روايات وقصص

اول يوم جواز

أول يوم بعد الفرح، جوزي اداني بالقلم قدام أهله كلهم عشان ماعجبهمش الفطار… ماعيطتش، وما اعتذرتش، ولا حتى دافعت عن نفسي. بصيتله نظرة واحدة بس… ومشيت. وماحدش فيهم كان يعرف إن اليوم ده هيكون بداية نهاية عيلتهم كلها.

 

حصلت القصة تاني يوم جوازنا.

كنا قاعدين على سفرة فخمة في فيلا عيلته في التجمع الخامس. فيلا كبيرة، بوابتها عالية، والجنينة قدامها متصممة بعناية، وكل حاجة فيها بتقول إن أصحاب البيت ناس متعودين إن محدش يرفض لهم طلب، وإن كلمتهم لازم تتسمع من غير نقاش.

حماتي، ناهد هانم، كانت قاعدة على رأس الترابيزة، لابسة روب حرير، وحواليها كل مظاهر الرفاهية. أخته ريهام قاعدة جنبها، بتقلب في موبايلها، وأبوه فؤاد بيه كان بيقلب في الجرنال وكأنه ملك متوج.

أما أنا، فكنت واقفة من الساعة ستة الصبح في المطبخ.

ما نمتش غير أقل من تلات ساعات بعد ليلة الفرح الطويلة، ومع ذلك نزلت أساعد في تجهيز الفطار، رغم إن عندهم طباخة وست مسؤولة عن البيت.

كنت فاكرة إن دي بداية حياة جديدة، وإن محاولتي إني أكون لطيفة معاهم هتخلّي الأيام بينا أحسن.

لكن أول ما حماتي داقت الأومليت، حطت الشوكة وقالت ببرود:

“مالح زيادة.”

ريهام رفعت عينيها من الموبايل وضحكت.

“واضح إنها أشطر في الشغل من المطبخ.”

ضحكوا كلهم.

حتى أبو جوزي ابتسم من غير ما يرفع عينه عن الجرنال.

أنا سكت.

مش عشان كنت ضعيفة، لكن عشان كنت لسه بحاول أفهم طبيعة الناس اللي بقيت واحدة منهم من ليلة واحدة بس.

حماتي زقت الطبق بعيد عنها وقالت:

“يا بنتي، إنتِ كنتِ بتعملي إيه في بيت أبوكي؟ مش معقول عروسة داخلة بيت ناس بالمستوى ده ومش عارفة تعمل فطار محترم.”

رفعت عيني ليها وقلت بهدوء:

“أنا عملت الفطار على قد ما قدرت، ولو مش عاجب حضرتك ممكن نطلب فطار من بره.”

وشها اتغير.

“نطلب من بره؟ وإنتِ موجودة ليه بقى؟”

قبل ما أرد، أبو جوزي قفل الجرنال وقال بنبرة آمرة:

“مرات ابننا لازم تتعلم تتقبل النقد. البيت ده ليه نظام، واللي يدخل عيلتنا لازم يعرف حدوده.”

بصيتله باستغراب.

“النقد حاجة والإهانة حاجة تانية يا فندم.”

ريهام شهقت بطريقة مصطنعة.

“يا نهار أبيض! دي بترد كمان!”

حماتي حطت إيدها على صدرها وقالت:

“شوفت يا فؤاد؟ أهي دي نتيجة إننا وافقنا على جوازة من غير ما ندوّر كويس.”

الجملة الأخيرة وجعتني أكتر مما توقعت، لكني تماسكت.

أنا اسمي مريم، بنت راجل بسيط اسمه محمود، كان موظف حسابات طول عمره، وأمي مدرسة متقاعدة. عمري ما اتعودت أرفع صوتي على حد، ولا عمري دخلت بيت وأنا فاكرة نفسي أحسن من أصحابه.

لكن في نفس الوقت، ما اتربيتش عشان أسمح لحد يدوس على كرامتي.

بصيت لحماتي وقلت:

“أنا احترمت حضرتك من أول يوم، ونفسي الاحترام ده يكون متبادل.”

السفرة كلها سكتت.

جوزي، كريم فؤاد الشناوي، اللي كان قاعد جنبي، حط الكوباية بعنف على الترابيزة وقام فجأة.

وشه احمر، وعينيه ضاقت وهو بيبصلي.

“إنتِ بتكلمي أمي كده؟”

بصيتله وقلت:

“أنا بكلم الناس بالطريقة اللي بيكلموني بيها.”

وفي ثانية واحدة، إيده نزلت على وشي.

القلم كان قوي لدرجة إن صوت الصدمة ملّى المكان.

رأسي اتحرك ناحية الشباك، وخدي ولع من الألم، لكن اللي وجعني أكتر كان السكون اللي حصل بعد الضربة.

ولا واحد فيهم اتحرك.

ولا حد قال له إنت عملت إيه.

حماتي بصتلي بانتصار، وريهام غطت بقها بإيدها وهي بتحاول تخبي ابتسامتها.

أما كريم، ففضل واقف قدامي مستني يشوف رد فعلي.

كان متوقع دموع، أو خوف، أو إني أعتذر وأترجاه ما يزعلش.

لكن أنا رفعت رأسي ببطء، وبصيتله في عيني.

لأول مرة من ساعة ما عرفته، ما شفتش الراجل اللي حبيته واتجوزته.

شفت شخص غريب، إيده اتمدت عليا في تاني يوم من جوازنا، لمجرد إني رفضت الإهانة.

قلعت دبلة الجواز من صباعي بهدوء، وحطيتها جنب طبق الفطار.

كريم ضحك ضحكة قصيرة وقال:

“إنتِ بتعملي إيه؟”

ما رديتش.

شلت شنطتي اللي كانت محطوطة على الكرسي، وعدلت هدومي، وبصيت لكل واحد فيهم.

قلت بصوت هادي، لكنه كان واضح لدرجة إن كل كلمة وصلت لودنهم:

“أنا مش همشي من هنا كزوجة… أنا همشي كشخص معاه حاجة واحدة قادرة تدمركم كلكم.”

ولأول مرة، شوفت الخوف الحقيقي في عيون حمايا.

فؤاد الشناوي حط إيده على الترابيزة، وقام من مكانه بسرعة.

“استني عندك يا مريم.”

وقفت عند باب السفرة، من غير ما ألف وشي.

قال بصوت حاول يخليه ثابت:

“إنتِ تقصدي إيه بالكلام ده؟”

لفيت وبصيتله.

“حضرتك فاهم كويس أنا أقصد إيه.”

كريم قرب مني، ومد إيده يمسك دراعي.

“إنتِ مش هتخرجي من البيت ده بالشكل ده.”

بصيت لإيده، فسابني لما شاف نظرتي.

قلتله:

“إوعى تلمسني تاني.”

ريهام قامت وهي بتضحك بتوتر.

“يا جماعة، هي بتعمل فيلم! هو إيه اللي هيكون معاها يعني؟ شوية ورق من شغل أبوها؟”

أنا بصيتلها وابتسمت ابتسامة صغيرة.

“خليكي فاكرة الجملة دي كويس يا ريهام.”

وبعدين خرجت.

ما جريتش، وما انهرتش، وما استنيتش حد يلحقني.

عديت من الصالة الواسعة، ومررت إيدي على سور السلم الرخامي، ونزلت لحد باب الفيلا.

البواب فتحلي الباب وهو مستغرب، وأنا خرجت للشارع.

أول ما الباب اتقفل ورايا، وقفت لحظة.

نفسي كان سريع، وإيدي بتترعش، وخدي لسه بيوجعني.

كنت بحاول أستوعب إن الراجل اللي كنت فاكرة إني هكمل معاه عمري كله، ضربني قدام أهله، وإن أهله شافوا ده عادي.

لكن وسط الصدمة كلها، كان فيه إحساس واحد واضح جوايا.

الراحة.

راحة إني اكتشفت الحقيقة بدري، قبل ما أخلف منه طفل، وقبل ما أضيع سنين من عمري وأنا بحاول أصلح إنسان مش شايف إن فيه حاجة غلط في تصرفاته.

طلعت موبايلي واتصلت بأبويا.

رد من أول رنة.

“أيوه يا قلب أبوكي، صحيتي؟ عاملة إيه مع عيلة جوزك؟”

أول ما سمعت صوته، حسيت إن دموعي هتنزل، لكني منعتها.

قلتله:

“بابا، أنا جاية لك.”

سكت لحظة، وبعدين سألني:

“مالك يا مريم؟ صوتك مش طبيعي.”

بصيت على الفيلا من بعيد وقلت:

“كريم ضربني.”

ما سمعتش منه غير نفس طويل، وبعده سألني سؤال واحد:

“إنتِ فين دلوقتي؟”

قلتله المكان.

قال فورًا:

“خليكي مكانك. أنا جاي لك.”

وقفل.

ما سألنيش عملتي إيه، ولا قال لي استحملي، ولا حاول يقنعني أرجع أصلح الأمور.

وده كان كفاية يخليني أحس إني لسه عندي بيت أقدر أرجعله.

بعد أقل من نص ساعة، عربية أبويا وقفت قدامي.

نزل بسرعة، وأول ما شاف وشي، ملامحه اتغيرت.

قرب مني، ورفع إيده ناحية خدي، لكنه وقف قبل ما يلمسه، كأنه خايف يوجعني.

“هو اللي عمل فيكي كده؟”

هزيت رأسي.

بص ناحية الفيلا، وكان واضح إنه بيحاول يسيطر على غضبه.

قلتله:

“بابا، أنا مش هرجع هناك.”

بصلي طويلًا، وبعدين فتحلي باب العربية.

“إنتِ مش محتاجة تبرريلي أي حاجة. اركبي يا بنتي.”

ركبت جنبه، وطول الطريق ما ضغطش عليا بكلمة واحدة.

لكن قبل ما نوصل البيت، موبايلي رن.

كريم.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى