روايات وقصص

روحنا ع الفندق حكايات صافي هاني

رجعنا أنا وجوزي عالبوسطة أو الفندق اللي قضينا فيه شهر العسل من 40 سنة، وموظفة الاستقبال بصتله وقالتله: منورنا تاني يا فندم. أنا ضحكت وقلت لها: مستغربة إنك فكرانا، إحنا مدخلناش المكان ده من أربعين سنة. ابتسامة الموظفة اختفت في ثواني، وبصت لجوزي رأفت وبعدين رجعت بصتلي.

وقالت: أوه، أنا كنت فاكرة إن الأستاذ رأفت نزل عندنا قريب مش من زمان قوي كده.
التفتّ وبصيت لرأفت وقلت له: إيه؟
رأفت مأدّاش أي رد فعل تقريبا، وقال ببرود: أكيد هي اتلخبطت وبتقصد حد تاني.
بس الموظفة كانت فتحت الكمبيوتر وبقت تراجع الداتا، وقالت: لأ، أنا متأكدة.. نفس الاسم تماماً.
وبعدين عقدت حواجبها وقالت: والأستاذ رأفت دايماً بيطلب نفس الأوضة بالذات.
قلت باستغراب: دايماً؟
رأفت قاطعها وقال بحسم: إحنا طالعين نطلع المفتاح ونطلع غرفتنا.
في حاجة في طريقته ونبرة صوته خلتها تسكت فوراً، والحاجة دي قلقتني وقومت شكوكي أكتر بكتير مما كنت أتخيل، حسيت إن الاتنين دول في بينا وبين بعض سر هما عارفينه وأنا لا.
استنيت لحد ما طلعنا الأوضة وقفلنا الباب وراست عليه، وقلت له: هو أنت جيت هنا قبلي من ورايا؟
رد بسرعة: لأ.
قلت له: بس هي عرفتك كويس.
قال: بتهبد، دي غلطانة.
كنت متمنية أصدقه وأرتاح، بس جه وقت العشاء، وسألت بطريقة عادية ومخفية واحد من العاملين هناك عن موظفة الاستقبال دي شغالـة من إمتى، فقالي: تقريباً قربت تخلص خمستاشر سنة هنا.
ساعتها بطني اتقبضت، مفيش أي فرصة في الدنيا تخليها تفكر وتفتكر رأفت من أيام شهر العسل بتاعنا من أربعين سنة.
تاني يوم الصبح، استنيت لحد ما رأفت خرج يتمشى بره الفندق، ونزلت على تحت لوحدي.
لقيت نفس الموظفة قاعدة عالباد.
قلت لها: أنا عايزة اعرف جوزي نزل هنا إمتى بالظبط.
ملامحها اتغيرت وقالت: أنا آسف يا فندم، مينفعش أتكلم عن إقامة النزلاء ولا أسرارهم.
قلت لها: ده جوزي!
قالت: فاهمة والله يا فندم.
قلت: هو كان نازل هنا مع حد؟
رفضت ترد نهائي.
رجعت ألح عليها: إنتي قولتي إنه دايماً بيطلب نفس الأوضة.. جه هنا كام مرة؟
وطت صوتها وقالت برجاء: أرجوكِ، ما تخلينيش أتكلم في حاجة.
قلت بعصبية: ليه؟
بصت ناحية الأسانسيرات بخوف وقالت: جوزك بنفسه طلب مني ما أتكلمش معاكي خالص عن زياراته القديمة.
وقفت بصيت لها بذهول: طلب منك؟
بصت بعيد.
سألتها: هو إدّاكِ فلوس عشان تسكتي؟
سكتت تماماً.
قلت لها: هديكِ أكتر بكتير.
قالت: لأ.
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
مشيت من قدامها وأنا الأسئلة مالياني، بس في حقيقة واحدة بقت واضحة وضوح الشمس: رأفت خافي عني حاجة كبيرة.
بالليل، قعدت قدامه على العشاء في المطعم وعملت نفسي عادية ولا كأن في حاجة، أربعين سنة جواز وفجأة بقيت قاعدة بسأل نفسي: هو أنا أصلاً كنت أعرف إيه عن حياتنا مع بعض؟
الجرسون حط الطبق قدامي ومشي.
بعد ثواني، حسيت بحاجة تحت حرف الطبق، بصيت لقيت ورقة صغيرة مطوية، استنيت لحد ما رأفت نزل عينه في المنيو، وسحبت الورقة بسرعة ودخلتها في إيدي.
مكتوب فيها: أنا عارف سر جوزك. الساعة حداشر بالليل.. تعالي وراء الفندق عند الباب الخلفي لوحدك.
معرفش مين الجرسون ده ولا إيه مصلحته معايا، بس لو هو عارف رأفت مخبي إيه، فالفرصة دي ممكن تكون هي طريقي الوحيد عشان أعرف الحقيقة.
الساعة حداشر بالدقيقة، نزلت بالراحة من غير ما أحسسه.
لاقيت الجرسون واقف في الظل مستنيني.
قال بصوت واطي: الكلام ده ما يطلعش مني خالص.
قلت بلهفة: خلصني وقولي في إيه.
قال: أنا شفت جوزك هنا كذا مرة.
صدري ضيق وقلت بخوف: مع ست تانية؟
تردد شوية وقال: مع بنت شابة.
حسيت إن النفس مقطوع مني، وفجأة كل قطع اللغز ركبت فوق بعضها؛ السفرات اللي من غير مبرر، نفس الفندق القديم، موظفة الاستقبال اللي رافضة تنطق بكلمة.. أربعين سنة عمر وضاع، ودي النهاية اللي هعرف بيها؟
همست بصوت مكسور: من إمتى؟
الجرسون استغرب وقال: هو أنتي فاكرة إنهم كانوا على علاقة حرام ولا بيخونوكِ؟
بصيت له باستنكر: أمال إيه؟ مش ده اللي بيحصل؟
قال: لأ خالص.
قلت بصدمة: إزاي؟!
قال: الأستاذ رأفت كان بيحجز الأوضة باسمه وكل حاجة.
قلت: يبقى كان بيقعد فيها معها.
قال: لأ، جوزك عمره ما طلع الأوضة دي فوق أبداً.
وقفت بصة له بتوهان: أمال كان بيدفع ثمن الأوضة ليه؟!
الجرسون سكت ومردش.
وقبل ما يلحق يفتح بوقه ويكمل كلامه، سمعت صوت مألوف وصارم طالع من ورايا بيقول:
رجعنا أنا وجوزي عالبوسطة أو الفندق اللي قضينا فيه شهر العسل من 40 سنة، وموظفة الاستقبال بصتله وقالتله: منورنا تاني يا فندم.
بصيت للصورة تاني، وحاولت أفتكر إذا كنت شفت البنت دي قبل كده، لكن ملامحها كانت غريبة عني. شعرها بني طويل، وعينيها واسعتين، وابتسامتها هادية، وفي وشها حاجة خلت قلبي ينقبض من غير ما أفهم السبب.

قلت لرأفت وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي:

ـ بتدور عليا ليه؟ وإنت تعرفها منين؟ وإيه اللي يخليك تقابلها أربعين سنة من ورايا؟

رأفت سحب الكرسي اللي جنب المكتب وقعد عليه، وكأنه فجأة بقى أكبر بعشرين سنة. مسح وشه بإيده، وبعدين بصلي وقال:

ـ اقعدي يا نادية. الحكاية طويلة، ومش هقدر أحكيلك منها جزء وأسيب جزء. إنتِ تستاهلي تعرفي كل حاجة.

رفضت أقعد.

ـ أنا مش هقعد غير لما تجاوبني على سؤال واحد. البنت دي بنتك؟

رفع عينيه ليا بسرعة، وقال:

ـ لأ.

ـ متأكد؟

ـ أيوه يا نادية، متأكد.

ـ طب بنت مين؟ وليه صورتها هنا وسط صورنا؟ وإيه الخطابات دي كلها؟

مد إيده ناحية الصندوق اللي فوق المكتب، لكنه سحبها تاني قبل ما يفتحه.

ـ البنت دي اسمها مريم. قابلتها أول مرة من أربعين سنة، في نفس اليوم اللي كنا فيه بنحتفل بمرور أول سنة على جوازنا.

عقدت حواجبي.

ـ أول سنة؟ إحنا جينا هنا بعد جوازنا بسنة؟

هز راسه.

ـ أيوه. فاكرة لما قولتلك إني لازم أسافر إسكندرية يومين عشان مشكلة في الشغل، وإنك كنتِ تعبانة ومقدرتيش تيجي معايا؟

افتكرت اليوم ده كويس. كان عندنا وقتها بنتنا الكبيرة سارة عندها شهور، وأنا كنت مرهقة من قلة النوم، ورأفت قال لي إنه مضطر يسافر عشان يقابل عميل مهم. زعلت إنه هيسيبني لوحدي، لكنه وعدني إنه يرجع بسرعة، وفعلاً رجع بعد يومين وجابلي هدية صغيرة.

قلت بهدوء:

ـ فاكرة. وإيه علاقة ده بمريم؟

قال:

ـ أنا ما كنتش رايح إسكندرية عشان الشغل بس. كنت جاي هنا.

حسيت إن قلبي وقع.

ـ يعني كدبت عليا؟

ـ أيوه.

الكلمة طلعت منه واضحة من غير محاولة لتبريرها.

الغريب إن اعترافه وجعني أكتر من لو كان فضل ينكر. لأن طول عمري كنت متعودة إنه لو حصل خلاف بينا، حتى لو كبير، يفضل يناقشني لحد ما نوصل لحل. لكن دلوقتي كان بيعترف بكذبة استمرت أربعين سنة، وكأنه بيحط حجر تقيل فوق صدري.

قلت:

ـ كنت جاي تقابل مريم؟

ـ أيوه.

ـ وليه؟

سكت.

صرخت فيه:

ـ ليه يا رأفت؟! أنا مش هفضل أسألك سؤال وترد عليا بنص إجابة! أنا مراتك، مش واحدة غريبة قابلتها امبارح!

رفع راسه، وقال بصوت مبحوح:

ـ مريم كانت بنت ست اسمها فاطمة. وفاطمة دي كانت أقرب إنسانة لأمك قبل ما أمك تتجوز أبوكي.

اتسمرت مكاني.

أمي ماتت من خمسة وعشرين سنة، وكانت ست هادية عمرها ما حكتلي تفاصيل كتير عن حياتها قبل الجواز. كل اللي كنت أعرفه إنها عاشت طفولتها في ظروف صعبة، وإنها اشتغلت فترة طويلة في مشغل خياطة قبل ما تتجوز أبويا.

أما اسم فاطمة، فكنت سمعته منها مرة أو مرتين، لكنها كانت بتغير الموضوع كل ما أسألها عنها.

قلت ببطء:

ـ فاطمة؟ تقصد فاطمة اللي أمي كانت بتحكي عنها زمان؟

هز راسه.

ـ أيوه.

ـ وإيه اللي حصل لها؟

رأفت بص للصورة اللي في إيدي وقال:

ـ أمك وفاطمة كانوا أصحاب من وهم صغيرين. كانوا بيشتغلوا مع بعض في مشغل خياطة قديم في البلد. فاطمة كانت يتيمة، وملهاش حد يسأل عنها، وأمك كانت بتعتبرها أختها. كانوا بيقسموا الأكل واللبس والفلوس اللي بيكسبوها، ولما واحدة فيهم كانت بتتعب، التانية كانت تسيب شغلها وتقعد جنبها.

قعدت أخيراً على الكرسي المقابل له، وقلت:

ـ أيوه، فاكرة أمي حكتلي إن كان ليها صاحبة قريبة منها أوي. بس قالتلي إنها سافرت ومشافتْهاش تاني.

رأفت هز راسه بحزن.

ـ دي كانت الحكاية اللي أمك اختارت تحكيهالك.

ـ يعني إيه اختارت تحكيهالي؟ كان فيه إيه تاني؟

بص للصندوق.

ـ فاطمة خلفت بنت اسمها مريم، وبعد ولادتها بفترة قصيرة اختفت من حياة الناس اللي كانوا يعرفوها. أمك كانت آخر واحدة شافتها قبل ما تمشي، وكانت فاكرة إنها هترجع. لكن فاطمة ما رجعتش.

ـ راحت فين؟

ـ محدش كان يعرف. وفي الوقت ده، مريم كانت لسه طفلة صغيرة جداً، ومكنش معاها أي حد من عيلتها يقدر يتكفل بيها.

حسيت بوجع غريب في قلبي وأنا بسمع الكلام.

ـ وأمي كانت تعرف إن عندها بنت؟

ـ كانت تعرف.

ـ طب ليه ما قالتليش؟

رأفت سكت لحظة، وبعدين قال:

ـ لأن أمك كانت فاكرة إن فاطمة سابت بنتها بإرادتها، وإنها مش عايزة ترجع لحياتها القديمة. لكن الحقيقة كانت مختلفة.

ـ إيه الحقيقة؟

رأفت فتح الصندوق أخيراً، وطلع منه ظرف كبير لونه أصفر، أطرافه متآكلة من الزمن.

حطه قدامي وقال:

ـ دي أول رسالة وصلتني من مريم.

بصيت للظرف، ولقيت عليه اسمي مكتوب بخط إيد أنثوي.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى