
أبويا اتحرك في كرسيه، وأنا بصيت لفؤاد مباشرة.
“ملفات شغل قديم. موجودة عندي في حدود اللي القانون يسمح بيه. ولو فيه جهة مختصة طلبتها رسميًا، هنتعامل معاها بالطريقة الصحيحة.”
فؤاد حط إيده على ركبته، وبصلي نظرة طويلة.
“إنتِ فاهمة إن الكلام ده ممكن يعمل مشاكل كبيرة؟”
قلتله:
“أنا ما عملتش حاجة غلط عشان أخاف من المراجعة.”
قام من مكانه.
قبل ما يمشي، بصلي وقال:
“كريم مش هيسيب الموضوع بسهولة.”
رديت:
“وأنا مش هرجعله لمجرد إنه مش راضي يسيبني.”
خرج فؤاد، لكن قبل ما العربية تتحرك، شفت من الشباك إنه وقف واتصل بحد، وكان بيتكلم بعصبية واضحة.
في الليلة دي، ما نمتش كويس.
كل شوية كنت أبص على الموبايل، وأفكر في اللي ممكن يحصل بعد كده.
لكن الساعة اتنين بعد نص الليل، وصلني اتصال من رقم مجهول.
ترددت، وبعدها رديت.
سمعت صوت ست بتتكلم بسرعة وبتهمس:
“أستاذة مريم؟”
قلت:
“أيوه، مين معايا؟”
قالت:
“أنا ندى، كنت بشتغل في الإدارة المالية بمجموعة الشناوي.”
قعدت على السرير باستغراب.
“خير يا ندى؟”
قالت:
“أنا عرفت إنك سيبتي البيت، وإنك اتكلمتي عن الملفات القديمة. لازم تعرفي إن فيه حد بيدور عليها من أسبوعين.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“مين اللي بيدور عليها؟”
سكتت ثواني، وبعدين قالت:
“مش هقدر أقولك في التليفون. بس فيه مستند ناقص من الأرشيف، والمستند ده مش موجود عندك.”
قلت:
“إنتِ تقصدي إيه؟”
ردت بصوت أوطى:
“المستند الأصلي اللي عليه التوقيع. النسخة اللي عندك مش كفاية لوحدها.”
قبل ما أسألها أي سؤال تاني، قالت:
“خلي بالك من نفسك. ومتثقيش في أي حد من العيلة، حتى لو قالك إنه عايز يساعدك.”
وبعدين قفلت.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش فاهمة حاجة.
مين ندى؟ وليه اتصلت بيا دلوقتي؟ وإيه المستند اللي بتتكلم عنه؟
تاني يوم الصبح، أبويا اتصل بمحامي يعرفه من سنين، اسمه الأستاذ سامح، وشرح له الموقف كله.
سامح طلب يشوف أي مستندات تخص الجواز، والرسائل اللي وصلتني من كريم، والملفات المهنية القديمة، لكنه شدد إننا ما نبعثش أي بيانات سرية لأي شخص، وما نتواصلش مع موظفين الشركة بخصوص الموضوع من غير استشارة قانونية.
قال لنا:
“إحنا عندنا مسارين منفصلين. الأول حماية مريم وحقوقها في مسألة الجواز، والتاني التعامل مع أي ملاحظات مالية بالطريقة القانونية. ممنوع نخلط الاتنين ببعض.”
كنت مرتاحة لكلامه، لأنه كان واضح ومش بيحاول يوعدنا بانتصار سريع.
بدأنا إجراءات الطلاق، واحتفظنا برسائل كريم، وسجلنا تاريخ الواقعة، وأي تواصل يحصل بعد كده.
أما ملف الحسابات، فسيبناه في عهدة المحامي، عشان يتراجع بشكل مستقل، من غير تهديد ولا نشر ولا استخدامه كورقة ضغط.
كنت فاكرة إن ده هيهدّي الأمور.
لكن اللي حصل بعد كده كان العكس تمامًا.
في نفس اليوم، كريم نشر صورة لينا من الفرح على حسابه، وكتب تحتها:
“فيه ناس بتدخل حياتك بنوايا مش واضحة، ولما تكتشف إنك كنت مخدوع، بتعرف إن الثقة مش لأي حد.”
ما ذكرش اسمي، لكنه كان قاصدني.
وبعدها بساعات، ريهام نشرت كلامًا عن الناس اللي بتبيع العشرة، وبتستخدم أسرار البيوت عشان تحقق مصالحها.
بدأت بعض المعارف تتصل بأمي وتسألها إذا كان فيه خلاف بيني وبين كريم.
ما رديتش على أي منشور، وما دخلتش في حرب على السوشيال ميديا.
لكن في اليوم التالت، وصلني استدعاء من المحامي بتاع عيلة الشناوي، بيطلب مني تسليم أي مستندات تخص الشركة، بحجة إنها معلومات سرية.
سامح رد عليهم رسميًا، ووضح إن أي مستندات تخص الشركة هتتعامل بالطريقة القانونية، وإن موكلته مش هتسلم أي ملفات أو تتصرف فيها من غير سند واضح.
بعدها بساعتين، كريم اتصل بيا.
المرة دي رديت، عشان كان لازم أحط حدود واضحة.
قال بصوت بارد:
“إنتِ وصلتي الموضوع لفين؟”
قلت:
“أنا ما وصلتش أي حاجة لمكان. أنا بدأت إجراءات الطلاق، وكل حاجة تانية هتتم بالقانون.”
ضحك باستهزاء.
“إنتِ فاكرة إنك تقدري تواجهي عيلة الشناوي؟”
قلت:
“أنا مش بواجه عيلة. أنا بواجه تصرفات حصلت، وبحمي نفسي.”
صوته ارتفع.
“إنتِ عارفة كويس إن الملفات دي ممكن تضر ناس ملهاش ذنب.”
قلت:
“لو الملفات سليمة، المراجعة هتثبت ده. ولو فيها مخالفات، فالجهة المختصة هي اللي هتحدد المسؤولية.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“أنا كنت فاكر إنك مختلفة.”
رديت:
“وأنا كمان كنت فاكرة إنك مختلف.”
وقبل ما يقفل، قال جملة خلتني أعرف إن الموضوع لسه ما انتهيش.
“إنتِ مش عارفة أبويا مخبي إيه.”
وبعدين قفل.
فضلت أفكر في الجملة دي طول اليوم.
هل فؤاد كان بيحاول يحمي حد؟ هل فيه حد تاني في الشركة مسؤول عن المستندات؟ وهل كريم نفسه يعرف حاجة عن اللي حصل من سنتين؟
بعد يومين، ندى اتصلت بيا تاني.
المرة دي كانت أهدى، لكنها طلبت تقابلني في مكان عام، بحضور المحامي.
سامح وافق بعد ما عرف تفاصيل الاتصال، وحددنا موعد في مكتب المحاماة.
وصلت ندى في معادها، وكانت ست في أواخر التلاتينات، ملامحها مرهقة، وبتبص حواليها كل شوية كأنها خايفة حد يكون بيتابعها.
قعدت قدامي، وحطت شنطتها على رجلها.
قالت:
“أنا مش جاية أتهم حد، ومش عايزة أدخل في مشاكل. أنا بس مش قادرة أسكت أكتر من كده.”
سامح قالها:
“اتكلمي باللي تعرفيه بنفسك، وأي حاجة مش متأكدة منها قولي إنك مش متأكدة.”
ندى أومأت.
وبدأت تحكي.
قالت إنها كانت مسؤولة عن جزء من مراجعة المستندات المالية في الشركة، وإنها لاحظت قبل سنتين اختلافات في أرقام التحويلات بين تقارير داخلية وتقارير اتبعتت للمراجعة الخارجية.
لما سألت مديرها، قال لها إن فيه تعديلات لسه ما اتقفلتش، وإنها ما تتدخلش في الموضوع.
بعد فترة، لقت إن بعض الملفات اللي كانت بتراجعها اختفت من النظام، واتطلب منها تعتمد تقريرًا نهائيًا من غير ما ترفق كل الملاحظات اللي سجلتها.
رفضت في البداية، لكن مديرها ضغط عليها، وقال لها إن الإدارة العليا موافقة.
ندى ما كانتش تعرف مين المسؤول الحقيقي عن التعديلات، لكنها احتفظت بمراسلات تخص التعليمات اللي وصلتلها.
وبعدها بشهور، سابت الشركة.
قلت لها:
“طيب، إيه علاقة كريم بالموضوع؟”
ندى اترددت.
“كريم وقتها ما كانش في نفس الإدارة. لكنه بقى بعد كده مسؤول عن تطوير بعض المشروعات، وسمعت اسمه في نقاش عن ملف قديم.”
سامح قاطعها:
“سمعتي إيه تحديدًا؟”
قالت:
“سمعت مدير الإدارة بيقول إن الملف الأصلي لازم يفضل بعيد عن أي مراجعة جديدة، وإن فؤاد بيه عارف إن فيه مشكلة. لكن أنا ما شفتش بنفسي مين أخفى الملف.”
سألها سامح:
“والمستند اللي بتقولي إنه ناقص؟”
ندى فتحت شنطتها، وطلعت ورقة مطبوعة عليها قائمة بأسماء الملفات وأرقامها المرجعية.
“ده سجل أرشيف قديم. المستند الأصلي كان موجود في الأرشيف وقت ما كنت شغالة، وبعدها اتنقل لمكان تاني بأمر إداري. أنا ما عنديش المستند نفسه، لكن عندي رقم الحركة وتاريخ النقل.”
سامح أخذ الورقة وراجعها.
ما أعلنش أي استنتاج، لكنه طلب منها تحتفظ بكل النسخ الأصلية من المراسلات، وما تبعتش أي مستندات إضافية قبل ما يراجع الإجراءات القانونية المناسبة.
لما خرجت ندى، فضلت قاعدة في المكتب وأنا بحاول أرتب كل اللي سمعته.
سامح قفل الملف وقال:
“مريم، إحنا لسه ما عندناش أساس نقول إن فؤاد ارتكب جريمة أو إن كريم متورط في أي حاجة. عندنا معلومات محتاجة تحقق، وشهادات لازم تتراجع. أهم حاجة إنك ما تخليش غضبك من اللي حصل في الجواز يخليكي تستنتجي حاجة قبل الدليل.”
قلتله:
“أنا فاهمة. أنا مش عايزة أتهم حد ظلم.”
رد:
“وده اللي هيحمينا كلنا.”
لكن في نفس الليلة، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
كنت قاعدة مع أمي في الصالة، لما جرس الباب رن.
أبويا فتح، ورجع بعد دقيقة وهو ماسك ظرف بني.
“ده اتساب عند البواب.”
أخذت الظرف منه.
ما كانش عليه اسم المرسل، لكن كان مكتوب على الوش بخط واضح:
“إلى مريم محمود، بخصوص مستندات الشناوي.”
فتحته بحذر.
جواه صورة لمستند قديم، باين عليه توقيع، وختم شركة، وتاريخ يرجع لسنتين.
وتحت الصورة، ورقة صغيرة مكتوب فيها:
“لو عايزة تعرفي مين أخفى الأصل، اسألي جوزك عن ليلة توقيع عقد المشروع الجديد.”
قلبي دق بعنف.
ليلة توقيع عقد المشروع الجديد.
افتكرت إن كريم كان حكى لي قبل الفرح عن الليلة دي، وقال إنه كان موجود مع والده وعدد من المديرين، وإنه لأول مرة حس إن أبوه بدأ يثق فيه ويشركه في القرارات المهمة.
لكن ليه حد بيقول لي أسأله عن الليلة دي؟
قلبت الصورة، لقيت على ظهرها رقم مكتوب بالقلم.
رقم ملف.
نفس الرقم اللي كان موجود في سجل الأرشيف اللي ندى جابته.
اتصلت بسامح فورًا، وطلب مني ما أتصرفش في الظرف، وأحتفظ بيه زي ما هو، من غير ما أبعت الصورة لأي شخص تاني.
قال لي:
“ممكن يكون المستند حقيقي، وممكن يكون صورة ناقصة أو متلاعب فيها. ما نقدرش نبني عليه استنتاج قبل ما نعرف مصدره.”
وافقت.
لكن قبل ما أنام، وصلتني رسالة جديدة من رقم مجهول.
“إنتِ بتدوري في المكان الغلط. المستند اللي معاكي مش هو السر.”
وبعدها وصلت رسالة تانية.
“السر في الشخص اللي وقّع عليه.”
فتحت الصورة مرة تانية، وكبّرتها على شاشة اللابتوب.
كان التوقيع واضحًا جزئيًا، لكن الاسم تحت التوقيع كان مشوشًا بسبب جودة الصورة.
حاولت أقارن شكل التوقيع بالمراسلات القديمة اللي عندنا، لكن ما قدرتش أجزم.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
كان كريم.
ما كنتش عايزة أرد، لكني قررت أسمع هو عايز إيه.
قال بصوت مختلف عن كل مرة فاتت:
“مريم، لازم نتقابل.”
قلت:
“مفيش حاجة بينا تستدعي المقابلة.”
قال بسرعة:
“الموضوع مش جوازنا بس.”
سكتُّ.
كمل:
“أنا عارف إن فيه حد بعتلك ورق.”
حسيت ببرودة في إيدي.
“عرفت منين؟”




