
“إنتِ مش عبء. وبعدين أنا مش بطلب منك حاجة في المقابل. أنا بس مش قادر أسيب طفلة عندها سبع سنين تقضي ليلة عيد الميلاد في الشارع، وأنا عندي مكان يقدر يحميها من البرد.”
“بس أنا معرفكش.”
“وده حقك تمامًا. متثقيش في أي حد لمجرد إنه معاه فلوس أو بيقول كلام كويس. تقدري تتصلي بصاحبتك أو بأي حد تثقي فيه، وتبعتي له عنوان البيت ورقم عربيتي. ولو حبيتي، ممكن نروح الأول لمركز إيواء عائلي تختاريه بنفسك.”
الكلام ده خلى هانا تبصله باستغراب.
كانت متوقعة إنه يزعل من رفضها، أو يحسسها إنها ناكرة للجميل، لكنه كان بيديها فرصة تختار من غير ضغط.
بعد تفكير طويل، قالت:
“لو تسمحلي أتصل بالكنيسة اللي كنت بروحها زمان، وأسألهم عن المكان، وبعدها ممكن أقبل مساعدتك.”
ناتانيال وافق فورًا.
وبعد مكالمة قصيرة، عرفت هانا إن مركز الإيواء التابع للكنيسة ممتلئ تمامًا، وإن مفيش مكان متاح للأم وبنتها الليلة.
قفلت التليفون، وحاولت تخبي خيبة أملها، لكن ناتانيال لاحظ.
قال لها:
“تعالي معايا. هتشوفي المكان بنفسك، ولو مش مرتاحة هنرجع ونشوف حل تاني.”
صوفي كانت خلصت أكلها، فمسكت إيد أمها وسألت ناتانيال:
“هو بيتك فيه شجرة عيد ميلاد؟”
ضحك لأول مرة من قلبه من وقت طويل.
“فيه شجرة كبيرة جدًا، بس الحقيقة إني نسيت أحط تحتها أي هدايا السنة دي.”
صوفي فتحت عينيها بدهشة.
“طب ليه؟”
ناتانيال بص لهانا، وبعدها رجع بص للبنت.
“عشان مكنش عندي حد أجيب له هدايا.”
صوفي فكرت شوية، وبعدين قالت بكل جدية:
“متزعلش. أنا ممكن أرسم لك هدية.”
ناتانيال حس إن عينيه بتلسعانه، فمد إيده ياخد معطفه قبل ما حد يلاحظ دموعه.
بعد دقائق، كانوا خارجين من المطعم.
الثلج كان بينزل بكثافة، وهانا كانت ماسكة إيد صوفي بإحكام، بينما ناتانيال كان ماشي جنبهم، وبيحاول يختار خطواته بحذر عشان البنت الصغيرة متتزحلقش.
عربيته السودا كانت واقفة قدام المطعم، ولما وصلوا، فتح لهم الباب بنفسه.
قبل ما هانا تركب، وقفت فجأة وقالت:
“فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما نروح بيتك.”
ناتانيال التفت ناحيتها.
“إيه هي؟”
هانا ضغطت على إيد بنتها، وبصت حواليها كأنها خايفة حد يسمعها.
“أنا مش بس خايفة من البرد والجوع. فيه حد بيدور علينا.”
ملامح ناتانيال اتغيرت.
“مين؟”
هانا حاولت تتكلم، لكن صوتها اختفى للحظات.
وبعدين قالت:
“أخو جوزي المتوفي. اسمه ريتشارد بينيت. هو راجل غني، وعنده نفوذ، ومن يوم ما جوزي تُوفي وهو بيحاول ياخد صوفي مني.”
ناتانيال ساب باب العربية مفتوح، وبص لها باهتمام.
“ياخدها منك إزاي؟”
هانا دموعها بدأت تنزل من جديد.
“بعد وفاة جوزي، ريتشارد عرض عليا أعيش أنا وصوفي في بيته. قال إنه عايز يساعدنا، وإنه مش هيخلينا نحتاج حاجة. في الأول صدقته، خصوصًا إني كنت لسه خارجة من صدمة وفاة جوزي. لكن بعد كام شهر، بدأ يتدخل في كل حاجة. كان عايز يختار مدرسة صوفي، وأصحابها، وحتى هدومها.”
“وإنتِ رفضتي؟”
“أيوه. كنت حاسة إنه مش عايز يساعدني، هو كان عايز يتحكم في بنتي. وبعدها عرفت بالصدفة إنه راح لمحامي وسأله إزاي يقدر ياخد حضانة صوفي بحجة إني مش قادرة أوفر لها حياة مناسبة.”
ناتانيال عقد حاجبيه.
“بس إنتِ أمها.”
“عارفة. بس هو عنده فلوس، ومحامين، وعلاقات. وأنا لما خسرت شغلي واتأخرت في الإيجار، بدأ يجمع كل حاجة ضدي. كان بيقول إني مش مستقرة، وإن بنتي تستحق تعيش في مستوى أحسن.”
هانا مسحت دموعها وكملت:
“لما صاحب البيت طردنا، ريتشارد عرض عليا أرجع له بشرط أوافق إنه ياخد صوفي تعيش معاه بشكل دائم، وأنا أزورها في مواعيد محددة. رفضت. ومن ساعتها، بقى يبعث لي رسايل كل يوم تقريبًا، يقول لي إن الوقت بيخلص، وإنه مش هيسمح لبنت أخوه تعيش في الشارع.”
ناتانيال بص لصوفي، اللي كانت واقفة جنب العربية ومش فاهمة كل الكلام.
“هي تعرف حاجة عن الموضوع ده؟”
هانا هزت راسها.
“لا. أنا بحاول أحميها. هي فاكرة إننا بنمر بوقت صعب، لكن مش عايزاها تحس إنها ممكن تخسرني.”
ناتانيال خد نفس طويل، وبعدها قال:
“هانا، أنا مش هقدر أوعدك إني أحل كل مشاكلك في ليلة واحدة، لكن أقدر أوعدك بحاجة واحدة. محدش هيجبرك تعملي حاجة إنتِ مش موافقة عليها، ومحدش هيمنعك من طلب المساعدة القانونية المناسبة.”
هانا بصتله بتردد.
“ليه بتعمل كل ده لناس متعرفهاش؟”
السؤال رجعه لورا تلات سنين، لآخر ليلة قضاها جنب سرير مراته كارولين في المستشفى.
كانت كارولين مريضة، وجسمها ضعيف، لكنها رغم تعبها كانت دايمًا تسأله عن الأطفال اللي بتشوفهم في الجمعيات الخيرية اللي كانت بتساعدها.
قبل رحيلها بأيام، مسكت إيده وقالت له:
“ناتانيال، إنت بنيت شركات كتير، بس أوعى تنسى إن البيوت مش مجرد حيطان. البيت الحقيقي هو المكان اللي حد يلاقي فيه أمان لما الدنيا كلها تقفل في وشه.”
وقتها وعدها إنه هيفتكر كلامها.
لكنه بعد رحيلها غرق في الشغل، وبقى بيهرب من الذكريات بدل ما يواجهها.
بص لهانا وقال:
“يمكن عشان زمان كان فيه حد بيذكرني إن الإنسان مش بيتقاس باللي معاه، لكن باللي بيعمله لما يشوف حد محتاج.”
وبعدها فتح باب العربية لصوفي.
“يلا يا بطلة. عايز أشوف رسمة الهدية اللي وعدتيني بيها.”
صوفي ابتسمت، وركبت جنب أمها.




