
مرت إيدها عليا على سفرة العيد وقالتلي : «افتكري مقامك كويس» وكل اللي قاعدين سكتوا وفجأة ابني قام بالراحة ومد إيده وبدأ يقول كلمات غيرت كل حاجة مرات ابني اهنتني يوم العيد قدام أهلها وأخوها وأحفادي وكل الناس اللي كانت متجمعة حوالين السفرة بس هي ماكنتش تعرف إن ابني كان واخد قرار من قبلها ولما قام من مكانه بالراحة ومد إيده ناحية ملف كانت ملامح الثقة اختفت من على وشها
الأوضة كلها سكتت في لحظة
ولثانية واحدة محدش اتحرك
فضلت واقفة مكاني مش قادرة أصدق وأنا ببص لمرات ابني اللي كانت واقفة قدامي على بُعد خطوات قليلة
كانت بتتنفس بسرعة وشعرها اللي كانت متأنقة فيه طول اليوم لسه زي ما هو لكن بقعة قهوة غامقة كانت بتنتشر على كم الفستان الغالي اللي لابساه
إيدها كانت لسه مرفوعة
وبعدين بصت في عيني مباشرة وقالت
«يمكن دلوقتي تفتكري مقامك»
الكلمتين دول هزوني أكتر مما كنت متوقعة
أنا كان عندي ستة وستين سنة
وعشت مع جوزي الله يرحمه تمانية وتلاتين سنة عمره ما عاملني بالطريقة دي ولا مرة
عمري ما حسيت إن حد مش طايق وجودي بالشكل ده
ودلوقتي مرات ابني نفسها عدت كل الحدود اللي عمري ما تخيلت إنها ممكن تعديها قدام ابني وأحفادي وأهلها كلهم
بس أصعب حاجة في الموضوع
إن الحكاية ما بدأتش أصلًا بسبب القهوة اللي اتكبت
الموضوع كان بيتراكم طول السهرة
ولو هكون صريحة مع نفسي
فهو كان بيتراكم من سنين
من أول لحظة مرات ابني فتحت الباب ليلة العيد وأنا حسيت إن في حاجة مش طبيعية
ابتسامتها كانت زيادة عن اللزوم
النوع من الابتسامات اللي الناس بتعملها لما تكون بتتصور مش لما تكون فعلًا مبسوطة إن أهلها جم
قالتلي وهي بتبتسم
«أهلًا يا لورنا نورتينا أخيرًا كنت بدأت أقول يمكن غيرتي رأيك ومش هتيجي»
حاولت أبتسم ودخلت بيت ابني الكبير
كنت ماسكة في إيدي فطيرة تفاح أنا اللي عاملاها من الصبح بإيدي
فطيرة التفاح كانت أكتر حاجة ابني بيحبها من وهو عنده سبع سنين
حتى بعد ما كبر ونجح وبقى صاحب شركة وعنده فلوس كتير كان أول ما يشوفها يفرح زي الطفل الصغير
مرات ابني بصت للفطيرة أقل من ثانية
وقالت
«يا سلام دي لفتة جميلة أوي»
وبعدين لفت ناحية الطرقة وقالت
«خلي المطبخ يحطها في أي مكان مناسب»
المطبخ
الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تفهمني شكل العيد اللي هي مجهزاهولي
أهلها كانوا متجمعين أصلًا في الصالون حوالين المدفأة
كوبايات لامعة تحت النجفة الكبيرة ومزيكا العيد شغالة بصوت هادي وأهلها وأخوها وقرايبها قاعدين يضحكوا ويتكلموا
مرات ابني دخلت ورايا الصالون وقالت بصوت عالي
«يا جماعة بصوا مين قرر أخيرًا يشرفنا وصلت أم جوزي»
أم جوزي
ابني رفع عينه فورًا
وأول ما شافني ملامحه هديت
وقال
«ماما أنا مبسوط إنك جيتي تعالي اقعدي هنا»
لسه واخدة خطوة ناحيته مرات ابني قاطعتني
وقالت
«بصراحة كنت أتمنى لورنا تساعدني شوية في المطبخ»
بطني اتقبضت
هي دي كانت الحكاية كل مرة
هي تقعد مع الضيوف
وهي تضحك جنب المدفأة
وهي تتكلم وتتصور
وأنا أشيل الأطباق وأملا الكوبايات وأجيب المناديل وأشيل السفرة
كل مرة أدخل فيها الصالون أو السفرة كنت بحس إن الكلام بيسكت نص ثانية
بالظبط الوقت الكفاية إن كل واحد يلاحظني
وبعدين يرجعوا يكملوا كلامهم كأني مش موجودة
«لورنا هاتي عيش كمان»
وبعدها بشوية
«لورنا هاتي زجاجة تانية»
وبعدين
«لورنا ممكن تقطعي أكل الأطفال قطع صغيرة»
كل طلب لوحده كان شكله عادي
وده كان أكتر حاجة مرات ابني شاطرة فيها
إنها عمرها ما كانت بتعمل حاجة لوحدها تخليني أقدر أواجهها وأقول إنها بتقصد تهينني
لكن لما كل المواقف الصغيرة دي كانت بتتجمع فوق بعض
الرسالة كانت واضحة جدًا
أنا ماكنتش حاسة إني من أهل البيت
كنت حاسة إني جاية أساعدهم وبس
أكتر من مرة في السهرة لاحظت إن ابني بيراقبني
كان في حاجة مختلفة في عينيه
حاجة مكتومة
ماكنطة عارفة هل هو متضايق ولا قلقان ولا تعبان
لكن كل مرة عيني كانت تيجي في عينه كنت بحس إنه عايز يقول حاجة
وفي كل مرة كانت مرات ابني تلاقيلي طلب جديد
لحد ما جه وقت الحلو
إيدي كانت بتوجعني
وسني خلاني أعاني من تيبس في صوابعي خصوصًا بعد ساعات من الشغل
ومع ذلك شلت صينية القهوة ودخلت بيها السفرة لأنها كانت طلبت مني أقدمها
الكل كان قاعد حوالين السفرة الكبيرة
الشموع بدأت تهدى
والأطفال كانوا بدأوا يزهقوا ويتحركوا كتير
مشيت بالراحة بين الكراسي
وفجأة صوابعي خانتني
الصينية مالت
الفنجان خبط في حافة الطبق
والقهوة اتكبت على مفرش السفرة الأبيض ورشت على كم فستان مرات ابني
الأوضة كلها سكتت في لحظة
مرات ابني بصت لفستانها بالراحة
وبعدين رفعت عينيها عليا
ملامحها اتغيرت
وقالت
«إنتي بتهزري؟»
قلت بسرعة وأنا بمد إيدي للمناديل
«أنا آسفة والله ماكانش قصدي دي غلطة مني سيبيني أنضفها»
بعدت عني وقالت
«ماتلمسيش حاجة تانية»
صوتها وصل لكل اللي قاعدين
الكل بص علينا
قلت بهدوء
«أنا فعلًا آسفة»
قالت
«إنتي عارفة الفستان ده تمنه كام؟»
وشها اتشد
«طبعًا مش عارفة لأنك أصلًا بتجيبي هدومك من المحلات الرخيصة»
بعض قرايبها اتحركوا في كراسيهم بإحراج
ومحدش اتكلم
بصيت ناحية ابني
كان ساكت تمامًا
فكه كان مشدود
وعينيه مثبتة على مراته
قلت بهدوء
«والله كانت غلطة يا بنتي»
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة
وقالت
«كل حاجة بتحصل منك غلطة مش كده؟»
وشي سخن
كنت حاسة إن كل واحد على السفرة مركز معايا
وقالت
«إنتي أصلًا عمرك ما بتعملي حاجة صح»
الجملة دي وجعتني أكتر مما توقعت
لأول مرة طول السهرة ماكانش عندي رغبة أبرر نفسي
ولا حتى أعتذر
كنت بس عايزة أمشي
بلعت ريقي وقلت
«أنا أظن الأحسن إني أرجع بيتي»
مرات ابني قربت مني
وقالت
«لأ»
نبرة صوتها خلتني أقف مكاني
وقالت
«الأول لازم تفهمي حاجة»
وبعدين عملت حركة مفاجئة
أنا ما لحقتش حتى أفهم هي ناوية تعمل إيه
وفجأة كل اللي حوالين السفرة اتجمدوا في مكانهم
سكتة كاملة
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
وقفت وأنا مش مستوعبة اللي حصل
الأطفال بصوا بعيون واسعة
ومرات ابني كانت واقفة قدامي وهي في قمة غضبها
وبعدين قالت
«يمكن دلوقتي تفتكري مقامك»
وفجأة كرسي اتزحلق على الأرض بصوت عالي
الكل لف ناحية الصوت
ابني كان واقف
بالراحة
المنديل اللي كان على رجله وقع جنب الكرسي
بصيت له وأنا مستنية أشوف هيعمل إيه
كنت متوقعة إنه يتعصب
يمكن يعلي صوته
يمكن أخيرًا يقف جنبي بعد سنين من السكوت
لكن ابني مازعقش
وماعملش مشكلة
وماجريش ناحية مراته
وشه بس كان شاحب
وبص لمراته بثبات
الغريب إن ده خلى الجو في الأوضة أتقل وأشد
مرات ابني بصت له
وثقتها بدأت تختفي
ولأول مرة طول السهرة رجعت خطوة لورا
خطوة صغيرة جدًا
بس أنا شفتها
وكل اللي قاعدين شافوها
ابني لف حوالين السفرة لحد ما وقف جنبي
حركته كانت هادية ومحسوبة
هادية أوي
وقال
«مراتي»
هي بصت له
والحاجة اللي شافتها في عينيه خلتها تسكت
أبوها نزل الكوباية من إيده بهدوء
أمها وقفت مكانها
حتى أخوها اللي كان طول السهرة قاعد كأنه مش مهتم با حاجة عدل قعدته وبص باهتمام
ابني حط إيده على ظهر الكرسي اللي كنت قاعدة عليه
وبعدين لف بعينيه ناحية جانب الصالون
ناحية الترابيزة الصغيرة
ناحية ملف كان موجود فوقها
أنا كنت لاحظت الملف ده من بدري
لكن مرات ابني ماكانتش مهتمة بيه
دلوقتي هي نفسها بصت ناحية الملف
ملامحها اتغيرت
وقالت
«إيه ده؟»
ابني ما ردش
الجو كله اتغير
أنا لسه محرجة ولسه متأثرة من اللي حصل
وبقعة القهوة لسه على كم فستانها
لكن فجأة مرات ابني ما بقتش هي اللي مسيطرة على المكان
لأول مرة هي اللي كانت مستنية
واضح جدًا إنها مش عاجبها الوضع ده
اللي ماكانتش تعرفه إن ابني وأنا كنا شايفين الحكاية دي بتكبر قدامنا سنين
كل كلمة تقلل مني
كل أمر بتقوله بطريقة شكلها عادي
كل تجمع عائلي كنت في آخره ألاقي نفسي بخدم الكل
كل مرة كانت بتبعدني خطوة عن حياة ابني
وأنا كنت ساكتة لأسباب هي عمرها ما فهمتها
لكن ابني كان واخد باله من أكتر بكتير مما هي متخيلة
ومن شكل الملف اللي كان على الترابيزة
واضح إنه ماكانش مجرد ملف عادي
مرات ابني بصت للملف وبعدين بصت لجوزها
وقالت بصوت بدأ يفقد ثقته
«إنت؟»
ابني أخد نفس طويل وببطء
وبعدين قرب مني خطوة
وحط إيده على كتفي بحنان
أم مرات ابني بدأت تبص بقلق
وأبوها ملامحه اتشدت
أما هي فوشها شحب أكتر
ابني بص لمراته بعد كل اللي حصل
ملامحه بقت صعب تتفهم
فتح بقه




