
“ألو.”
صوته جه هادي بشكل غريب.
“أخيرًا رديتي عليا يا هانا.”
“كنت مشغولة.”
“عارف إنك مشغولة. وعارف كمان إنك عند ناتانيال ويتمور.”
هانا وقفت مكانها.
“إنت عرفت منين؟”
ريتشارد ضحك ضحكة قصيرة.
“مش مهم عرفت منين. المهم إنك لازم تفهمي إن الراجل ده مش منقذك، وإنك بتدخلي نفسك وبنتك في مشكلة أكبر.”
هانا حاولت تثبت صوتها.
“أنا مش بطلب منك حاجة، ومش عايزة منك أي مساعدة.”
“الموضوع مش متعلق بيكي لوحدك. صوفي بنت أخويا، وليها مستقبل لازم أحافظ عليه.”
“مستقبلها معايا.”
صوته اتغير فجأة.
“إنتِ مش قادرة حتى تدفعي إيجار شقة. هتقدري توفري لها إيه؟”
الجملة وجعتها، لأنها لمست أكتر نقطة كانت بتخاف منها.
لكنها افتكرت كلام المحامية، وافتكرت صوفي وهي بتنام بأمان لأول مرة من أسابيع.
فقالت:
“أنا بشتغل، وهكمل شغلي، وهعمل كل اللي أقدر عليه عشان بنتي. ومش هسمحلك تستخدم الفلوس عشان تخوفني.”
ريتشارد سكت لحظة.
وبعدين قال بصوت بارد:
“إنتِ فاكرة إنك فاهمة كل حاجة، لكن فيه حاجات عن جوزك لو عرفتيها، يمكن تغيري رأيك.”
هانا حسّت ببرودة بتسري في جسمها.
“تقصد إيه؟”
“اسألي نفسك ليه دانيال كان بيخبي عنك مشاكل العيلة. وليه مكنش عايزك تقربي من شغله. وليه قبل رحيله بفترة قصيرة كان بيفكر يغير وصيته.”
هانا مسكت التليفون بقوة.
“إنت بتكدب.”
“يمكن. ويمكن لأ. لو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي قابليني بكرة لوحدك.”
“مش هسيب صوفي.”
“أنا مقلتش إنك تسيبيها. أنا قلت تعالي لوحدك. وفيه فرق.”
وبعدين قفل الخط.
هانا فضلت واقفة في الشارع، والتليفون في إيدها، ودموعها بتتجمع في عينيها.
لما رجعت البيت، ناتانيال لاحظ إنها مش طبيعية.
سألها:
“حصل إيه؟”
هانا حكت له المكالمة كاملة.
ناتانيال فكر شوية، وبعدها قال:
“متحاوليش تقابليه لوحدك لمجرد إنه ضغط عليكي. اتواصلي مع المحامية الأول، وخلي أي مقابلة ضرورية تتم بطريقة آمنة وواضحة.”
هانا هزت راسها.
“أنا مش عايزة أعيش طول عمري خايفة منه.”
“ومش لازم. بس الشجاعة مش معناها إنك تدخلي مواجهة من غير استعداد. الشجاعة ساعات معناها إنك تحمي نفسك وتختاري الوقت والطريقة الصح.”
تاني يوم، إلين تواصلت مع محامي ريتشارد، وطلبت أي ادعاءات رسمية تخص حضانة صوفي تكون مكتوبة، وإن التواصل بين الطرفين يتم عن طريق المحامين لحين مراجعة المستندات.
ولأول مرة، ريتشارد ما قدرش يفرض مقابلة على هانا بمجرد مكالمة.
لكن هانا كانت عارفة إنه مش هيسكت بسهولة.
مرت أسابيع قليلة.
صوفي بدأت تروح المدرسة بانتظام، وهانا استلمت أول مرتب ليها، واستأجرت شقة صغيرة قريبة من مكان شغلها.
كانت شقة متواضعة، فيها أوضتين ومطبخ صغير، لكن فيها شباك واسع بيدخل منه ضوء الصبح.
في اليوم اللي استلمت فيه المفتاح، وقفت هانا وسط الصالة الفاضية، وفضلت تبص حواليها.
