روايات وقصص

المليونير حكايات صافي هاني

ولأول مرة من أسابيع، هانا حسّت إن الليلة ممكن تعدي من غير ما تضطر تحضن بنتها في محطة أتوبيس باردة.

لكنها مكنتش تعرف إن وصولها لبيت ناتانيال هيكشف سرًا قديمًا، سر ممكن يغير نظرتها لكل اللي حصل لها من يوم وفاة جوزها.

كان بيت ناتانيال موجود على أطراف لانكستر، بعيد عن ضوضاء المدينة، وسط مساحة واسعة من الأشجار اللي غطاها الثلج.

لما العربية دخلت البوابة، صوفي لصقت وشها في الشباك، وفضلت تبص على الأنوار الصغيرة اللي كانت متعلقة على الأشجار.
“ماما، هو ده بيت ولا قصر؟”

هانا ابتسمت رغم تعبها.
“ده بيت يا حبيبتي.”

صوفي هزت راسها باعتراض.
“لأ، ده أكبر من المدرسة بتاعتي!”

ناتانيال ضحك وقال:
“عندك حق. ساعات أنا نفسي بتوه فيه.”

لكن أول ما دخلوا، اختفت ابتسامته للحظة.

البيت كان جميل، واسع، ومزين بشجرة عيد ميلاد ضخمة في الصالة، لكن مفيش صوت غير صوت خطواتهم.

كل سنة، كانت كارولين بتصر إنها تعزم العيلة والأصدقاء، وتحط هدايا للأطفال، وتعمل عشا كبير حتى لو هو كان عنده شغل.

بعد رحيلها، بقى ناتانيال بيقضي العيد لوحده، ويطلب أكله من بره، ويقفل باب الصالة عشان ميشوفش المكان اللي كانت بتقعد فيه.

أما الليلة دي، فصوفي كانت بتجري بعينيها بين الشجرة والمدفأة والدرج الواسع.
“ممكن أقعد هنا شوية؟”

ناتانيال ابتسم.
“تقدري تقعدي في أي مكان تحبيه، ما عدا المكتب اللي فوق. ده مليان أوراق ومش مناسب للأطفال.”

صوفي ضحكت وقالت:
“أنا مش بحب الأوراق أصلًا.”

هانا كانت واقفة عند المدخل، مش عارفة تتحرك.

ناتانيال لاحظ ده، فناداها:
“فيه أوضة ضيوف في الدور الأرضي، قريبة من الحمام. هوريهالك، ولو احتجتي أي حاجة هتلاقيني في الصالة.”

قادهم إلى غرفة واسعة، فيها سرير كبير، وسرير صغير إضافي، وخزانة مليانة بطاطين نظيفة.

هانا وقفت عند الباب، وبصت للسرير كأنها مش مصدقة إنه حقيقي.

كانت آخر مرة نامت فيها على سرير مريح من أكتر من شهر.

صوفي جريت ناحية السرير الصغير، ووقعت عليه بفرحة.
“ماما! المرتبة طرية أوي!”

هانا حاولت تبتسم، لكنها أول ما شافت بنتها بتخلع حذاءها وتندس تحت البطانية، انهارت في العياط.

ناتانيال وقف عند الباب، ولما شافها، رجع خطوة لورا عشان يديها خصوصيتها.

لكن هانا نادته بصوت متقطع:
“استنى… متروحش.”

وقف مكانه.

هانا بصتله وهي بتحاول تسيطر على نفسها.
“أنا مش بعيط عشان السرير أو الأكل. أنا بعيط عشان بقالي أسابيع كل ما صوفي تسألني هننام فين، أقول لها متقلقيش، وأنا من جوايا مش عارفة هعمل إيه. كل يوم كنت بصحى وأنا خايفة يكون ده آخر يوم أقدر فيه أحافظ عليها.”

ناتانيال قرب خطوة وقال:
“اللي حصل معاكي مش معناه إنك أم فاشلة.”

هانا هزت راسها.
“أنا عارفة إني بحبها، بس الحب لوحده مش بيدفع الإيجار، ومش بيشتري الدوا، ومش بيحط أكل على الترابيزة.”

“صح. الحب لوحده مش كفاية. لكن ده مش معناه إنك تستحقي تتعاقبي عشان ظروفك صعبة.”

الكلمات البسيطة دي خلتها تسكت.

لأنها من شهور مكنتش سمعت حد يتكلم معاها بالطريقة دي.

كل الناس كانت بتديها نصايح، أو بتسألها إزاي وصلت للحالة دي، أو بتقول لها إنها كان لازم تخطط أحسن.

محدش سألها قبل كده إذا كانت تعبانة.

ناتانيال أشار ناحية السرير.
“ارتاحي الليلة. بكرة هنشوف إيه اللي ممكن نعمله، خطوة خطوة.”

وبعدها خرج وقفل الباب بهدوء.

في الصالة، وقف قدام شجرة عيد الميلاد، وافتكر آخر مرة زينها مع كارولين.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى