليه. وبمساعدة ملاحظات مكتوبة في دفتره، قدرت أوصل لحساب تخزين خاص كان بيستخدمه لحفظ الملفات المهمة. ما كنتش فاهمة كل حاجة في البداية، لكن لقيت نسخة احتياطية لملفات صوتية وصور ومستندات مالية. والأهم من ده كله، إن التليفون كان فيه خاصية تسجيل صوتي.
ما كنتش عايزة أستخدمها عشان أنتقم. كنت عايزة دليل. دليل يخلينا نقدر نقول الحقيقة من غير ما حد يقدر يقلبها علينا.
في أول أسبوع، ما سجلتش أي حاجة. كنت بخاف من مجرد فكرة إن جابر يكتشف التليفون. لكن في ليلة، بعد ما دخل أوضتنا وفضل يزعق لنا عشان اتأخرنا في ترتيب الصالة، سمعت هنا بتترجاه يسيبنا ننام. هو رد عليها: «النوم مش من حق حد في البيت ده من غير إذني.»
بعد ما خرج، قعدت جنب هنا، وكانت بتترعش. قلت لها: «أنا هطلعنا من هنا.» بصت لي بعينين مليانين دموع. «إزاي يا يمنى؟» طلعت التليفون ووريتهولها. «هنخليه يتكلم بنفسه.»
في البداية، خافت. قالت لي إن جابر ممكن يلاقينا، وإنه لو عرف إننا بنجمع أدلة، مش هيسيبنا. لكن بعد شوية، مسكت إيدي وقالت: «أنا معاكي.» ومن الليلة دي، بقينا بنحاول نوثق كل حاجة نقدر نوثقها من غير ما نعرض نفسنا لخطر أكبر. ما كناش بنواجهه. ما كناش بنستفزه. كنا بنستنى الفرصة المناسبة.
وفي الوقت نفسه، كنت بحاول أفتكر كل حاجة عن أمانة بابا. قبل وفاته بفترة، كان قال لنا إن فيه مبلغ من التأمين وأسهم محفوظة لينا، وإننا هنقدر نتصرف فيها لما نبلغ السن المحدد في المستندات. كان جابر بيعتقد إن أمي عندها السيطرة على كل الفلوس، لكنها في الحقيقة ما كانتش تقدر تسحبها لنفسها. أما خالنا درويش، فكان هو الشخص الوحيد اللي بابا وثق فيه بخصوص بعض الأوراق. لكن بعد الوفاة، خالنا سافر للعمل خارج مصر، وبعدها بقت مكالماتنا معاه قليلة، لحد ما جابر بدأ يمنعنا نتواصل معاه. كل ما كنا نسأل أمي عنه، كانت تقول: «خالكم مشغول، ومش ناقص مشاكل.» ومع الوقت، بقينا نسمع اسمه أقل وأقل، لحد ما حسينا إنه اختفى من حياتنا تمامًا.
لكن أنا كنت محتفظة برقم تليفونه القديم في كراسة المدرسة. ولما قدرت أوصل للتليفون، لقيت رسالة قديمة منه لبابا، بيتكلم فيها عن ملف لازم يفضل محفوظ لحد ما أنا وهنا نكبر. ما فهمتش الرسالة كلها، لكن فهمت إن فيه حاجة مهمة ما زالت موجودة. حاجة جابر مش عايزنا نعرفها.
في المستشفى، بعد مرور حوالي ساعة، دخل ضابط شرطة اسمه حسام، ومعاه أمين شرطة. كان صوته هادي، وملامحه جادة، وما حاولش يضغط علينا عشان نحكي بسرعة. الدكتور سامح شرح له الإصابات اللي لاحظها، وبعدها طلب من جابر ونوال ينتظروا بره لحد ما يسمع أقوالنا.
جابر اعترض. «أنا مش هسيب بنات مراتي لوحدهم مع الشرطة.» الضابط رد عليه: «ده إجراء طبيعي، ومحدش اتهمك رسميًا في اللحظة دي. لكن لازم نسمع أقوال كل الأطراف بشكل منفصل.» جابر بص لأمي، وكأنه مستني منها تتدخل. أمي ما اتكلمتش. خرجوا هما الاتنين، والضابط قعد على الكرسي.
سألنا عن أسمائنا، وسننا، والمدرسة اللي كنا بنروحها، وبعدها سألنا إذا كانت الإصابات حصلت في نفس اليوم. هنا حكت. وأنا حكيت. ولما وصلنا للحظات الأخيرة في البيت، قلت له إن جابر كان بيقفل الشبابيك، ويعلي صوت التلفزيون، وإنه كان بيختار مين فينا يعاقبها الأول. الضابط كتب كل كلمة، وما قاطعنيش.
بعد ما خلصت، سألني: «إنتِ قلتي إن عندك دليل. هل الدليل موجود معاكي دلوقتي؟» هزيت راسي. «لأ. في البيت.» «هل حد غيرك يعرف مكانه؟» «أختي.» الضابط بص لهنا. هنا قالت: «أنا عارفة مكانه، بس مش عارفة أجيبه إزاي من غير ما جابر يعرف.»
الضابط فكر لحظات، وبعدين قال: «مش مطلوب منكم ترجعوا البيت عشان تجيبوا أي حاجة. سلامتكما أهم. هنشوف الإجراءات القانونية المناسبة، وأي تسجيلات أو ملفات موجودة عندكم ممكن تساعد في التحقيق.»
لأول مرة، حسيت إن فيه شخص كبير بيتكلم معانا من غير ما يطلب مننا نسكت. لكن قبل ما أقدر أرتاح، سمعنا صوت جابر في الطرقة. كان بيتكلم في التليفون بعصبية: «أنا قلت لك عايزك تيجي حالًا! مش بكرة، حالًا!»
الضابط خرج يشوف فيه إيه. وبعد دقايق، رجع وقال إن جابر بيطلب حضور محاميه، وإنه مش هيدلي بأقوال تفصيلية قبل ما يتكلم معاه. ده كان حقه، والضابط ما اعترضش. لكن قبل ما يخرج من الأوضة، بص لي وقال: «فيه حاجة تانية لازم أعرفها؟ أي تهديد سابق؟ أي شخص ممكن يكون شاهد؟»
افتكرت جارنا عم صبري، اللي كان ساكن في الشقة اللي قصادنا. أكتر من مرة، كنت بسمعه يخبط على بابنا بعد ما جابر يزعق، ويسأل أمي إذا كنا بخير. وكانت أمي دايمًا ترد إننا بنتخانق مع بعض، وإن الموضوع بسيط. قلت للضابط اسمه وعنوانه. وساعتها بدأت أول خيوط الحقيقة تظهر.
عم صبري كان راجل كبير، متقاعد من شغله في البريد، وبيحب يقعد قدام باب شقته يشرب الشاي بعد العصر. في يوم، قبل الحادثة بأسبوعين، كنت راجعة من المدرسة، ولقيته واقف قدام الباب. بص لي بحزن وقال: «يا بنتي، لو إنتِ أو أختك محتاجين مساعدة، ما تتكسفوش.» ما قدرتش أرد عليه. كنت خايفة جابر يسمعنا. لكن عم صبري كمل: «أنا عارف إن فيه حاجة غلط. ومش هسألك تفاصيل دلوقتي، بس لو حصل أي خطر، اخبطي على بابي.» وقتها هزيت راسي ومشيت. ما كنتش أعرف إن الجملة دي هتبقى مهمة بالشكل ده.
بعد ما الشرطة وصلت المستشفى، الضابط حسام تواصل مع عم صبري وطلب منه ييجي يدلي بأقواله. ولما وصل، دخل الأوضة وبص لنا بعيون مليانة قلق. «حمد لله على سلامتكم يا بنات.» هنا انفجرت في العياط. «يا عم صبري، إحنا تعبنا.» قرب منها، لكنه ما لمسهاش من غير إذنها. قال لها: «عارف يا بنتي. وأنا آسف إني ما قدرتش أعمل أكتر من كده قبل النهارده.» هنا هزت راسها. «إنت حاولت. إحنا اللي كنا خايفين.»
عم صبري قعد مع الضابط، وحكى إنه سمع أصوات استغاثة أكتر من مرة، وإنه حاول يتدخل، لكن أمي كانت بتقفل الباب وتقول له إن الأمور تحت السيطرة. وقال إنه في إحدى الليالي سمع جابر بيهددنا بحرماننا من المدرسة، وإنه بعدها بأيام شاف كدمات على إيد هنا.
لكن الشهادة الأهم كانت إنه سمع جابر بيتكلم في التليفون عن أوراق بابا. قال إنه سمعه بيقول: «لازم أوصل للملف قبل ما البنتين يتموا تمنتاشر. لو عرفوا اللي فيه، كل حاجة هتبوظ.»
الضابط رفع عينه من الورق. «إنت متأكد من الكلام ده؟» عم صبري رد: «متأكد من المعنى، يا باشا. ما سمعتش المكالمة كلها، لكن الجملة دي فاكرها كويس، لأنها كانت غريبة.»
بصيت لهنا. هنا بصت لي. كنا الاتنين عارفين إن جابر مش بس كان عايز يسيطر علينا. كان بيدور على حاجة تخص بابا.
في اليوم التالي، وبعد الفحوصات الطبية، قررت الجهات المختصة إننا ما نرجعش للبيت في الوقت الحالي، وإننا هنكون تحت رعاية جهة مختصة بحمايتنا لحد ما يتم تقييم الوضع.
ما كانش القرار سهل. أنا وهنا كنا بنبص لبعض في كل خطوة، وكأننا خايفين نفقد بعض وسط كل اللي بيحصل. لما الممرضة قالت لنا إننا هننتقل لمكان آمن، هنا مسكت إيدي وقالت: «يعني مش هنرجع هناك؟» رديت عليها: «مش دلوقتي.» سألتني: «وجابر؟» بصيت من الشباك، وشفت الشارع تحت المستشفى، والناس ماشية عادي، والعربيات بتتحرك، كأن العالم ما يعرفش إن حياتنا اتقلبت في ليلة واحدة. قلت لها: «المرة دي، مش هو اللي هيقرر.»
لكن رغم الكلام ده، ما كنتش مطمنة تمامًا. كنت عارفة جابر. عارفة إنه مش من النوع اللي بيستسلم بسهولة. وعارفة إن عنده قدرة غريبة على تحويل أي موقف لصالحه، خصوصًا لما يلاقي حد مستعد يسمعه قبل ما يسمعنا.
وبالفعل، بعد يومين، بدأت الأخبار توصل لنا. جابر قال لبعض الجيران إننا بنكدب. قال إننا بنحاول نسرق فلوسه. وقال إن أمي مريضة، وإننا استغلينا تعبها عشان ننتقم منه.
وفي نفس الوقت، أمي بدأت تتصل بينا. في أول مكالمة، ما قدرتش تتكلم غير دقيقتين. «يمنى، إنتِ فين؟» قلت لها: «في مكان آمن.» ردت بسرعة: «إنتِ عارفة إن جابر مش وحش زي ما بتقولوا. هو بس كان مضغوط.» قفلت عيني. «ماما، أنا مش هقدر أتكلم معاكي بالطريقة دي.» صوتها اتغير. «يعني إيه؟ إنتِ هتقطعي أمك؟» قلت: «أنا محتاجة أفهم إزاي قدرتي تشوفي اللي بيحصل لنا وتسميه ضغط.» ما ردتش. وبعد ثواني، قفلت المكالمة.
بعدها بيوم، اتصلت هنا. هنا ما ردتش في الأول، لكن لما أمي كررت الاتصال، فتحت الخط. سمعتها بتقول: «أنا مش هسألك ترجعي البيت. أنا بس عايزة أشوفك.» هنا كانت ساكتة. أمي كملت صوت مكسور: «أنا أمك يا هنا.» هنا مسحت دموعها. «عارفة يا ماما. وده اللي وجعني.» وسكتت. أمي فضلت تحاول تتكلم، لكن هنا أنهت المكالمة.
بعدها قعدت جنبي، وفضلت تبص في الفراغ. «هو ينفع أحبها وأكون زعلانة منها في نفس الوقت؟» حضنتها. «ينفع.» «وينفع أسامحها في يوم؟» ما قدرتش أقول لها آه أو لأ. لأن الحقيقة إن المسامحة مش قرار بيتاخد في لحظة. والثقة اللي اتكسرت سنين، مش هترجع لمجرد إن حد قال آسف.
بعد أسبوع، الضابط حسام طلب يقابلنا مرة تانية. قال إن التحقيقات الأولية كشفت عن تناقضات في أقوال جابر ونوال، وإنه فيه مستندات لازم يتأكدوا منها. سألني عن تليفون بابا. قلت له إن التليفون فيه تسجيلات وملفات، وإن جزءًا من البيانات محفوظ على حساب إلكتروني.
ما طلبش مني أرجع البيت، لكنه قال إن الأفضل نوضح طريقة الوصول للملفات، ونقدم أي نسخة متاحة بشكل يحافظ على سلامة الأدلة. وبمساعدة مختص، قدرت أوصل لنسخة من التسجيلات اللي كانت محفوظة في حساب بابا.
في البداية، كان أغلبها تسجيلات عادية. بابا بيتكلم مع موظف عن حسابات الشركة. بابا بيشرح لنا مسألة رياضيات. بابا بيضحك وهو بيحاول يعلم هنا إزاي تصلح ساعة حائط قديمة.
لكن وسط الملفات، لقيت تسجيلًا بتاريخ قبل وفاة بابا بأيام. فتحت التسجيل قدام المختص والضابط، وسمعنا صوت بابا. كان بيتكلم مع شخص ما، وصوته واضح رغم إن التسجيل قديم. «أنا مش مرتاح للطريقة اللي بيتعامل بيها جابر مع الورق. الراجل بيسأل عن تفاصيل مش من حقه يعرفها، وبيحاول يقنع نوال إن الأمانة دي من حقها تتصرف فيها.»
صوت رجل تاني رد: «طب إنت عملت إيه؟» بابا قال: «ثبت كل حاجة في المستندات، وبلغت المحامي إن مفيش أي تصرف في الأمانة إلا حسب الشروط المكتوبة. يمنى وهنا لازم يكون ليهم حقهم كامل.»
صوت الرجل التاني سأل: «ونوال عارفة؟» بابا سكت شوية، وبعدين قال: «عارفة جزء من الموضوع، لكن مش عارف هي فاهمة حجم المسؤولية ولا لأ.»
التسجيل انتهى. فضلت قاعدة مكاني، مش قادرة أتنفس بشكل طبيعي. هنا كانت بتعيط في صمت.
الضابط حسام طلب الاحتفاظ بنسخة من الملف ضمن الإجراءات، وسألنا إذا كنا نعرف الشخص اللي كان بيتكلم مع بابا. ما كنتش متأكدة. لكن بعد ما راجعنا الملفات التانية، لقيت مستندًا فيه اسم مكتب المحامي اللي كان بتابع أمانة بابا. اسم المحامي كان الأستاذ فؤاد عبد الرحيم. والعنوان كان في وسط البلد.
الأستاذ فؤاد استقبلنا بعد ما تم التنسيق مع الجهات المختصة. كان راجل في أواخر الستينات، شعره أبيض، ونظارته سميكة، وعلى مكتبه صور قديمة لأسرته. أول ما شافنا، وقف من مكانه. «إنتوا يمنى وهنا؟» هنا هزت راسها. قال بحزن: «آخر مرة شفتكم فيها، كنتوا صغيرين قوي. أبوكم كان جايب لكم شوكولاتة، وكل واحدة فيكم مصممة تاخد الشوكولاتة اللي في إيد التانية.»
ضحكت هنا ضحكة صغيرة وسط دموعها. «أنا كنت بحب اللي معاها أكتر.» الأستاذ فؤاد ابتسم. «وأبوكم كان عارف الحكاية دي. كان بيقول لي إنكم هتتخانقوا على أي حاجة، لكن وقت الجد، مستحيل واحدة فيكم تسيب التانية.»
الكلام ده خلاني أعيط. لأن بابا كان عارفنا فعلًا. كان عارف إننا ممكن نختلف، ونزعل، ونتخانق على حاجات تافهة، لكن عمرنا ما كنا هنسيب بعض.
الأستاذ فؤاد طلب يشوف المستندات اللي معانا، وبعد مراجعة البيانات، شرح لنا إن بابا أنشأ أمانة مالية لصالحنا، وإن التصرف فيها مرتبط بشروط محددة موثقة في الأوراق. أكد إن جابر ما عندوش أي حق فيها لمجرد إنه متزوج أمنا، وإن أي محاولة للاستيلاء عليها لازم تتراجع قانونيًا بناءً على المستندات والأدلة.
وبعدها فتح درجًا مقفولًا، وطلع ملفًا سميكًا. «أبوكم ساب عندي نسخة من المستندات، وطلب مني ما أسلمش أي أوراق أصلية لأي شخص غيركم إلا وفق الشروط المكتوبة.»
بصيت للملف. كان عليه اسم بابا بخطه. وتحت الاسم، مكتوب تاريخ إنشاء الأمانة. لكن الأستاذ فؤاد ما سلمناش الملف كله فورًا. قال إنه لازم يراجع الأوراق مع الجهة المختصة ويتأكد من هويتنا ومن الشروط القانونية، وده كان إجراء طبيعي لحماية حقنا.
هنا سألت: «هو جابر كان عارف إن الأوراق عند حضرتك؟» الأستاذ فؤاد بص لنا بجدية. «أيوه. هو سأل عنها قبل كده، لكن ما كانش عنده أي صفة قانونية تخليه يستلمها.» «طب ليه كان عايزها؟» سألت. رد بهدوء: «ده سؤال لازم التحقيق يجاوب عنه. أنا أقدر أقول لكم إن أبوكم كان حريص جدًا إن حقكم ما يضيعش، وإنه كتب كل شيء بطريقة واضحة.»
وبعدها أخرج ظرفًا صغيرًا. «وده كمان سابه ليكم.»
قلبي بدأ يدق بسرعة. كان الظرف مكتوب عليه: إلى يمنى وهنا، لما تكبروا وتقدروا تفهموا. خط بابا. نفس الخط اللي كنت بشوفه على كراسات المدرسة. نفس الخط اللي كان بيكتب لنا بيه ملاحظات صغيرة ويحطها في علبة الساندوتشات.
فتحت الظرف بإيد بتترعش. وكانت الرسالة قصيرة: «بناتي حبيباتي، لو وصلتوا لليوم اللي تقروا فيه الرسالة دي، فمعنى كده إنكم كبرتوا وبقيتوا قادرين تاخدوا قراراتكم بنفسكم. أنا مش عارف المستقبل مخبي لكم إيه، لكن عارف إن الدنيا مش دايمًا عادلة، وإن فيه ناس ممكن تحاول تستغل طيبتكم أو خوفكم. افتكرت إن الحق مش محتاج صوت عالي عشان يبقى حق، وإنكم مش مطالبين تثبتوا قيمتكم لأي حد. خليكم سند لبعض، وما تخلوش الخوف يفرق بينكم. وأهم حاجة، ما تسمحوش لأي حد يقنعكم إنكم تستحقوق الأذى. أنا بحبكم، وهفضل فخور بيكم مهما حصل. بابا.»
ما قدرتش أكمل. حطيت الرسالة على صدري، وفضلت أعيط. هنا أخدتها من إيدي، وقرتها من الأول، وبعدين حضنتني. ولأول مرة من سنين، عيطنا من غير ما نحاول نكتم صوتنا.
في نفس اليوم، حصل تطور جديد. المحامي فؤاد اتصل بالضابط حسام، وبلغه إن فيه شخص حاول التواصل مع مكتبه وسأل عن تفاصيل الأمانة. الشخص كان جابر. ولما عرف إن المحامي مش هيسلمه أي معلومات، بدأ يهدده برفع قضايا ضده واتهامه بإخفاء مستندات. المحامي احتفظ ببيانات الاتصال، وقدمها ضمن ما طُلب منه في التحقيق.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في محاولة جابر الوصول للأوراق. المفاجأة كانت في مستند قديم ظهر وسط ملفات بابا. مستند يخص تحويلًا ماليًا تم قبل وفاته بفترة قصيرة. التحويل كان مرتبطًا بحساب لم نعرفه من قبل. والاسم المكتوب في خانة المستفيد كان اسم أمي نوال.




