
مليونير بيشوف أم بتدفع آخر قروش معاها عشان تجيب وجبة العيد لبنتها.. وبعدين بيكتشف سرهم المؤلم. ليلة عيد الميلاد، راجل أعمال غني قاعد لوحده في مطعم شعبي في ولاية بنسلفانيا، لاحظ أم شابة وهي بتعد قروش قليلة جنب بنتها اللي عندها سبع سنوات.
همست للجرسونة: “وجبة بان كيك أطفال لو سمحتي.. وكوباية مية.” لما الاكل جه، زقت الطبق كله قدام بنتها الصغيرة. سألت الطفلة: “ماما، إنتِ مش بتاكلي؟” ابتسمت الأم وقالت: “أنا كلت خلاص يا حبيبتي.” بس ناتانيال ويتمور كان عارف إنها ما كلتش.
المليونير اللي عنده تسعة وخمسين سنة كان مراقبها وهي بتعد كل قرش. كانت يا دوبك قادرة تدفع ثمن وجبة واحدة، ومع ذلك ادتها كلها لبنتها. ناتانيال كان فاهم الوحدة أكتر بكتير ما الناس تتخيل. من تلات سنين، مراته الحبيبة كارولين رحلت بعد جواز استمر أربعة وعشرين سنة.
كانوا دايماً بيحلموا يخلفوا أطفال، بس ناتانيال كان بيأجل الخطط دي وهو بيبني إمبراطورية المقاولات بتاعته. دلوقتي بقى معاه كل حاجة الفلوس تقدر تشتريها ما عدا العائلة اللي كان نفسه فيها طول عمره. عشان ما قدرش يستحمل يقضي عيد ميلاد تاني في بيته الضخم والفاضي، ساق عربيته وراح المطعم الصغير ده اللي برة لانكستر.
مراقب الأم وهي بتشرب مية بهدوء وبنتها بتستمتع بالبان كيك حرك حاجة جوه قلبه بجد. نادَى على الجرسونة. قالها: “لو سمحتي هاتي للست دي وجبة غدا ساخنة ومحترمة. حطِي كل الحساب عليا، بس من غير ما تعملي قلق.”
بعد دقايق، الجرسونة جابت فراخ مشوية، بطاطس مهروسة، خضار، وعيش دافي. الأم الشابة بصت باستغراب وقالت: “أنا ما طلبتش ده.” فهمت الجرسونة وقالت: “في حد دفع ثمنه خلاص.” لما بصت في الاتجاه اللي شارت عليه، شافت ناتانيال. عينيها اتملت دموع وهي بتقول من غير صوت: “شكراً ليك.”
بعدين، راحت عند الترابيزة بتاعته هي وبنتها. قالت: “أنا هانا بينيت، ودي صوفي. كنت حابة أشكرك بنفسي.” ناتانيال ابتسم. فجأة، صوفي خدت بالها من الترابيزة الفاضية بتاعته وسألت: “هو إنت بتقضي عيد الميلاد لوحدك؟” هانا همست بكسوف: “يا صوفي!”
ضحك ناتانيال وقال: “معلش عادي. أيوة، قاعد لوحدي.” البنت الصغيرة بصت بقلق وقالت: “بس مفيش حد المفروض يقعد لوحده في العيد.” كلماتها البريئة قربت تخليه يعيط. وهانا بتستعد عشان تمشي، ناتانيال لاحظ لبسهم الشتوي المتقطع، والشنطة الصغيرة، والطريقة القلقانة اللي هانا كانت بتراقب بيها الثلج وهو نازل برة.
في حاجة غلط. سأل بهدوء: “يا هانا، إنتِ وصوفي عندكم مكان دافي تقعدوا فيه النهاردة بالليل؟” ابتسامتها اختفت وقالت: “هصرف أمري.” ناتانيال عرف الخوف اللي وراء إجابتها. وقال: “من فضلك اقعدي. يمكن أقدر أساعد.” بعد تردد، هانا رجعت للبوث.
وضحت إنها فقدت شغلها، وخلصت مدخراتها، وعانت شهور من الصعوبات غير المتوقعة. ناتانيال سمع كويس. بعدين سأل سؤال أخير: “نمتي فين امبارح بالليل؟” هانا نزلت عينيها. لما ردت أخيراً، ناتانيال حس إن قلبه وقع. الأم اللي صرفت آخر قروش معاها عشان تأكل بنتها كانت مخبية حاجة أخطر بكتير من الجوع.
هي وصوفي مكنش عندهم أي مكان آمن يقضوا فيه ليلة العيد. واللي هانا كشفته بعد كده خلى ناتانيال ياخد قرار هيغير حياة التلاتة للأبد.
ليلة عيد الميلاد كانت أبرد ليلة عدّت على هانا بينيت في حياتها كلها، مش بس بسبب التلج اللي كان بيغطي شوارع لانكستر، لكن بسبب الخوف اللي كان بياكل قلبها وهي مش عارفة هتنام فين هي وبنتها الصغيرة صوفي.
كانت قاعدة في المطعم الشعبي، قدامها طبق الأكل اللي الراجل الغريب دفع تمنه، وعينيها بتتنقل بين الأكل وبين بنتها اللي كانت بتاكل ببطء، كأنها خايفة الوجبة تخلص بسرعة.
ناتانيال ويتمور كان قاعد قصادها، ساكت ومستنيها تتكلم براحتها.
بعد لحظات طويلة، هانا مسحت دموعها بطرف كم الجاكيت القديم وقالت بصوت مبحوح:
“أنا مش عارفة أقولك إيه. أنا متعودة أستحمل الجوع، ومتعودة أنام وأنا خايفة، لكن أكتر حاجة بتوجعني إني بقيت عاجزة أوفر لبنتي أبسط حقوقها.”
ناتانيال حط فنجان القهوة على الترابيزة وقال بهدوء:
“احكيلي يا هانا. مش لازم تخبي حاجة لمجرد إنك خايفة حد يحكم عليكي.”
هانا بصت لصوفي، ولما اتأكدت إن البنت مشغولة بالأكل، بدأت تحكي.
“من سنة تقريبًا، كنت عايشة حياة عادية جدًا. جوزي تُوفي من أربع سنين في حادثة عربية، ومن يومها وأنا اللي شايلة مسؤولية صوفي. كنت بشتغل في مخبز صغير، وباخد شغل تنظيف بيوت في الأيام اللي مكنتش بلاقي فيها وردية في المخبز. مكنتش غنية، لكن كان عندي سقف فوق راسي، وأكل في التلاجة، وبنتي بتروح المدرسة وهي لابسة هدوم نضيفة.”
سكتت لحظة، وبلعت ريقها بصعوبة.
“بعد كده المخبز قفل، وصاحب البيت اللي كنت مأجرة منه الشقة رفع الإيجار. حاولت ألاقي شغل تاني، وقدمت في عشرات الأماكن، لكن كل ما أروح مقابلة يسألوني عن مواعيد المدرسة، ومين هيرعى بنتي، وهل أقدر أشتغل ساعات إضافية. كنت بقولهم إني هتصرف، بس الحقيقة إني مكنتش عارفة هتصرف إزاي.”
ناتانيال كان بيسمعها باهتمام، من غير ما يقاطعها أو يحسسها إنها أقل منه.
كملت هانا:
“بعت كل حاجة ممكن تتباع. التلفزيون، الخاتم اللي جوزي سابهولي، وحتى سلسلة صغيرة كانت هدية منه يوم ولادة صوفي. كنت بقول لنفسي إن الحاجات دي ملهاش قيمة قدام بنتي، وإن المهم نفضل عايشين.”
صوفي رفعت عينيها من الطبق وقالت ببراءة:
“ماما، إنتِ زعلانة عشان السلسلة؟”
هانا اتجمدت مكانها.
كانت فاكرة إن بنتها مش واخدة بالها من أي حاجة، لكن الطفلة كانت بتراقب كل تفصيلة، وبتحفظ كل مرة أمها بتبيع حاجة من حاجاتها.
هانا مدت إيدها ومسحت على شعرها.
“لأ يا حبيبتي، أنا بس تعبانة شوية.”
صوفي سابت الشوكة، وقربت من أمها وقالت:
“لما أكبر وأشتغل، هجيبلك سلسلة أحلى منها. وهجيبلك بيت كبير، ومش هخليكي تشتغلي تاني.”
هانا غطت وشها بإيديها، وانفجرت في العياط.
ناتانيال بص للبنت الصغيرة، وحس إن فيه حاجة بتتكسر جواه. هو قضى سنين طويلة بيجمع الفلوس، وبيشتري العقارات، وبيوسع شركاته، لكنه عمره ما سمع وعد بسيط زي ده من طفل بيحاول ينقذ أمه من الحزن.
استنى لحد ما هانا هديت شوية، وبعدين سألها:
“إنتِ قولتيلي إنك مش عارفة هتنامي فين الليلة. يعني إيه؟”
هانا رفعت وشها ببطء.
“يعني إننا نمنا آخر ليلتين في محطة الأتوبيس، وقبلها كنا عند واحدة صاحبتي، بس جوزها قالها إن وجودنا هيعمل مشاكل في البيت. أنا مش بلومها، كل واحد عنده ظروفه.”
“وإنتِ كنتِ ناوية تعملي إيه النهارده؟”
هانا بصت من الشباك ناحية التلج المتراكم على الرصيف.
“كنت ناوية أفضل ماشية لحد ما ألاقي مكان مفتوح نقدر نقعد فيه شوية. يمكن كنيسة تسمح لنا ندخل، أو مستشفى نقعد في الاستقبال لحد الصبح. كنت هحاول أخلي صوفي تنام في حضني، وبعدها أشوف هنعمل إيه.”
ناتانيال سكت.
في اللحظة دي، حس بالخجل من نفسه.
كان عنده بيت مساحته أكتر من ألف متر، وفيه غرف كتير محدش بيدخلها، وتدفئة شغالة طول الشتاء، ومطبخ مليان أكل يكفي عشرات الأشخاص.
ومع ذلك، كان بيقضي ليلة العيد لوحده، متضايق لأن البيت واسع وفاضي.
قدامه أم مستعدة تقضي الليلة في الشارع، بس عشان بنتها متحسش إنها محرومة.
قال لها بهدوء:
“أنا عندي بيت قريب من هنا. فيه أوضة دافية وحمام وأكل يكفيكم. ممكن تقعدوا الليلة هناك، وبكرة الصبح نفكر في حل مناسب.”
هانا هزت راسها بسرعة.
“لأ، متشكرة. إنت عملت معانا أكتر من كفاية. أنا مش عايزة أكون عبء على حد.”
ناتانيال ابتسم ابتسامة خفيفة.




