
كانت بتضحك عليه لأنه علق النجمة فوق الشجرة بشكل مائل، وهو كان بيصر إنها مستقيمة.
افتكر صوتها، وطريقتها وهي بتحط الهدايا تحت الشجرة، وحس بوحدة شديدة.
لكن المرة دي، الوحدة كانت مختلفة.
لأول مرة من سنين، كان فيه حد في بيته محتاجه.
ولأول مرة، وجود حد تاني تحت سقفه مكنش بيفكره بس باللي فقده، لكنه فكره كمان باللي لسه يقدر يقدمه.
تاني يوم الصبح، ناتانيال صحي على صوت ضحك جاي من المطبخ.
نزل من السلم، فلقى صوفي واقفة على كرسي صغير جنب رخامة المطبخ، وهانا بتحاول تعلمها إزاي تقلب البيض في الطاسة.
الدقيق كان على الرخامة، وطبق الفاكهة مفتوح، وفيه قطعة بان كيك محروقة شوية على طبق جانبي.
صوفي شافته فرفعت إيدها بحماس.
“صباح الخير! إحنا بنعملك فطار!”
ناتانيال بص للمطبخ اللي عمره ما شاف فيه فوضى بالشكل ده، وبعدها بص لهانا.
كانت لابسة نفس الجاكيت القديم، لكن شعرها كان مربوط بشكل مرتب، ووشها رغم التعب بقى فيه لون بسيط.
“صباح الخير. هو أنا لازم أقلق على المطبخ؟”
صوفي ردت بسرعة:
“لأ، إحنا شاطرين جدًا. بس البان كيك اتحرق حتة صغيرة.”
ناتانيال قرب وبص للطبق.
“حتة صغيرة؟ ده شكله دخل حرب وطلع منها خسران.”
صوفي ضحكت بصوت عالي، وهانا حطت إيدها على فمها عشان تخبي ضحكتها.
كان صوت الضحك ده غريب على البيت، لكنه كان جميل لدرجة إن ناتانيال وقف يسمعه شوية قبل ما يقعد.
بعد الفطار، هانا طلبت تتكلم معاه.
قالت له إنها مش عايزة تفضل في البيت من غير ما تساهم في أي حاجة، وإنها مستعدة تنظف أو تطبخ أو تعمل أي شغل مقابل الإقامة المؤقتة.
ناتانيال رفض إنه يحول المساعدة لدين عليها.
“إنتِ مش مطالبة تثبتيلي إنك تستحقي الأكل أو السرير. لكن لو عايزة ترجعي تشتغلي، أقدر أساعدك تدوري على وظيفة مناسبة.”
هانا بصتله بتردد.
“أنا اشتغلت في مخبز خمس سنين. بعرف أعمل عيش وفطير وحاجات كتير، وبعرف أتعامل مع الزباين. بس بقالى فترة طويلة من غير شغل ثابت.”
“عندي شركة بتدير كافيتريات في عدد من المباني والمكاتب. وفيه مطبخ مركزي تابع للشركة محتاجين فيه ناس عندها خبرة في المخبوزات. أقدر أرتبلك مقابلة عادية مع مسؤول التوظيف، ولو اتقبلتي يبقى شغل حقيقي بمرتب واضح، مش صدقة.”
هانا اترددت.
“وإنت مش هتطلب مني أسيب صوفي عند حد؟”
“لازم نتفق على مواعيد تناسب المدرسة، ولو الوظيفة مش مناسبة ليكي، مش لازم تقبليها.”
عينيها اتملت دموع، لكنها المرة دي قدرت تبتسم.
“أنا موافقة أروح المقابلة.”
ناتانيال طلع تليفونه واتصل بمسؤول الموارد البشرية، وحدد لها موعد بعد يومين.
وبعدها اقترح إنها تستشير محامي أسرة مستقل بخصوص ضغوط ريتشارد، وأكد لها إنه ممكن يغطي تكلفة الاستشارة من غير ما يتدخل في القرار أو يفرض عليها أي خطوة.
هانا وافقت، لكنها قبل ما تقوم، قالت له:
“فيه حاجة تانية لازم تعرفها عن جوزي.”
ناتانيال رجع قعد.
“إيه هي؟”
هانا طلعت من شنطتها ظرف ورقي قديم، أطرافه كانت متنية، ومقفول بشريط لاصق.
“قبل ما جوزي يرحل بأسبوعين، رجع البيت متوتر جدًا. سألني إذا كنت أعرف ريتشارد كويس، وبعدها قال لي إنه اكتشف حاجة تخص العيلة، وإنه مش قادر يصدق إن أخوه ممكن يعمل كده.”
ناتانيال بص للظرف.
“وإيه اللي حصل بعد كده؟”
“قال لي إنه كتبلي رسالة، لكنه طلب مني مفتحهاش إلا لو حصل له حاجة. كنت فاكرة إنه بيتكلم عن مشكلة في الشغل. وبعد الحادثة، نسيت الظرف وسط حاجاته، ولما اضطرينا نسيب الشقة، أخدته معايا.”
هانا حطت الظرف قدامه.
“أنا لسه مقرأتش الرسالة.”
ناتانيال ما مدش إيده ناحيتها.
“دي رسالة تخصك إنتِ. مش من حقي أقراها إلا لو إنتِ عايزة.”
هانا فضلت تبص للظرف لحظات، وبعدها فتحت الشريط بإيدين بيرتعشوا.
جواه ورقتين مكتوبين بخط جوزها الراحل، دانيال.
بدأت تقرأ بصوت منخفض، وبعد أول سطر، وشها اتغير.
“هانا حبيبتي، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي. فيه حاجة اكتشفتها عن ريتشارد، وحاولت أتأكد منها قبل ما أواجهه. لو حصل لي أي حاجة، أو لو حاول ياخد صوفي منك، لازم تعرفي إن خوفك منه مش من غير سبب.”
هانا وقفت عن القراءة.
إيدها كانت بتترعش بشدة.
ناتانيال سألها:
“تقدري تكملي؟”
هانا هزت راسها، وكملت.
“ريتشارد طول عمره بيقول إنه بيحب العيلة، لكنه من سنين وهو بيتصرف بطريقة مختلفة تمامًا. اكتشفت إنه كان بيضغط على والدنا قبل رحيله عشان يغير بعض قراراته المالية. وفيه مستندات تثبت إن جزء من الأموال اللي كانت مخصصة لمساعدة العيلة اتنقل لحسابات شركات مرتبطة بيه.”
هانا شهقت، وحطت إيدها على فمها.
“دانيال كان شاكك إن ريتشارد استغل مرض أبوهم عشان يتحكم في فلوس العيلة. وكان بيحاول يجمع أدلة، لكنه مكنش عايز يصدق إن أخوه ممكن يكون مسؤول عن ده.”
قلبت الورقة التانية.
وكان فيها سطر واحد تقريبًا خلّى وشها يشحب.
“لو ريتشارد قال إن هانا مش قادرة تربي صوفي، افتكري إن السبب الحقيقي اللي خلاه يهتم بحضانتها مش الحب. صوفي هي آخر فرد مباشر من عيلتنا يقدر يطالب بنصيبه من صندوق العيلة، وأنا خايف إنه عايز يسيطر على نصيبها قبل ما تكبر.”
هانا فضلت ساكتة.
كل حاجة كانت بتتجمع في دماغها بطريقة مخيفة.