مفيش أثاث كتير، ومفيش ديكورات، لكن المفتاح كان في إيدها هي.
محدش يقدر يطردها منها لمجرد إنه قرر يرفع الإيجار فجأة، طالما بتلتزم بعقدها وحقوقها.
ناتانيال ساعدها في إيجاد أثاث مستعمل بحالة جيدة، واتفق معاها إنها تسدد تكلفة بعض الحاجات بالتدريج من غير فوائد، بعقد واضح ومحترم، بعد ما هي طلبت منه ده بنفسها.
هانا أصرت تدفع جزءًا من ثمن الأثاث، حتى لو على أقساط صغيرة.
قالت له:
“أنا محتاجة أحس إني ببني حياتي بإيدي، مش إني مستنية حد ينقذني كل مرة.”
فرد عليها:
“وده بالضبط اللي أنا بحاول أساعدك تعمليه.”
في يوم الانتقال، صوفي كانت بتجري بين الأوضة والصالة، وتقول إنها هتحط رسوماتها جنب السرير.
ولما دخلت أوضتها الجديدة، لقت فوق المرتبة صندوقًا صغيرًا فيه ألوان وكراسة رسم جديدة.
بصت لأمها وسألتها:
“إحنا هنفضل هنا؟”
هانا نزلت على ركبتها قدامها.
“أيوه يا حبيبتي. ده بيتنا.”
صوفي حضنتها بقوة، وقالت:
“يعني مش هنمشي تاني؟”
هانا ضمتها لصدرها.
“هنفضل هنا طول ما إحنا ملتزمين ببيتنا، ولو حصل أي تغيير في المستقبل، هنواجهه مع بعض. بس محدش هيخليكي تحسي إنك لوحدك.”
صوفي سكتت لحظة، وبعدين سألت:
“وناتانيال هييجي يزورنا؟”
هانا ابتسمت.
“لو حب ييجي، طبعًا.”
في المساء، ناتانيال وصل ومعاه كعكة صغيرة، وهدية بسيطة للبيت.
لما شاف الأوضة الجديدة، وقف عند الباب وقال:
“واضح إن هنا فيه روح أكتر من بيتي كله.”
هانا ابتسمت.
“عشان هنا فيه ناس بتضحك.”
ناتانيال بص لصوفي، اللي كانت بتحاول ترتب أقلامها في كوب بلاستيك.
“وعشان فيه فنانة صغيرة.”
صوفي رفعت راسها بفخر.
“أنا هعملك رسمة جديدة. المرة دي هارسمك مع كارولين.”
ناتانيال اتفاجئ.
“مين قالك اسم كارولين؟”
صوفي أشارت ناحية هانا.
“ماما قالتلي إنك كنت بتحبها، وإنها كانت طيبة.”
ناتانيال قعد على كرسي صغير، وابتسم بحزن.
“كانت أطيب إنسانة عرفتها.”
صوفي فكرت شوية، وبعدين قالت:
“طب لما أخلص الرسمة، هديها لك عشان تفتكرها من غير ما تزعل.”
ناتانيال بص لهانا، وعينيه لمعت.
لأنه أدرك إن الطفلة اللي كان فاكر إنه بينقذها، كانت هي كمان بتساعده يتعلم يعيش من جديد.
بعد شهرين، وصل خطاب رسمي لهانا من مكتب المحامية.
ريتشارد كان قدّم طلبًا للحصول على حضانة مشتركة أو ترتيب إقامة لصوفي في منزله، مستندًا إلى وضع هانا المالي السابق، وإلى ادعائه إنه يقدر يوفر للبنت ظروفًا أفضل.
لكن إلين كانت مستعدة.
قدمت ما يثبت إن هانا عندها وظيفة مستقرة، وسكن مناسب، وإن صوفي منتظمة في المدرسة، وإن أمها بتوفر لها الرعاية اليومية.
كمان قدمت الرسائل اللي كان ريتشارد بيضغط فيها على هانا، وطلبت مراجعة المستندات المتعلقة بصندوق العيلة، بعد ما ظهرت إشارات إلى وجود أموال مخصصة لصوفي.
الموضوع ما اتحسمش فورًا.
كانت فيه جلسات، ومراجعات، ومواعيد طويلة، وأيام هانا بترجع فيها البيت منهكة من القلق.
لكن الفرق إنها المرة دي مكنتش بتواجه كل ده لوحدها.
ناتانيال كان بيطمن عليها من وقت للتاني، من غير ما يتدخل في القضية أو يحاول يشتري نتيجة لصالحها.
في يوم من الأيام، رجعت هانا من جلسة طويلة، وكانت مرهقة.
لما دخلت البيت، لقت ناتانيال مستنيها عشان ياخد منها بعض الكتب اللي كانت استعارتها لصوفي.
شاف وشها، فسألها:
“فيه جديد؟”
هانا حكت له عن المستندات اللي ظهرت.
ناتانيال سمعها، وبعدها قال:
“لو فيه أموال مخصصة لصوفي، فده حق لازم يتراجع ويتحمى بالقانون. لكن الأهم إنك متخليش الموضوع يسحبك لنفس الدوامة اللي كنتِ فيها. إنتِ دلوقتي عندك شغل وبيت، وبنتك جنبك. خدي كل خطوة في وقتها.”
هانا بصتله وقالت:
“أنا ساعات بخاف أكون بدأت أثق في الناس تاني بسرعة.”
“الثقة مش إنك تسلمي حياتك لحد. الثقة إنك تسمحي لنفسك تستقبلي المساعدة، وفي نفس الوقت تحتفظي بحقك في السؤال والرفض واتخاذ القرار.”
هانا ابتسمت.
“كارولين كانت بتقولك الكلام ده؟”
ناتانيال ضحك.
“كانت بتقولي كلام أصعب من كده، وأنا للأسف كنت بحتاج سنين عشان أفهمه.”
في اللحظة دي، صوفي خرجت من أوضتها وهي ماسكة رسمة جديدة.
كانت رسمت هانا واقفة قدام بيت صغير، وإيدها في إيد صوفي، وفي الناحية التانية ناتانيال واقف جنب شجرة.
وفوقهم كتبت:
“البيت مش أكبر مكان. البيت هو المكان اللي بنكون فيه آمنين.”
ناتانيال أخذ الرسمة، وفضل يبص لها طويلًا.
وبعدين قال لصوفي:
“دي أحسن هدية وصلتني في حياتي.”
صوفي ابتسمت.
“أحسن من العربية؟”
“أحسن من كل العربيات.”
“وأحسن من الفلوس؟”
ناتانيال بص لهانا، وبعدها رجع بص للطفلة.
“بكتير.”
مرت شهور، والقضية بدأت تاخد اتجاهًا أوضح.
المراجعة المالية كشفت عن مخالفات محتملة في إدارة جزء من أموال الصندوق، لكن التحقيقات القانونية احتاجت وقتًا عشان تحدد المسؤولية وتفصل بين المستندات الصحيحة والادعاءات.
ريتشارد حاول يتواصل مع هانا أكتر من مرة، لكنها التزمت بنصيحة محاميتها، وكل التواصل بقى من خلال القنوات القانونية.
وفي جلسة لاحقة، اتفق الطرفان على ترتيب مؤقت يضمن لصوفي الاستمرار في مدرستها، والإقامة مع أمها، مع تنظيم أي زيارات عائلية وفقًا لما تقرره الجهة المختصة وبما يناسب مصلحة الطفلة.
هانا خرجت من الجلسة وهي مرهقة، لكنها حسّت لأول مرة إن صوتها اتسمع.
ريتشارد وقف بعيد عنها في الممر.
كان لابس بدلة غالية، ووشه متجهم.
لما لمحها، قرب منها وقال:
“إنتِ مبسوطة كده؟”
هانا وقفت، لكنها فضلت على مسافة مناسبة منه.
“أنا مبسوطة إن صوفي مش مضطرة تعيش وسط ضغوط ومشاكل كل يوم.”
ريتشارد ضيق عينيه.
“إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟”
هانا ردت بهدوء:
“أنا مش داخلة حرب معاك. أنا بحاول أحافظ على بنتي.”




