
الجزء الثالث والأخير
السكوت اللي نزل على الصالة كان تقيل يخنق، من النوع اللي يسبق العاصفة لما تكنس كل حاجة قدامها. حازم كان واقف متنح، عروق جبهته نافرة ووشه جايب ألوان من الغيظ والعجز، بيبص لسلمى ولساعة الحيطة اللي عقرب ثوانيها بيتحرك بصوت تكتكة واضحة ومنتظمة كأنه بيعد تنازلي لنهايته.
— تلت ساعة؟ — حازم نطق الكلمة وهو بيبلع ريقه بصعوبة، وصوته مرتعش بين الرجا والتهديد الخايب — إنتِ فاكرة الدنيا سايبة للدرجة دي؟ الشقة دي دخلتها راجل، ومش هخرج منها غير بمزاجي. وريني بقى هتتصلي بمين.. اتصلي بالعقيد بتاعك، اتصلي بالداخلية كلها، أنا قاعد في صالتي ومش متزحزح!
رمى نفسه على الكنبة وحط رجل على رجل بعند أعمى، وعينيه بتبص في السقف كأنه بيتحدى العالم. بس رجله الشمال كانت بتتهز بسرعة وتوتر فضحوا الرعب اللي واكل قلبه من جوة.
سميحة أول ما لقت ابنها خد موقف، اتشجعت ورجعت لحيلتها القديمة. مسحت دموع التماسيح من على خدودها، ونفضت عبايتها ووقفت جنب الكنبة ساندة إيدها على كتف حازم، وبصت لسلمى بنظرة كلها سم وكيد وقالت: — جدع يا ابن بطني.. راجل من ضهر راجل! أهو قاعد، ووريني هتعملي إيه يا بنت الأكابر. فاكرة لما تقولي ورث وملايين إننا هنخاف وننكش على قفانا ونجري؟ ده إحنا اللي سترناكي وشيلنا اسمك لما بقيتي وحيدة من غير ضهر! ولما نمشي من هنا، هنمشي بحقنا.. بالنص في كل حاجة بنيتيها وإنتِ معاه!
سلمى متهزتش. حتى متنفستش بصوت عالي.
بصت لحازم اللي قاعد على الكنبة، وبصت لسميحة اللي شادة ضهرها بيه، وضحكت ضحكة قصيرة واطية ملهاة بمرارة وسخرية، وقالت: — تمام.. إنتوا اللي اخترتوا السكة دي، وأنا كنت حابة أستركم لحد آخر لحظة عشان مكسرش خاطر نفسي في اختياري الغبي.. بس الظاهر إن الواطي بيفضل طول عمره واطي وميعرفش غير لغة الجزمة.
سلمى مسكت تليفونها، ومترددتش ثانية واحدة. ضغطت على زرار الاتصال وحطت الموبايل على ودنها، وفي نفس الوقت دوست على زرار مكبر الصوت.
رنة.. التانية.. وصوت راجل رخيم وصارم جه من الناحية التانية: — أيوة يا سلمى، خير يا بنتي؟ عملتي إيه في اللي حكيتيهولي العصر؟
حازم اتعدل في قعدته فجأة، وعينيه برقت برعب لما سمع الصوت.
— مساء الخير يا سيادة المستشار — سلمى ردت بثبات يحسدها عليه حجر الصوان — أنا عند كلامي لحضرتك.. الموضوع خرج عن السيطرة وحازم والست والدته رافضين يسيبوا شقتي بالذوق، وكمان حازم مد إيده عليا وعمل علامات في دراعي ورافضين يخلوا المكان.
الصوت على الطرف التاني اتبدل لحدة تخلي الدم يتجمد في العروق: — مد إيده عليكي في شقتك؟! هو الجربوع ده نسي نفسه للدرجة دي؟! سلمى، افتحي باب الشقة على آخره ومتدخليش في نقاش معاهم.. القوة اللي كلمتك عنها تحت العمارة أصلاً من عشر دقايق مستنيين إشارتي، وعماد المحامي ومعاه قوة من قسم الدقي طالعينلك في الأسانسير دلوقتي حالا. نفذي ومتقفليش السكة.
الخط فضل مفتوح، وسلمى نزلت الموبايل وبصت لهم في صمت.
سميحة وشها جاب لون الكفن، ولطمت على خدها بصوت مكتوم: — يا مصيبتي السودا! البوليس تحت العمارة بجد؟! قوم يا واد يا حازم، قوم نغور في داهية البت دي شكلها نيتها وحشة وهتودينا ورا الشمس!
حازم اتنتر من مكانه زي الملسوع، وشه غرقان عرق، وراح جاري على باب الشقة يفتحه عشان يتأكد، بس أول ما فتح الباب، لقى قدامه اتنين أمناء شرطة ببدلهم الميري، ووراهم راجل لابس بدلة كحلي شيك وماسك في إيده شنطة سامسونايت ومحافظ أوراق.. كان الأستاذ عماد، المحامي الخاص بالمرحوم المستشار فريد الألفي.
— مساء الخير يا أستاذ حازم — عماد قالها بابتسامة جليدية باردة وهو بيزيح حازم بكتفه ويدخل الصالة كأنه صاحب البيت — كنا نتمنى نتقابل في ظروف أهدى من كدة، بس الواضح إن الأصول مبقتش توكل عيش معاك.
حازم اتراجع لورا ولسانه تقل تماماً: — إيه ده.. إنتوا داخلين بيتي تتهجموا عليا كدة ليه؟! إنتوا معاكم إذن نيابة؟! أنا هشتكيكم لوزارة الداخلية!
أمين الشرطة الكبير بصله من فوق لتحت بقرف وقال بصوت جهوري: — وطي صوتك يا أستاذ وبلاش جعجعة على الفاضي.. إحنا معانا بلاغ رسمي بتعدي وإتلاف وسرقة وتبديد أمانة، وحضرتك في عقار خاص مملكته مسجلة باسم المدام سلمى فريد الألفي، ومعانا أمر رسمي بتمكين المالك وإخلاء الدخلاء، تحب تتفضل بالذوق من غير شوشرة ولا نلبسك الحديد وننزل بيك قدام بوابين وبتوع شارع مصدق كلهم؟
سميحة شهقت شهقة سمعت العمارة كلها، وجريت على حازم تمسك فيه وتستخبى وراه، وعينيها بتلف في الصالة برعب.
عماد المحامي حط الشنطة على الترابيزة وفتحها، وطلع منها دوسيه أحمر مقفول، وبص لحازم وهو بيعدل نضارته الطبية: — بص يا حازم.. عشان منضيعش وقت الباشوات ومنعملكش فضيحة في المنطقة.. إنت قدامك سكتين مالهومش تالت. السكة الأولى: تمضي حالا على إقرار استلام كافة متعلقاتك الشخصية، وإقرار بالتنازل عن أي دعوى زوجية أو شقاق، وتمضي على ورقة طلاق رسمي عند المأذون اللي مستنينا تحت في العربية، وتسلم مفاتيح الشقة ومفاتيح العربية اللي مركونة تحت واللي اتلغى توكيلها رسمي النهاردة الصبح في الشهر العقاري.
حازم كان بينهج كأنه بيجري في ماراثون، وبص للمحامي بغل: — والسكة التانية إيه يا فالح؟! هتحبسوني عشان طلقت مراتي؟! القانون مبيحبسش على كدة!




