
عرض ريتشارد إنه ياخد صوفي تعيش معاه.
إصراره على التحكم في كل تفاصيل حياتها.
ضغوطه المتكررة.
محاولاته لإثبات إنها أم غير مستقرة.
كل ده كان ممكن يكون وراه سبب أكبر من مجرد اعتقاده إنه يقدر يوفر لبنت أخوه حياة مريحة.
ناتانيال قال بهدوء:
“الرسالة دي مهمة، لكنها لوحدها مش دليل كافي على كل حاجة. لازم محامي مستقل يراجعها، ويشوف إذا كان فيه مستندات أو سجلات قانونية تدعم الكلام ده.”
هانا بصتله.
“يعني إنت مصدقني؟”
“أنا مصدق إنك خايفة، وإن فيه كلام لازم يتراجع بجدية. ومش هطلب منك تثبتيلي أي حاجة دلوقتي.”
هانا ضمت الرسالة لصدرها.
كانت بتفكر في دانيال، وفي الأيام اللي عاشتها بعد رحيله، وفي كل مرة كانت بتلوم نفسها لأنها مقدرتش تحافظ على البيت والشغل والاستقرار.
يمكن كانت فيه حاجات كتير بتحصل حواليها من غير ما تعرف.
ويمكن ريتشارد كان عارف إنها هتبقى أضعف بعد فقدان جوزها.
لكنها دلوقتي مكنتش لوحدها، على الأقل في اللحظة دي.
بعد الضهر، ناتانيال خرج مع هانا وصوفي لشراء بعض الملابس الشتوية.
هانا أصرت إنها تدفع من الفلوس القليلة اللي معاها، لكنه اقترح إنهم يشتروا الحاجات الضرورية بس، ويحتفظوا بباقي فلوسها لمصاريفها الشخصية.
صوفي اختارت جاكيت أحمر، وقفازات وردية، وقبعة عليها رسمة أرنب.
ولما هانا شافت السعر، رجعت القبعة مكانها.
صوفي لاحظت، لكنها مقلتش حاجة.
ناتانيال شاف الموقف، لكنه مراحش يشتري القبعة من ورا هانا. بدل كده، سأل صوفي:
“إنتِ عجباكي القبعة دي أوي؟”
البنت هزت راسها.
“آه، بس مش مشكلة. أنا عندي قبعة قديمة.”
ناتانيال ابتسم.
“طب إيه رأيك نعتبرها جزء من هدية عيد الميلاد اللي وعدتيني ترسميها لي؟ إنتِ هتعمليلي رسمة، وأنا هشتريلك القبعة، وكل واحد فينا يبقى عمل حاجة للتاني.”
صوفي فكرت شوية، وبعدها بصت لأمها تستأذنها.
هانا وافقت أخيرًا، وفضلت واقفة تتفرج على بنتها وهي بتختار القبعة بحماس.
بعدها دخلوا محل صغير لبيع الأدوات الفنية، واشترى ناتانيال لصوفي كراسة رسم وألوان بسيطة.
صوفي حضنته فجأة وقالت:
“شكرًا يا ناتانيال.”
اتجمد للحظة، لأن محدش كان بيحضنه بالشكل ده من سنين.
وبعدين ربت على كتفها وقال:
“العفو يا صوفي.”
في طريق الرجوع، هانا كانت بتبص من الشباك، وبعد شوية قالت:
“أنا خايفة أتعود على الراحة دي، وبعدين أخسرها.”
ناتانيال بص للطريق قدامه.
“الخوف مش هيختفي في يوم وليلة. وأنا مش هقدر أضمنلك إن كل حاجة هتبقى سهلة. لكن نقدر نخلي الخطوات واضحة، وكل قرار يبقى بإرادتك.”
هانا سألته:
“إنت عمرك حسيت إنك فقدت كل حاجة؟”
ناتانيال ابتسم ابتسامة حزينة.
“بعد رحيل كارولين، كنت بصحى كل يوم وأحس إن مفيش سبب أقوم من السرير. كنت بروح الشركة، وأقعد في الاجتماعات، وأمضي العقود، وأرجع البيت. الناس كانت فاكرة إني قوي عشان مظهري وفلوسي، لكن الحقيقة إني كنت بهرب من كل مكان ممكن يفكرني بيها.”
“ومحدش حاول يساعدك؟”
“فيه ناس حاولت. بس أنا كنت برفض. كنت فاكر إن لو سمحت لحد يقرب، يبقى كأني بخون الذكريات اللي بيني وبينها.”
هانا بصتله بتعاطف.
“أنا فاهمة الإحساس ده. ساعات كنت بحس إني لو ضحكت مع صوفي، يبقى أنا نسيت دانيال. ولو فكرت في مستقبل جديد، أحس إني بتخلى عنه.”
ناتانيال هز راسه.
“يمكن إحنا الاتنين كنا محتاجين نفهم إن الحياة مش لازم تقف عشان نحافظ على حبنا للي فقدناهم.”
وصلوا البيت، وصوفي جريت على الشجرة عشان تحط رسمة صغيرة تحتها.
كانت رسمت بيتًا كبيرًا، وشخصًا طويلًا واقف جنب شجرة، وستًا ماسكة إيد بنت صغيرة.
وفوق الرسم كتبت بخط طفولي متعرج:
“عشان محدش يقعد لوحده في العيد.”
ناتانيال وقف قدام الرسمة فترة طويلة.
وبعدين شالها بحرص، وحطها في إطار صغير فوق المدفأة.
لأول مرة من تلات سنين، حس إن البيت مش مجرد مكان بيحفظ فيه ذكرياته.
بقى فيه ذكرى جديدة بتتولد.
لكن الراحة اللي بدأت تتسلل لحياتهم ما استمرتش من غير مشاكل.
بعد يومين، هانا راحت مقابلة العمل، ورجعت وهي مبتسمة.
اتقبلت في وظيفة بدوام مناسب، براتب ثابت، وتأمين صحي، ومواعيد تسمح لها تتابع دراسة صوفي واحتياجاتها.
كانت الوظيفة بداية حقيقية، مش حل سحري لكل مشاكلها، لكنها أخيرًا بقت عارفة إن فيه دخل هيقدر يساعدها تقف على رجليها من جديد.
وفي نفس اليوم، قابلت محامية اسمها إلين موريس، متخصصة في قضايا الأسرة.
إلين استمعت لكل اللي حصل، وراجعت الرسالة، وطلبت من هانا تحتفظ بكل الرسايل اللي وصلتها من ريتشارد، وأي مستندات تخص الميراث أو صندوق العيلة.
أكدت لها إن ظروفها المالية الصعبة وحدها مش معناها إنها أم غير صالحة، وإن أي قرار يخص حضانة صوفي لازم يتراجع وفقًا لمصلحتها والقانون، مش بناءً على ثروة ريتشارد.
هانا خرجت من المكتب وهي حاسة لأول مرة إن عندها فرصة حقيقية تدافع عن نفسها.
لكن قبل ما توصل لبيت ناتانيال، لقت تليفونها بيرن.
كان رقم ريتشارد.
فضلت تبص للشاشة ثواني، وبعدين ردت.



