روايات وقصص

اماني السيد

تنهد شريف بضيق شديد، ووشه اتغير كأنه افتكر كابوس، وقال بنبرة مليانة غل وهو بيبعد عينه عن نادين:

ـ الطلاق مش بالسهولة اللي إنتِ متخيلاها يا نادين. أنا لو طلقتها دلوقتي، هتفتح بوقها وتطلب حقوقها كلها، وهتدخلني في محاكم وحوارات أنا مش ناقصها. إنتِ مش عارفة هي ممكن تعمل إيه لو عرفت إني متجوزك وعندي بيتين.

نادين رفعت راسها من على صدره، وبصتله بضيق.

ـ يعني إيه عندك بيتين؟ هو أنا هفضل طول عمري مرات في الضلمة؟ أنا مش لعبة في إيدك يا شريف، ولا أنا واحدة قابلتها في الشارع وجبتها تقضي معاك يومين. أنا مراتك، والناس كلها لازم تعرف إني مراتك.

شريف مسح على شعرها وقال بنبرة هادية وهو بيحاول يرضيها:

ـ إنتِ مرات قلبي يا نادين، وده أهم من أي ورقة. وبعدين أنا قلتلك إن الموضوع محتاج وقت. مراتي الأولى دي مش هتقدر تعمل حاجة، دي ست ضعيفة، ملهاش غير عيالها وأمها. طول عمرها ساكتة، وعمرها ما هتقدر تقف قدامي.

أنا واقفة ورا الباب، سامعة كل كلمة، وحاسة إن كل كلمة بتدبحني من غير رحمة.

ست ضعيفة!

أنا اللي وقفت جنب شريف لما كان بيبدأ حياته من الصفر. أنا اللي كنت بشتغل وأوفر من مصروفي عشان نقدر نجهز شقتنا. أنا اللي بعت دهبي لما أبوه دخل المستشفى، وكنت بقوله إن الفلوس تتعوض وإن المهم أبوه يقوم بالسلامة.

أنا اللي كنت بصحى من الفجر أجهزله الفطار، وأكوي هدومه، وأربي عيالي، وأستحمل أمه لما كانت تيجي كل يومين وتنتقد أكلي ولبسي وطريقتي في الكلام.

أنا اللي لما ولدت واتغير جسمي، وبدأت أعاني من الإرهاق وقلة النوم، بدل ما يطبطب عليا، كان يبصلي من فوق لتحت ويقوللي:

ـ إنتِ بقيتي مهملة في نفسك يا مريم، هو إنتِ مش بتبصي في المراية؟

كنت أضحك ضحكة باهتة وأقولله إني تعبانة شوية، وإن الولاد محتاجين رعاية، فيرد عليا:

ـ كل الستات بتخلف يا مريم، مش إنتِ أول واحدة في الدنيا.

كنت أبلع وجعي وأسكت، وأقول يمكن ضغط الشغل، يمكن الظروف، يمكن بكرة يتغير.

لكن مفيش حاجة اتغيرت.

كل يوم كان بيبعد عني أكتر، لحد ما بقيت أحس إني غريبة في بيتي، وإن وجودي في حياته مجرد خدمة مجانية بتوفرله الأكل النضيف والبيت المرتب والولاد اللي بيحبهم قدام الناس.

أما نادين، فكانت قاعدة قدامي بتاخد كل حاجة كنت بحلم بيها منه، من غير ما تعرف إني أنا اللي دفعت تمن كل لحظة حنان هو بيقدمهالها.

سمعتها بتقولله:

ـ طب وإيه اللي مخليك خايف منها بالشكل ده؟ إنت مش قلتلي إنك تقدر تتخلص من الموضوع ده في أي وقت؟

شريف اتعدل في قعدته، وبص حواليه كأنه بيتأكد إن مفيش حد بيسمعهم.

ـ عشان في حاجات إنتِ متعرفيهاش. مريم مش بالبساطة اللي أنا كنت فاكرها، ولو عرفت الحقيقة، ممكن تقلب حياتي كلها.

نادين ضحكت باستهزاء.

ـ مريم؟! هي دي اللي كل ما تكلمها تفضل ساكتة؟ دي لو رفعت صوتها عليك هتخاف من نفسها.

شريف هز راسه وقال:

ـ أنا مش خايف منها هي، أنا خايف من اللي معاها.

قلبي اتقبض.

اللي معايا مين؟

أنا معنديش حد غير أمي وأولادي، ولا عمري دخلت نفسي في مشاكل مع حد.

نادين قربت منه وقالت:

ـ إنت مخبي عليا إيه يا شريف؟

سكت شوية، وبعدين قال:

ـ فاكرة البيت اللي إحنا قاعدين فيه؟

ـ أيوه، بيت مامتك.

ـ البيت ده مش ملك أمي لوحدها زي ما الناس فاكرة، والموضوع أكبر من كده بكتير.

نادين فتحت عينيها باهتمام.

ـ يعني إيه؟

شريف قام من مكانه، ومشي ناحية الشباك، وبعدها رجع وبص لها.

ـ من سنين، قبل ما أبويا يموت، كان فيه مبلغ كبير اتحط في حساب باسم مريم. المبلغ ده كان جزء من فلوس شغل أبويا، وكان المفروض يتحفظ لحد ما نخلص موضوع معين. أبويا كان واثق في مريم أكتر من أي حد في العيلة، وكتب ورق يثبت إن الفلوس دي أمانة عندها.

نادين شهقت.

ـ إنت بتهزر؟ يعني مراتك معاها فلوس وإنت سايبها كده؟

ـ مش فلوسها بالمعنى اللي إنتِ فاهمه. الموضوع فيه حسابات قديمة ومستندات، وأنا حاولت أخليها تمضي على ورق من غير ما تفهم التفاصيل، لكنها رفضت.

ـ وإنت عايز منها إيه بالظبط؟

شريف رجع قعد جنبها، وقال بصوت واطي:

ـ عايزها تتنازل عن حقها في الفلوس، وعن نصيبها في شوية أملاك قديمة، وبعدها أطلقها وأخلص منها. لكن طول ما هي مش ماضية، أنا مش هقدر أتصرف براحتى.

نادين فضلت ساكتة شوية، وبعدها ابتسمت ابتسامة خلت قلبي يقشعر.

ـ يعني إنت متجوزني عشان بتحبني، وفي نفس الوقت سايب مراتك عشان فلوسها؟

شريف مسك إيدها بسرعة.

ـ لا يا حبيبتي، متفهمينيش غلط. أنا بحبك، وإنتِ عارفة إني مستعد أعمل أي حاجة عشانك. بس لازم أخلص المشاكل القديمة دي الأول.

نادين سحبت إيدها منه.

ـ أنا مش هستنى كتير يا شريف. أنا عايزة بيت باسمي، وعايزة الناس تعرف إني مراتك، وعايزة أعيش من غير ما أبص ورايا كل شوية.

شريف حاول يرضيها، لكن أنا مكنتش قادرة أستحمل أكتر من كده.

رجعت خطوتين لورا، وحطيت إيدي على بقي عشان أمنع نفسي من الصراخ.

كنت عايزة أدخل وأواجههم، أقول لشريف إني سمعت كل كلمة، وإنه مش بس خان عشرتي، ده كمان كان بيخطط ياخد حقي وحق عيالي.

لكن فجأة سمعت صوت موبايل نادين بيرن.

ردت وهي بتضحك:

ـ أيوه يا طنط، إحنا كويسين. لا متقلقيش، شريف معايا.

سكتت شوية، وبعدها قالت:

ـ أيوه، مريم لسه متعرفش حاجة. وإحنا هنخلص كل حاجة قريب.

حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.

طنط مين؟

ومين اللي عارف كل حاجة؟

نادين كملت المكالمة وقالت:

ـ متقلقيش، الورق هيكون معانا قبل آخر الشهر، وشريف وعدني.

قفلت التليفون، وبصت لشريف.

ـ مامتك بتقولك متنساش إنك وعدتها تخلص الموضوع قبل ما ترجع من البلد.

شريف رد بعصبية:

ـ أمي ملهاش دعوة باللي بيني وبين مريم. أنا هتصرف.

نادين ضحكت.

ـ أمك ليها دعوة بكل حاجة يا حبيبي، هي اللي عرفتني عليك من الأول، وهي اللي قالتلي إنك مش سعيد في جوازك، وهي اللي فهمتني إنك محتاج واحدة تقدر ظروفك.

وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد خيانة بين راجل ومراته.

حماتي نفسها كانت جزء من الحكاية.

الست اللي كانت بتبصلي في وشي وتقوللي إنها بتخاف على بيت ابنها، هي نفسها اللي كانت بتساعده يخبي عني حياته التانية.

طلعت موبايلي من شنطتي، وكنت هسجل الكلام، لكن إيدي كانت بتترعش، وفجأة الموبايل وقع مني على الأرض.

الصوت كان بسيط، لكنه كفاية يخلي شريف يسكت فجأة.

ـ سمعتي الصوت ده يا نادين؟

ـ أيوه، يمكن حاجة وقعت بره.

شريف قام واتجه ناحية الباب.

أنا اتجمدت.

لو فتح الباب وشافني، مش عارفة كنت هعمل إيه.

بصيت حواليّ بسرعة، ولقيت باب شقة الجيران مفتوح شوية، فدخلت ووقفت ورا الحيطة، وأنا بحاول أتنفس بهدوء.

شريف فتح الباب وبص في الطرقة.

ـ مين هنا؟

محدش رد.

خرج خطوة، وبص يمين وشمال، وبعدها رجع دخل وقفّل الباب.

سمعته بيقول لنادين:

ـ أنا مش مرتاح النهارده. حاسس إن فيه حاجة غلط.

نادين ضحكت.

ـ إنت بقيت خواف أوي. مين هيعرف مكاننا غيرنا؟

رد عليها:

ـ محدش المفروض يعرف إننا هنا، خصوصًا مريم.

وبعد شوية، سمعت صوت خطواتهم وهما رايحين ناحية الأوضة، وبعدها الباب اتقفل.

استنيت كام دقيقة، لحد ما اتأكدت إنهم مش هيخرجوا، وبعدها خرجت من عند الجيران بهدوء.

نزلت السلم وأنا مش حاسة برجلي، ولما وصلت الشارع، وقفت جنب عربيتي وفضلت أبص للعمارة اللي عشت فيها سنين من غير ما أعرف إن جوزي بيخبي عني حياة كاملة.

ركبت العربية وقفلت الأبواب، وبعدها انفجرت في العياط.

عيطت على نفسي، وعلى سنين عمري اللي ضاعت، وعلى كل مرة كنت بلوم نفسي فيها عشان هو مبقاش يحبني.

كنت فاكرة إن المشكلة في شكلي، في وزني، في شعري اللي مبقاش زي الأول، في التعب اللي ظهر على وشي بعد الولادة.

لكن الحقيقة إن المشكلة عمرها ما كانت فيا.

المشكلة كانت في راجل اختار يكذب، وفي عيلة قررت تستغل سكوتي، وفي ناس افتكرت إن طيبتي معناها إني مش هعرف أدافع عن نفسي.

فضلت قاعدة في العربية لحد ما الموبايل رن.

كانت أمي.

ـ يا مريم، إنتِ فين يا بنتي؟ الولاد بيسألوا عليكي، وإنتِ قولتي جاية على طول.

مسحت دموعي بسرعة، وحاولت أتكلم بصوت طبيعي.

ـ أنا جاية يا ماما، كنت بس بخلص مشوار صغير.

ـ مال صوتك يا حبيبتي؟ إنتِ بتعيطي؟

مكنتش قادرة أقولها.

أمي ست كبيرة، وتعبت كتير في حياتها، ومكنتش عايزة أحط فوق تعبها وجع جديد.

قلت لها:

ـ مفيش يا ماما، بس صداع شوية. خلي الولاد يتعشوا وأنا جاية.

قفلت المكالمة، وفتحت درج العربية، وطلعت منه منديل مسحت بيه وشي.

بعدها بصيت في المراية.

كانت عيني حمرا، ووشي شاحب، لكن وسط كل ده، كان فيه إحساس جديد بدأ يتكون جوايا.

إحساس إني مش هسمح لحد يضحك عليا تاني.

رجعت بيت أمي، ولقيت ابني الكبير قاعد على الكنبة، وبنتي جنبه بتذاكر، وأمي بتحضر العشا في المطبخ.

أول ما دخلت، بنتي جريت عليا وحضنتني.

ـ ماما، إنتِ هتباتي معانا النهارده؟

حضنتها بقوة، وفضلت أبوس راسها.

ـ أيوه يا حبيبتي، هبات معاكم يومين.

ابني بصلي وقال:

ـ طب وبابا؟ مش هيسأل علينا؟

السؤال ده وجعني أكتر من كل اللي سمعته.

ابتسمت بالعافية.

ـ بابا عنده شغل يا حبيبي، وإحنا هنقعد مع تيتة شوية.

أمي خرجت من المطبخ، وبمجرد ما بصت في وشي، عرفت إن فيه حاجة مش طبيعية.

استنت لما الولاد دخلوا أوضتهم، وبعدها قعدت جنبي.

ـ قوليلي يا مريم، فيه إيه؟

حاولت أتهرب.

ـ مفيش يا ماما، أنا بس تعبانة.

أمي مسكت إيدي.

ـ أنا اللي ربيتك يا بنتي. أعرف إمتى تكوني تعبانة من جسمك، وإمتى تكوني موجوعة من قلبك. إنتِ بقالك سنين بتضحكي قدامي وتخبّي، وأنا كنت بسكت عشان متضغطش عليكي. بس النهارده مش هسيبك غير لما أعرف.

ساعتها مقدرتش أتماسك.

حطيت راسي على كتفها وعيطت زي الطفلة.

حكيت لها كل حاجة، من رسالة سلفتي، لحد اللي شوفته بعيني في شقة حماتي، والكلام اللي سمعته عن الفلوس والأملاك والورق اللي عايزين يخلوني أمضي عليه.

أمي كانت ساكتة، لكن كل ما أحكيلها تفصيلة، وشها يتغير.

ولما خلصت، قالتلي:

ـ يا بنتي، أنا كنت حاسة إن فيه حاجة غلط. شريف من يوم ما اتغير معاكي وأنا مش مرتاحة له. بس مكنتش عايزة أظلم حد من غير دليل.

قلت لها وأنا بمسح دموعي:

ـ أنا مش عارفة أعمل إيه يا ماما. أواجهه؟ أروح أطلب الطلاق؟ أعمل إيه في عيالي؟

أمي شدت على إيدي.

ـ أول حاجة، متعمليش أي حاجة وإنتِ منهارة. تاني حاجة، متوقعيش على أي ورقة، مهما قالك ومهما ضغط عليكي. وتالت حاجة، لازم نعرف حقيقة الفلوس دي إيه، وحقك وحق ولادك فين. الطلاق ممكن يبقى قرار، لكن حقك لازم يبقى محفوظ.

الكلام ده خلاني أهدى شوية.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى