روايات وقصص

اماني السيد

تاني يوم الصبح، بعد ما الولاد خرجوا من الأوضة، طلبت من أمي تفضل معاهم، وخرجت أخلص مشاويري.

أول مكان روحتله كان مكتب محامية كانت واحدة صاحبتي رشحتهالي من فترة.

اسمها الأستاذة نهى، ست في أواخر الأربعينات، كلامها هادي، وعينيها فيها جدية تخليكي تحسي إنها مش هتسمح لحد يلف ويدور عليها.

دخلت مكتبها، وقعدت قدامها، وبدأت أحكيلها كل حاجة بالتفصيل.

سمعتني من غير ما تقاطعني، ولما خلصت، سألتني:

ـ معاكِ أي مستندات تخص البيت أو الفلوس اللي اتكلم عنها جوزك؟

هزيت راسي.

ـ معايا عقد شقة جوزي، وصور من شوية أوراق قديمة كانت عندي في درج المكتب. لكن معرفش إذا كانت مهمة ولا لأ.

طلعت الأوراق من الشنطة وحطيتها قدامها.

نهى بدأت تقرا واحدة واحدة، وكل شوية توقف عند صفحة وتراجع تاريخ أو توقيع.

بعد حوالي نص ساعة، رفعت راسها وبصتلي.

ـ مريم، إنتِ عارفة إن فيه مستند هنا ممكن يغير فهمك للموضوع كله؟

قلبي دق بسرعة.

ـ مستند إيه؟

لفت الورقة ناحيتي.

كانت ورقة قديمة، عليها توقيع والد شريف، وتوقيعي أنا، وتاريخ من سنين طويلة.

ـ دي إقرار استلام أمانة مالية. واضح من الورق إن فيه مبلغ اتسلم لحساب غرض محدد، لكن محتاجين نشوف المستندات المكملة ليه عشان نعرف طبيعة الحق بالضبط. والأهم إن توقيعك هنا مش تنازل عن حقك، زي ما جوزك ممكن يكون بيحاول يوهمك.

بصيت للورقة وأنا بحاول أفتكر.

افتكرت اليوم ده كويس.

كنت لسه متجوزة شريف من حوالي سنتين، ووالده كان مريض، وطلب مني أروح معاه البنك عشان أساعده في ترتيب شوية أوراق تخص العيلة.

قاللي وقتها إن دي إجراءات عادية، وإنه هيشرحلي كل حاجة بعدين.

لكن بعد وفاة والده، محدش رجع اتكلم في الموضوع.

سألت نهى:

ـ يعني الفلوس دي ممكن تكون من حقي؟

ردت بحذر:

ـ ممكن يكون ليكِ حق مرتبط بيها، وممكن تكوني مجرد أمينة على المبلغ وفقًا للمستندات. مش هقدر أأكد قبل ما نشوف الملف كامل. لكن اللي أقدر أقوله إن أي تنازل لازم يكون واضح، وإنتِ لازم تفهمي كل كلمة قبل ما تمضي.

سألتها:

ـ أعمل إيه دلوقتي؟

قالت:

ـ متواجهيش حد بالمعلومات دي لحد ما نجمع الورق. واحتفظي بكل رسالة وكل مستند. ولو حصل أي ضغط عليكي أو محاولة لإجبارك على التوقيع، وثقي اللي تقدري عليه بشكل قانوني وآمن.

خرجت من عندها وأنا حاسة إن أول مرة من سنين حد بيتكلم معايا على إني إنسانة ليها حقوق، مش مجرد زوجة لازم تستحمل.

لكن اللي مكنتش أعرفه، إن شريف كان بدأ يتحرك بالفعل.

في نفس اليوم، وأنا راجعة بيت أمي، لقيت مكالمات كتير منه.

مردتش.

بعدها وصلتني رسالة:

“إنتِ فين يا مريم؟ وإيه حكاية إنك أخدتي الولاد ومشيتي من غير ما تقوليلي؟”

بصيت للرسالة طويلًا، وكنت هرد عليه، لكن رسالة تانية وصلت بعدها بثواني:

“أنا مش بحب التصرفات دي. ارجعي البيت النهارده عشان نتكلم.”

ضحكت بسخرية وأنا بقرأ الكلام.

هو مش بيحب التصرفات دي!

يعني هو من حقه يعيش مع واحدة تانية، ويخبي عني، ويخطط ياخد حقوقي، وأنا مش من حقي حتى أبات عند أمي؟

قفلت الموبايل، وكملت طريقي.

بعد ساعة، وصلني اتصال من رقم غريب.

رديت بحذر.

ـ ألو؟

جالي صوت ست أعرفه كويس.

حماتي.

ـ إنتِ فين يا مريم؟

صوتها كان حاد، من غير سلام ولا سؤال عن صحتي.

قلت بهدوء:

ـ عند ماما يا طنط.

ـ وعند مامتك بتعملي إيه؟ هو إنتِ زعلانة من شريف؟

ـ أنا محتاجة أقعد مع نفسي شوية.

ضحكت ضحكة قصيرة.

ـ تقعدي مع نفسك؟ وإنتِ فاكرة نفسك بنت صغيرة؟ عندك بيت وجوز وعيال. ترجعي بيتك أحسن بدل ما الناس تتكلم.

سكت لحظة، وبعدها قلت:

ـ هو شريف قالك إني عند ماما؟

ردت بسرعة:

ـ أيوه، وهو قلقان عليكي. وإنتِ عارفة إنه عصبي، فبلاش تعانديه.

في اللحظة دي، فهمت إنها مش بتكلمني عشان تطمن عليا.

هي بتختبرني.

عايزة تعرف إذا كنت اكتشفت حاجة ولا لأ.

قلت لها:

ـ متقلقيش يا طنط، أنا هتصرف.

صوتها اتغير فجأة.

ـ مريم، إنتِ سمعتي حاجة أو حد قالك حاجة؟

قلبي دق، لكني حافظت على هدوئي.

ـ تقصدي إيه؟

ـ أقصد إن فيه كلام كتير بيتقال، وإنتِ متاخديش بكلام الناس. شريف راجل، والراجل ساعات بيبقى عنده ضغوط، والست العاقلة بتعرف تحتوي جوزها بدل ما تعمل مشاكل.

كنت عايزة أقولها إنها آخر واحدة في الدنيا تتكلم عن العقل، لكني سكت.

هي كملت:

ـ وبالمناسبة، شريف ممكن يحتاج منك توقيع على ورق يخص أملاك العيلة. لما يكلمك، متعطليش مصالحه.

هنا اتأكدت إن المكالمة كلها كانت عشان الورق.

قلت لها:

ـ حاضر، لما أشوف الورق هقراه الأول.

صمتت ثواني، وبعدين قالت بنبرة حادة:

ـ إنتِ هتقري إيه؟ دي أملاك عيلة جوزك، مش أملاكك إنتِ.

رديت لأول مرة من غير خوف:

ـ أي ورق عليه اسمي، من حقي أقراه وأفهمه قبل ما أمضي عليه.

قفلت المكالمة من غير ما ترد.

فضلت ماسكة الموبايل، وإيدي بترتعش، لكن المرة دي مش من الخوف.

كان فيه غضب.

غضب على كل مرة سكت فيها، وعلى كل مرة خلتني أصدق إني أقل من غيري، وعلى كل مرة اتعاملوا معايا كأني مش هفهم.

رجعت البيت، ولقيت أمي بتحضر الغدا.

دخلت المطبخ وقلت لها:

ـ ماما، حماتي عرفت إني مشيت، وبتسألني إذا كنت سمعت حاجة. وكمان عايزاني أمضي على ورق.

أمي حطت المعلقة على الرخامة وبصتلي.

ـ يبقى إنتِ لازم تبقي أهدى منهم كلهم. متخليش غضبك يخليكي تستعجلي. هما مستعجلين على حاجة، وإحنا لازم نعرف هي إيه.

في المساء، قررت أفتح صندوق قديم كنت محتفظة فيه بأوراق جوازي وشهادات ميلاد الولاد وأوراق تخص والد شريف.

كنت فاكرة إن كل حاجة موجودة فيه مجرد ذكريات.

لكن وأنا بقلب في الأوراق، لقيت ظرف بني صغير، مكتوب عليه بخط والد شريف:

“إلى مريم، لو جه يوم وحسيتي إنك لوحدك، افتحي الظرف ده.”

قلبي وقف لحظة.

أنا عمري ما شفت الظرف ده قبل كده.

فتحته بحذر، ولقيت جواه خطاب بخط إيده، وصورة ورقة رسمية، ومفتاح صغير مربوط بخيط.

قعدت على السرير وبدأت أقرأ الخطاب.

“بنتي مريم،

لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى غالبًا أنا مش موجود، ويمكن تكوني مريتي بظروف صعبة. أنا عارف إنك إنسانة طيبة، وعارف إنك بتحبي شريف وبتحاولي تحافظي على بيته، لكن الطيبة لوحدها مش كفاية في الدنيا دي.

أنا سبت عندك أمانة، ومش عايزك تخافي منها ولا تسمحي لأي حد يضغط عليكي عشان تتنازلي عنها.

الأمانة دي مرتبطة بحقوق ناس كتير، ومش من حق أي فرد في العيلة يتصرف فيها لوحده.

المفتاح اللي مع الخطاب ده هيوصلك لمكان فيه أوراق مهمة، لكن متفتحيش المكان ده إلا لما تكوني مستعدة تعرفي الحقيقة كاملة.

ولو شريف طلب منك تمضي على أي ورق يخص الأمانة، متعمليش ده قبل ما تستشيري حد تثقي فيه.

أنا آسف إني حطيتك في الموقف ده، لكني اخترتك لأنك الوحيدة اللي شفت فيها الأمانة وقت ما كل اللي حواليا كانوا بيفكروا في المكسب.

ربنا يحفظك ويحفظ أولادك.

الحاج عبدالعزيز.”

خلصت قراءة الخطاب، ودموعي نزلت على الورقة.

والد شريف كان طول عمره طيب معايا، وكان بيعتبرني بنته، لكني مكنتش أعرف إنه شايل هم حاجة بالشكل ده.

بصيت للمفتاح الصغير.

مكان إيه اللي بيفتحه؟

قلبت الورقة الرسمية اللي كانت في الظرف، ولقيت عنوان مكتوب بخط اليد في آخر الصفحة.

عنوان مخزن قديم في وسط البلد.

وفي نفس اللحظة، موبايل أمي رن.

ردت، وبعد ثواني نادت عليا بصوت متوتر:

ـ مريم، تعالي شوفي مين على التليفون.

خدت الموبايل منها.

كان شريف.

ـ مريم، إنتِ لازم ترجعي البيت بكرة.

قلت بهدوء:

ـ ليه؟

ـ عشان فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه، وعايزك تمضي على شوية ورق ونخلص.

بصيت للمفتاح اللي في إيدي، وقلت:

ـ مش همضي على أي حاجة قبل ما أقراها.

سكت لحظة، وبعدها صوته اتغير.

ـ إنتِ مين اللي بيكلمك يا مريم؟ مين اللي فهمك الكلام ده؟

ـ محدش. أنا بس بقيت بقرا قبل ما أمضي.

سمعته بياخد نفس طويل، وبعدها قال:

ـ أنا جاي أخدك بنفسي.

قلت له:

ـ أنا مش راجعة دلوقتي يا شريف.

ـ إنتِ بتتحديني؟

ـ لأ، أنا بحط حدود.

قبل ما يرد، قفلت المكالمة.

أمي كانت واقفة جنبي، وبصتلي بفخر ممزوج بالخوف.

ـ ربنا يقويكي يا بنتي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى