روايات وقصص

اول يوم جواز

رفضت المكالمة.

رن تاني.

رفضتها برضه.

وبعدها وصلتني رسالة منه:

“إنتِ فاهمة غلط. اللي حصل كان لحظة عصبية، ومش هسمحلك تفضحيني قدام الناس.”

قرأت الرسالة مرتين.

ما سألش إذا كنت اتوجعت.

ما اعتذرش.

كل اللي شاغله إني ما أفضحوش.

قفلت الموبايل وحطيته في شنطتي.

أبويا لمحني من طرف عينه.

“بيكلمك؟”

قلتله:

“آه.”

سألني:

“قال إيه؟”

رديت:

“ولا حاجة تستاهل الرد.”

وصلنا البيت، وأمي فتحت الباب أول ما سمعت صوت العربية.

كانت مستنيانا من وقت ما أبويا اتصل بيها.

أول ما شافتني، حضنتني من غير ما تسأل، وأنا المرة دي ما قدرتش أمنع دموعي.

عيطت في حضنها، مش على الدبلة اللي سيبتها، ولا على الفرح اللي خلص قبل ما حياتي تبدأ.

عيطت على نفسي، وعلى الثقة اللي اديتها لراجل ما استحقهاش، وعلى كل مرة قلت فيها لنفسي إن كريم عصبي شوية، لكنه طيب من جواه.

أمي فضلت تمسح على شعري وتقول:

“الحمد لله إنك جيتي يا بنتي. الحمد لله إنك جيتي.”

بعد شوية، دخلت أوضتي وقفلت الباب.

فتحت الدولاب، وبصيت على فستان الفرح المعلق جوه جراب أبيض.

فضلت واقفة قدامه فترة طويلة.

وبعدين شيلته، وحطيته في الكيس بتاعه، وقفلت الدولاب.

ما كنتش عايزة أمزقه، ولا أحرقه، ولا أعمل أي تصرف درامي.

كنت عايزة أفتكر اليوم ده زي ما هو، عشان ما أسمحش لنفسي في يوم من الأيام أحنّ لصورة مزيفة من حياتي مع كريم.

بعدها فتحت اللابتوب.

كان فيه ملف مشفر باسمي، موجود على جهازي من شهور، وكنت وعدت نفسي إني مش هفتحه إلا لو حصل شيء يستدعيه.

أنا ما كنتش بنت رجل أعمال غني، لكن أبويا طول عمره كان بيشتغل في الحسابات، وكان عنده مبدأ واحد ما بيتنازلش عنه: أي رقم لازم يكون وراه مستند، وأي اتفاق لازم يكون له دليل.

من سنتين، اتعرض على أبويا شغل مؤقت مع مكتب محاسبة بيتعامل مع شركات كبيرة، ومن ضمنها مجموعة الشناوي للاستثمار.

وقتها، أنا كنت متخرجة من كلية التجارة، وبشتغل في مراجعة الحسابات، وكنت بساعد أبويا أحيانًا في تنظيم الملفات الإلكترونية.

خلال شغلنا على مستندات تخص مشروع تجاري مشترك، ظهر قدامنا اختلاف غريب في أرقام بعض الفواتير.

في البداية، افتكرنا إنه خطأ إداري.

لكن كل ما راجعنا ورقة، لقينا ورقة تانية بتفتح سؤال أكبر.

مبالغ اتسجلت تحت بنود مختلفة، وشركات بتظهر في المستندات بأسماء متقاربة، وتحويلات محتاجة تفسير، وتوقيعات إلكترونية مرتبطة بموافقات إدارية ما كانش واضح مين أصدرها فعلًا.

أبويا رفض يوجه أي اتهام من غير دليل.

وأنا كمان ما كانش عندي استعداد أظلم حد لمجرد إن الأرقام مش مفهومة.

عشان كده، احتفظنا بنسخ من المستندات اللي كان مسموح لنا نحتفظ بيها، وسجلنا ملاحظاتنا، وبعتنا استفسارات رسمية للجهة المسؤولة عن المراجعة.

بعدها بفترة، انتهى تكليف أبويا، واختفت بعض المستندات من النظام اللي كنا بنراجع عليه.

ما قدرناش نجزم وقتها إن فيه جريمة، لكننا عرفنا إن الموضوع أكبر من مجرد خطأ في الحسابات.

وأنا كنت فاكرة إن الحكاية انتهت عند كده.

لحد ما اتعرفت على كريم.

في أول مقابلة بينا، قال لي إنه مدير تطوير أعمال في مجموعة الشناوي، وإنه بيحب الست اللي عندها شخصية مستقلة.

كان بيسألني عن شغلي، وعن دراستي، وعن طريقة تفكيري، وكان كلامه يوحي إنه مقدرني فعلًا.

بعد كام شهر، اتقدملي رسمي.

أبويا ما كانش مرتاح بالكامل، لكنه ما حكمش عليه من غير ما يعرفه.

قعد معاه أكتر من مرة، وسأله عن شغله وخططه للمستقبل، وكريم كان بيعرف يتكلم بثقة، وبيقدم إجابات محسوبة، لدرجة إن أي حد ممكن يفتكر إنه شخص واضح وصريح.

أنا كمان صدقته.

ولما طلب مني بعد الخطوبة إني أساعده في مراجعة بعض الأرقام المتعلقة بمشروع جديد، رفضت في البداية.

قلتله:

“أنا مش هشتغل على مستندات تخص شركتكم وأنا مرتبطة بيك. ده ممكن يعمل تعارض مصالح.”

ضحك وقال:

“أنا بحب إنك بتفكري كده. أنا أصلًا عايز أتجوز واحدة فاهمة، مش واحدة توافق على أي حاجة وخلاص.”

وقتها، ما شكيتش فيه.

لكن بعد الجواز، بدأت تظهر حاجات صغيرة.

كان أحيانًا يسألني أسئلة غريبة عن شغل أبويا القديم.

كان عايز يعرف إذا كنت لسه محتفظة بنسخ من الملفات، وإذا كانت فيه ملاحظات مكتوبة عن الحسابات القديمة، وإذا كنت أقدر أرجع لأي مستند بعد انتهاء التكليف.

كنت بجاوبه بصراحة إن المستندات الرسمية موجودة عند الجهات المسؤولة، وإن أي حاجة احتفظنا بيها كانت ضمن الحدود المسموح بيها.

كان يبتسم، ويغير الموضوع.

مرة، قبل الفرح بأسبوع، لقاني بنقل ملفاتي على هارد خارجي.

وقف ورايا وسألني:

“إيه الملفات دي؟”

قلتله:

“شغل قديم.”

قال:

“لسه محتفظة بكل ده؟”

رديت:

“الملفات المهنية مش برميها.”

ضحك، لكنه فضل واقف ورايا شوية أطول من اللازم.

النهارده، وأنا قاعدة في أوضتي عند أهلي، افتكرت كل التفاصيل دي.

فتحت الملف المشفر.

كان فيه جدول زمني بالمستندات اللي راجعناها، والمراسلات الرسمية، وأرقام المراجع، ونسخ من الملفات اللي حصلنا عليها بصورة مشروعة.

لكن كان فيه شيء آخر.

رسالة قديمة من بريد إلكتروني رسمي تابع لمكتب المراجعة، وصلت قبل انتهاء تكليف أبويا بأيام، وكانت بتطلب منه عدم إغلاق ملاحظاته المتعلقة ببعض التحويلات، لأن المراجعة الداخلية لسه ما خلصتش.

أبويا كان محتفظ بالرسالة، وأنا كنت حطيتها ضمن الملف.

فتحت الرسالة، وقرأت اسم الشخص اللي كان طالب استكمال المراجعة.

اسمه كان فؤاد الشناوي.

والرسالة كانت بتوضح إنه بنفسه طلب متابعة المستندات، رغم إن الشركة بعد كده أنهت التعامل مع مكتب المراجعة.

فضلت باصة للشاشة.

ما كانش عندي دليل إن فؤاد متورط في أي مخالفة، لكن الرسالة كانت بتثبت إنه كان عارف بوجود ملاحظات مهمة في الحسابات من سنتين.

وده معناه إن تهديدي على السفرة ما كانش مجرد كلام.

أنا فعلًا كنت معايا مستندات ممكن تخلّي أسئلة قديمة ترجع للواجهة.

لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن فيه حد تاني في العيلة كان خايف من الملفات دي أكتر من فؤاد نفسه.

بعد المغرب، أبويا دخل أوضتي.

كان شايل كوباية شاي، وحطها على المكتب.

“مريم، عايز أسألك سؤال.”

قفلت اللابتوب وبصيتله.

“اتفضل.”

قعد على الكرسي المقابل ليا وقال:

“إنتِ لما خرجتي من البيت، قلتي لفؤاد إن معاكي حاجة تقدر تدمرهم. كنتِ تقصدي الملفات القديمة؟”

هزيت رأسي.

“آه، بس أنا ما اتهمتش حد. كل اللي معايا مستندات، واللي يراجعها هو اللي يحدد إذا كان فيه مخالفة ولا لأ.”

أبويا هز رأسه ببطء.

“كويس. خليكي على المبدأ ده. ما نستخدمش الورق للانتقام، وما نخبيش ورق لو فيه حق لازم يظهر.”

قلتله:

“أنا مش عايزة أأذي حد يا بابا. أنا عايزة أخلص من كريم، وبس.”

بصلي بحزن.

“وأنا هقف جنبك. لكن لازم تبقي عارفة إن عيلة بالحجم ده، لما تحس إن فيه حاجة ممكن تهدد سمعتها، مش دايمًا هتسيب الأمور تمشي بهدوء.”

قبل ما أرد، سمعنا صوت جرس الباب.

أمي راحت تفتح.

وبعد ثواني، سمعنا صوتها من الصالة:

“أهلاً يا أستاذ فؤاد.”

أنا وأبويا بصينا لبعض.

فؤاد الشناوي بنفسه كان واقف بره.

دخل الصالة ببدلته الغالية، وملامحه متماسكة، لكنه كان واضح عليه إنه ما جاش زيارة عادية.

أبويا قام واستقبله، وأنا خرجت من أوضتي ووقفت عند باب الصالة.

فؤاد بصلي، وبعدين بص لأبويا.

“أنا جاي أعتذر عن اللي حصل النهارده.”

ما رديتش.

كمل:

“اللي حصل على السفرة كان تصرف مرفوض، وكريم غلط. وأنا مش هبررله.”

أبويا رد بهدوء:

“الاعتذار ما يمسحش اللي حصل، يا فؤاد بيه.”

فؤاد أومأ برأسه.

“عارف. وعشان كده أنا جاي أتكلم مع مريم، وأسمع هي عايزة إيه.”

قلتله:

“أنا عايزة الطلاق.”

اتجمدت ملامحه للحظة، لكنه رجع لتماسكه بسرعة.

“إنتِ لسه متعصبة. الجواز ما يتاخدش قرار فيه بعد موقف واحد.”

رديت من غير تردد:

“الموقف الواحد كفاية لما يكون فيه إيد اتمدت عليا، وبعدها صاحبها ما اعتذرش، لكنه هددني إني ما أفضحوش.”

فؤاد بصلي باستغراب حقيقي.

“كريم قالك كده؟”

طلعت موبايلي، وفتحت الرسالة، وحطيته قدامه.

قرأها في صمت.

ولأول مرة، حسيت إن الراجل اللي دخل بيتنا واثق من نفسه، بدأ يفقد السيطرة على الحوار.

رفع عينه وقال:

“أنا هتكلم معاه.”

قلتله:

“ده بينك وبينه. إنما قراري أنا واضح.”

سكت شوية، وبعدين قال:

“طيب، والملفات اللي اتكلمتي عنها في البيت؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى