
أنا اسمي كريمة، عندي ستة وخمسين سنة، ومتجوزة مراد من واحد وتلاتين سنة. مراد مكنش جوز عادي. بالنسبة لناس كتير، كان رجل أعمال واصل وكبير، راجل بيملك مطاعم وكباريهات ومخازن ، وكلمته مسموعة في أماكن محدش يقدر يدخلها من غير إذنه. أكتر من عشرين سنة، اسمه كان ليه هيبة ووزن، والرجالة كانت بتوطي صوتها وهي بتتكلم عنه، وأصحاب الشركات كانوا بيحسبوا كل كلمة قبل ما يقولوها قدامه.
أما في البيت، فكان بالنسبة لي مجرد جوزي، والراجل اللي شاركني عمري، واللي كنت فاكرة إني عارفة كل أسراره.
على الأقل، ده اللي كنت مصدقاه طول السنين دي.
من تلات شهور، ابننا شريف اتجوز جنا. كان فرح زي اللؤلؤ، وكل حاجة فيه كانت بتقول إننا داخلين على مرحلة جديدة وحلوة في حياتنا. شريف كان مبسوط بطريقة عمري ما شفتها عليه قبل كده، وجنا كانت بتضحك وتتكلم مع الكل، وأنا كنت واقفة وسط المعازيم ودموعي مش راضية تنشف.
كنت ببص لابني وهو بيرقص مع مراته، وبقول لنفسي إن كل التعب اللي تعبته في تربيته راح في مكانه، وإن ربنا أخيرًا كرمني إني أشوفه مستقر وسعيد.
مراد نفسه كان طول الفرح مبتسم، وبيستقبل الناس بثقة، وكل شوية يقرب مني ويهمس لي:
«شايفة ابننا يا كريمة؟ أخيرًا بقى راجل بيت ومسؤولية.»
كنت أبص له وأبتسم.
«ربنا يسعده يا مراد، ويبعد عنه وجع القلب.»
ضحك يومها وقال:
«وجع القلب ده يجي من بره البيت يا كريمة، إنما طول ما إحنا موجودين، محدش يقدر يقرب منه.»
ماكنتش أعرف إن الراجل اللي بيقول الكلام ده، هو نفسه اللي هيبقى سبب أكبر وجع في قلب ابنه.
بعد الفرح بشهر تقريبًا، مراد بدأ يتغير.
في الأول، كانت حاجات صغيرة. يرجع متأخر، يخرج من الأوضة عشان يرد على مكالمة، يقفل تليفونه لما أقرب منه، ويبقى طول الوقت ماسك الجهاز في إيده كأنه خايف حد يشوف حاجة عليه.
ولما كنت أسأله:
«مالك يا مراد؟ في حاجة شاغلاك؟»
كان يرد من غير ما يبص لي:
«شغل يا كريمة. إنتي عارفة الدنيا ماشية إزاي.»
كنت أسكت، لأن دي الإجابة اللي سمعتها منه مئات المرات على مدار سنين جوازنا.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
في ليالي كتير، كان يرجع البيت وريحة برفان غريب في هدومه. برفان نسائي تقيل، ريحته بتفضل في الصالة حتى بعد ما يدخل الحمام ويغير هدومه.
وفي مرة، كنت بلم هدومه عشان أبعتها للمغسلة، لقيت على ياقة قميصه علامة أحمر خفيفة.
وقفت أبص لها وقت طويل.
وبعدين غسلت القميص بإيدي، كأني بغسل الشك اللي بدأ يكبر جوايا.
كنت كل ما أفكر في احتمال الخيانة، أفتكر واحد وتلاتين سنة من عمري معاه. أفتكر يوم ما ابني اتولد، والليلة اللي قعدنا فيها في المستشفى لحد الصبح، والأيام اللي كنا بنبدأ فيها حياتنا من الصفر، قبل ما الفلوس تكتر والنفوذ يوسع دايرته.
كنت أقول لنفسي إن الراجل اللي عشت معاه كل ده، مستحيل يرمي كل حاجة وراه بالشكل ده.
لكن الحقيقة كانت مستنياني يوم الخميس.
كنت قاعدة في الصالة، براجع شوية حسابات تخص البيت، والتابلت اللي أنا ومراد بنستعمله كان على الترابيزة. فجأة، ظهر إشعار رسالة من شخص مسجل بحرف واحد بس: «ج».
فتحت الرسالة من غير تفكير.
«النهارده الساعة ٨. نفس المكان. شريف في وردية بالليل.»
قريت الجملة مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين تالت مرة، لحد ما حسيت إن الحروف بدأت تتحرك قدام عيني.
شريف كان شغال في مشروع جديد تابع لشركة والده، وكان بيقضي ساعات طويلة في متابعة تجهيز فرع جديد للمطاعم. ومراته جنا كانت بتقول إنها بتقضي أغلب وقتها في البيت أو عند أمها.
مين الشخص اللي بيبعت الرسالة دي لمراد؟
وليه مستني لما شريف يكون بعيد؟
وليه نفس المكان؟
قفلت الرسالة، وحطيت التابلت مكانه بالضبط، وقعدت ساكتة.
ماكنتش عايزة أواجهه قبل ما أعرف الحقيقة. كنت عارفة مراد كويس، وعارفة إنه لو حس إني بشك فيه، ممكن يلف ويدور لحد ما يخليني أنا اللي أشك في نفسي.
طول النهار، كنت بتعامل معاه بشكل طبيعي. حضرت له الغدا، وسألته إذا كان محتاج حاجة، وحتى لما قال لي إنه خارج بالليل، اكتفيت إني أقول:
«ربنا معاك.»
بص لي باستغراب لحظة، وبعدين ابتسم.
«مالك النهارده هادية كده؟»
قلت وأنا بحط الكوباية قدامه:
«يمكن عشان تعبت شوية.»
قرب مني وباس راسي، وقال:
«خلي بالك من نفسك. أنا مش هتأخر.»
أول ما الباب اتقفل وراه، مسكت مفاتيح عربيتي ونزلت.
مراد عادة كان بيتحرك مع السواق أو واحد من رجاله، لكن الليلة دي ساق بنفسه. فضلت ماشية وراه من مسافة، لحد ما دخل جراج فندق كبير في منطقة راقية.
وقفت بعيد، وطفيت نور العربية.
إيديا كانت بتترعش على الدركسيون.
الساعة كانت تمانية وسبع دقايق لما عربية بيضا دخلت الجراج.
عرفتها فورًا.
عربية جنا.
حسيت بمعدتي اتقبضت، وفضلت أردد جوايا إن أكيد فيه تفسير، وإن عقلي مش لازم يروح لأبشع احتمال.
يمكن عندها مقابلة شغل معاه.
يمكن فيه مشكلة في الشركة.
يمكن…
لكن بعد حوالي عشر دقايق، شفت مراد خارج من مدخل الفندق، وجنا ماشية جنبه، وهو حاطط إيده حوالين وسطها بطريقة مفيهاش أي مجال لسوء الفهم.
جنا كانت بتضحك، ومراد كان باصص لها بنفس النظرة اللي كان بيبصهالي زمان.
النظرة اللي فضلت سنين أفتكر إنها بتاعتي أنا لوحدي.
في اللحظة دي، حسيت إن واحد وتلاتين سنة اتكسروا جوايا مرة واحدة.
ماكنتش قادرة أعيط، ولا أصرخ، ولا حتى أفتح باب العربية وأنزل أواجههم.
رفعت تليفوني وصورت صورة، وبعدها سجلت فيديو واضح ليهم وهما راكبين عربية مراد، قبل ما ينفصلوا عند المخرج، وكل واحد يروح ناحية عربيته.
وبعدين قعدت مكاني، وبصيت قدامي.
افتكرت أبويا الله يرحمه، وكلامه اللي قالهولي قبل ما أتجوز مراد.
«الراجل ده يا كريمة مش مطمن له. الفلوس والنفوذ مش دليل إن الراجل أصيل. أنا خايف عليكي منه.»
وقتها زعلت من أبويا، وقلت له إنه مش فاهم مراد، وإنه بيحكم عليه من غير ما يعرفه.
أبويا سكت يومها، وبعدين قال لي:
«أنا نفسي أكون غلطان يا بنتي. بس لو جه يوم واحتجتي تختاري بين كرامتك وبين خوفك منه، اوعي تختاري الخوف.»
الكلام رجع في وداني كأنه بيتقال لأول مرة.
فتحت جهات الاتصال، وطلبت شريف.
رد عليا بسرعة، وصوته كان مليان فرحة.
«يا ماما؟ إزيك؟ أنا كنت لسه هكلمك. جنا قالتلي إنها ممكن تعدي عليكي بكرة.»
غمضت عيني.
«شريف، إنت فين؟»
«في الشركة يا ماما. لسه قدامي شوية شغل. في حاجة؟»
«عايزاك تيجي تقابلني حالًا.»
«حاضر، بس في إيه؟»
بصيت ناحية الفندق، وقلت بصوت حاولت أخليه ثابت:
«تعالى عند مقبرة جدك. هتلاقيني هناك.»
سكت لحظة.
«مقبرة جدو؟ دلوقتي يا ماما؟ الساعة قربت على تسعة!»
«أيوه يا شريف.»
«إنتي تعبانة؟ حصل حاجة لبابا؟»
بلعت ريقي، وقلبي بيتقطع عليه قبل حتى ما يعرف.
«لأ يا حبيبي. بس فيه حاجة لازم تشوفها بعينك. وبعدها هحكيلك كل حاجة.»
صوته اتغير.
«إنتي خوفتيني.»
قلت له وأنا ببص على إيديا اللي كانت لسه بتترعش:
«عارفة يا ابني. بس صدقني، أنا كمان خايفة.»
قفلت المكالمة، وشغلت العربية، واتجهت لمقبرة أبويا.
ماكنتش رايحة أطلب منه السماح وبس.
كنت رايحة أفتكر وصيته، وأحاول أفهم إزاي أواجه راجل قضيت عمري كله بقول لنفسي إنه مستحيل يأذيني.
ولما وصلت، لقيت المكان هادي، والهواء بارد، والأنوار الخافتة اللي على سور المقابر عاملة ظلال طويلة على الأرض.
وقفت قدام قبر أبويا، وحطيت إيدي على الرخام.
«حقك عليا يا بابا. إنت كنت شايف اللي أنا مش عايزة أشوفه.»
سمعت صوت عربية بتقف ورايا.
شريف نزل بسرعة، وكان لابس هدوم الشغل، ووشه مليان قلق.
«ماما!»
لفيت له.
جري ناحيتي ومسك كتافي.
«إنتي كويسة؟ مالك؟ وليه جايباني هنا؟»
بصيت في عينيه، وكنت شايفة فيها نفس عيني أبويا، نفس البراءة اللي كنت بتمنى إنها تفضل معاه طول العمر.
طلعت التليفون.
«قبل ما أوريك، عايزاك توعدني إنك هتسمعني للآخر. ومهما شفت، مش هتتصرف بعصبية.»
هز راسه بسرعة.
«حاضر. بس إنتي مرعباني.»
فتحت الصورة الأولى.
كان مراد وجنا واقفين قدام الفندق، وإيده حوالين وسطها.
شريف بص للصورة، وسكت.
قرب التليفون من عينه كأنه مش مصدق.
«دي… دي جنا؟»
ماقدرتش أرد.
كبر الصورة بإصبعي، ووريته الفيديو.
فضل بيتفرج، ووشه بيتغير مع كل ثانية.
في البداية، كان مستغرب.
وبعدين بدأ الغضب يظهر في عينيه.
وبعدين، لما شاف أبوه وهو بيقرب من جنا وبيهمس لها في ودنها، التليفون وقع من إيده.
رجع خطوتين لورا.
«لأ.»
قالها بهدوء غريب.
وبعدين كررها بصوت أعلى:
«لأ يا ماما. مش ممكن.»
قربت منه، لكنه رفع إيده كأنه بيطلب مني ماقربش.
«دي مراتي يا ماما.»
الكلمة خرجت منه متكسرة.
«دي مراتي اللي كنت بقولك عليها إنها أحسن حاجة حصلتلي في حياتي. دي اللي كنت بدافع عنها قدام كل الناس. دي اللي كنت بسيب شغلي وأجري عشان أرجع لها بدري.»
حط إيده على راسه، وفضل يهزها.
«وأبويا؟»
السؤال ده كان أصعب من كل اللي قبله.
«أبويا يا ماما؟ الراجل اللي علمني الرجولة؟ اللي كان بيقولي إن العيلة أهم من أي فلوس؟»
قرب من العربية وفتح بابها بعصبية، وبعدين قفله تاني.
«أنا هروح لهم دلوقتي.»
مسكت دراعه.
«استنى يا شريف.»
«سيبيني يا ماما!»
«مش هسيبك تروح وأنت بالشكل ده.»
لف لي، وعينيه مليانة دموع وغضب.
«هو عمل فيا كده ليه؟ أنا عمري ما وقفت قدامه. عمري ما نافسته على حاجة. كل اللي كنت عايزه إني أبقى ابنه اللي يفتخر بيه.»
مسكت وشه بين إيديا، زي ما كنت بعمل وهو صغير.
«بص لي يا شريف. اللي عمله أبوك مش ذنبك. واللي عملته جنا مش ذنبك. إنت مالكش دعوة بخيانتهم، ومش مطلوب منك تشيل عار قراراتهم.»
نزلت دمعة من عينه، ومسحها بسرعة كأنه مكسوف منها.
«أنا بحبها يا ماما.»
قلبي اتعصر.
«عارفة يا حبيبي.»
«أنا كنت بفكر أجيب لها شقة تانية عشان تبقى قريبة من شغلها. وكنت محوش فلوس عشان نسافر بعد ما نخلص المشروع. وهي كانت بتكلمني كل يوم وتقولي إنها مستنياني.»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«كانت بتمثل عليا طول الوقت؟»
ماكانش عندي إجابة.
قعد على سور حجري صغير قريب من قبر جده، وحط وشه بين إيديه.
وساعتها، لأول مرة من ساعة ما عرفته، شفت ابني مكسور بالشكل ده.
استنيت لحد ما هدي شوية، وبعدين قعدت جنبه.
«يا شريف، أنا مش عايزة منك قرار دلوقتي. لا طلاق، ولا مواجهة، ولا أي حاجة. أنا عايزاك تفكر بعقلك. إحنا مش هنسمح لهم يدمرونا، ولا هنسيبهم يحولوا حياتنا لمسرحية يطلعوا منها هما الضحايا وإحنا الغلطانين.»
رفع راسه.
«إنتي تقصدي إيه؟»
فتحت الفيديو مرة تانية، وقلت:
«أبوك طول عمره بيقول إن اللي مايسامحوش. وإن الثقة لما بتتكسر مابترجعش زي الأول. أنا مش هطلب منك تنتقم. أنا عايزاك تعرف الحقيقة كلها، وتحافظ على حقك، وتخلي كل واحد فيهم يتحمل نتيجة اللي عمله.»
شريف مسح وشه، وأخد نفس طويل.
«أنا عايز أعرف من إمتى.»
قلت له:
«وأنا كمان.»




