روايات وقصص

ممرضه حكايات صافي هاني

كنت ساعات أسأل نفسي لو كنت سكت، لو كنت ما راجعتش الحسابات، لو كنت رجعت البيت بدري، هل أمي كانت هتفضل عايشة؟

محمود كمل:

«الذنب ذنب اللي اختار يضغط ويخوف ويخبي الحقيقة. مش ذنب البنت اللي كانت بتدور على الأمانة.»

ما رديتش.

خرجت من الأوضة، وفضلت واقفة في الممر فترة طويلة.

ولأول مرة من تمن سنين، سمحت لنفسي أفكر إن وفاة أمي ما كانتش عقابًا ليا على إني حاولت أكون أمينة.

كنت ضحية.

ومش لازم أفضل أعاقب نفسي طول العمر.

بعد ستة شهور من بداية التحقيق، صدر قرار بإحالة جزء من الوقائع المتعلقة بالتلاعب المالي إلى المحاكمة، مع استمرار التحقيق في الضغوط والوقائع المرتبطة بوفاة والدتي.

الملف ما خلصش في يوم وليلة، والقضية ما اتحلتش بمجرد ظهور شاهد.

لكن الأدلة بقت أقوى، والشهادات بدأت تتجمع، وكل شخص كان عليه يواجه مسؤوليته.

فؤاد الدمنهوري فضل ينكر التهم الموجهة له، وكمال عزمي قال إن توقيعاته على بعض المستندات لا تعني إنه كان على علم بكل تفاصيل المشروع.

أما محمود الشناوي، فقرر يتعاون مع التحقيقات، حتى بعد ما عرف إن شهادته ممكن تسبب خسائر مالية لشركته.

أدهم من ناحيته، بدأ يغير طريقة إدارته للشركة.

وقف أي تعاملات مش واضحة، وطلب مراجعة داخلية مستقلة، ورفض إنه يستخدم نفوذه عشان يضغط على أي موظف.

في البداية، ناس كتير اتضايقت من قراراته.

لكن مع الوقت، بدأوا يفهموا إن الشغل مش مجرد فلوس وعقود، وإن سمعة الشركة ما تتبنيش على إخفاء الأخطاء.

أما أنا، ففضلت في المستشفى.

كنت بروح شغلي كل يوم، وأساعد المرضى، وأحاول أرجع لحياة طبيعية.

ما بقيتش أبص ورايا كل دقيقة، وما بقيتش أفزع من كل مكالمة مجهولة.

لكن وشم التاج الأسود فضل على معصمي.

ما أخفيتوش تاني.

مش لأنه رمز قوة خارقة، ولا لأنه بيخليني مختلفة عن الناس.

لكن لأنه جزء من حياتي، وجزء من مرحلة عدت، مهما كانت مؤلمة.

وفي يوم، وأنا خارجة من المستشفى، لقيت أدهم واقف عند البوابة.

قال:

«ممكن أتمشى معاكي شوية؟»

قلت:

«على حسب. لو هتتكلم عن القضية، أنا تعبت من الكلام فيها النهارده.»

ابتسم.

«مش هتكلم عنها.»

مشينا في الشارع، واتكلمنا عن حاجات عادية.

عن شغله، وعن المرضى اللي عندنا، وعن الدكتورة سارة اللي بقت بتعامله بشكل طبيعي بعد ما اعتذر لها، وعن إصرار الست فاطمة إنها تطبخ له أكل البيت كل يوم رغم إنه عنده طباخين.

ولأول مرة، ما حسيتش إني مضطرة أكون مريم اللي لازم تعرف كل حاجة وتواجه كل خطر.

كنت مريم العادية، اللي بتضحك لما تسمع موقف مضحك، واللي بتتعب بعد يوم طويل، واللي بتحلم بيوم هادي من غير مكالمات مقلقة.

عند أول الشارع، أدهم وقف وقال:

«مريم، أنا عارف إن اللي بينا بدأ بطريقة سيئة جدًا.»

ضحكت.

«دي أقل كلمة ممكن توصف اللي حصل.»

ابتسم.

«وعارف إنك مش مطالبة تثقي فيا لمجرد إني اعتذرت.»

هزيت راسي.

«صحيح.»

قال:

«بس أنا حابب أقولك إن وجودك خلاني أشوف حاجات ما كنتش شايفها. مش بس عن أبويا، لكن عن نفسي كمان.»

بصيت له.

«المهم إنك تفضل فاكر ده حتى لما الدنيا تهدى.»

رد:

«هحاول.»

قلت:

«ما تحاولش بس. خليك أحسن.»

ابتسم.

«حاضر.»

افترقنا عند ناصية الشارع، وكل واحد راح طريقه.

ما كانش فيه وعد كبير، ولا اعترافات، ولا كلام عن مستقبل مجهول.

كان فيه احترام بدأ يتبني ببطء، وده كان كفاية بالنسبة لي.

في صباح يوم المحاكمة، صحيت بدري، ولبست بدلة بسيطة، وربطت شعري ورا ضهري.

وقفت قدام المراية، وبصيت للوشم على معصمي.

افتكرت أول مرة شفته في عيني أدهم، لما وشه شحب وسألني جبت الرمز ده منين.

وقتها كنت فاكرة إن الماضي رجع عشان يدفنني.

لكن النهارده، كنت داخلة المحكمة عشان أقول الحقيقة بصوتي.

نهى كانت مستنياني قدام المبنى.

قالت:

«جاهزة؟»

أخدت نفس طويل.

«جاهزة.»

دخلنا، وبدأت الإجراءات.

لما جه دوري، وقفت قدام المحكمة، وقلت اسمي كاملًا.

مريم كمال.

حكيت عن شغلي، وعن الحسابات اللي راجعتها، وعن الضغوط اللي اتعرضت لها، وعن الرسائل المقلقة اللي وصلتني.

حكيت عن ليلة الخميس، وعن اختفاء أمي، وعن السنين اللي قضيتها بعيد عن حياتي القديمة.

ما زودتش حاجة، وما حاولتش أخلي كلامي مؤثر أكتر من الحقيقة.

كنت بقول اللي فاكره، وبوضح اللي مش متأكدة منه، وبسيب المستندات والشهادات تتكلم عن نفسها.

في نهاية شهادتي، المحامي سألني:

«هل عندك دليل مباشر إن المتهم كمال عزمي هو اللي تسبب في وفاة والدتك؟»

وقفت لحظة، وبعدها رديت:

«أنا عندي مستندات وشهادات بتوضح إنه كان طرفًا في الضغوط اللي اتعرضت لها، لكن مش هقول إن عندي دليل مباشر على مسؤوليته عن وفاة أمي إلا لو التحقيق أثبت ده. أنا جاية أطلب الحقيقة، مش أتهم حد من غير دليل.»

ساد الصمت في القاعة.

نهى بصتلي بفخر، وأدهم كان قاعد في آخر الصف، وعينيه ثابتة عليا.

أما محمود الشناوي، فكان قاعد بعيد، ووشه مليان ندم.

لما خلصت شهادتي، خرجت من القاعة وأنا حاسة إن حملًا كبيرًا اتحرك من فوق صدري.

ما كنتش عارفة الحكم هيكون إيه.

لكن لأول مرة، ما كنتش لوحدي قدام الماضي.

مرت شهور أخرى قبل ما يصدر الحكم في الجزء المتعلق بالمخالفات المالية.

ثبتت المحكمة مسؤولية بعض المتهمين عن مخالفات محددة، وصدر الحكم وفقًا للأدلة التي قدمت في القضية، بينما استمرت إجراءات منفصلة لفحص الوقائع الأخرى التي تحتاج إلى أدلة إضافية.

أما التحقيق المتعلق بوفاة والدتي، فاستمر في مراجعة الشهادات والسجلات، من غير ما أستبق نتيجته أو أعتبر أي شخص مسؤولًا قبل ثبوت ذلك قانونيًا.

كنت أتمنى لو إن كل شيء ينتهي بحكم واحد، وإن كل سؤال يلاقي إجابة واضحة.

لكن الحياة مش دايمًا بتدي الناس النهايات اللي بيحلموا بيها.

أوقات العدالة بتاخد وقت طويل.

وأوقات الحقيقة بتظهر على مراحل.

وأوقات الإنسان لازم يتعلم يعيش حتى وهو مستني إجابة عن سؤال عمره ما نسيه.

في اليوم اللي صدر فيه الحكم المالي، محمود الشناوي طلب يقابلني.

المرة دي، كان خرج من المستشفى ورجع بيته، لكنه بقى أقل كلامًا، وأكثر هدوءًا.

قابلته في مكتبه القديم، نفس المكتب اللي اختفى منه الدفتر.

قال:

«كنت عايز أشكرك.»

استغربت.

«تشكرني على إيه؟»

قال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى