
نادية.
مش نادية وبس، لكن اسمي بالكامل، بنفس الطريقة اللي كانت أمي بتكتبه بيها على كراساتي وأنا صغيرة.
مديت إيدي وفتحت الظرف.
كان جواه ورقة واحدة، مكتوب فيها:
“إلى نادية، بنت الست الوحيدة اللي أمي كانت بتحكيلي عنها طول عمري.
أنا معرفكيش، ويمكن إنتِ متعرفيش إني موجودة أصلاً، لكن أمي قبل ما تموت قالتلي إن فيه بنت اسمها نادية، وإنها لو قدرت توصل لها في يوم من الأيام، لازم تعرفها الحقيقة.
أنا مش عايزة منك فلوس ولا عايزة أغير حياتك. كل اللي عايزاه أعرف إذا كانت صاحبة أمي لسه عايشة، وإذا كانت فاكرة أمي زي ما أمي كانت فاكراها.
لو وصلتك رسالتي، أرجوكي ردي عليا.
مريم.”
فضلت باصة للورقة وقت طويل.
وبعدين رفعت عيني لرأفت.
ـ الرسالة دي وصلتلك إمتى؟
قال:
ـ من تسعة وثلاثين سنة.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
ـ تسعة وثلاثين سنة؟ يعني بعد جوازنا بسنة واحدة؟
ـ أيوه.
قمت من مكاني بعصبية، والكرسي اتحرك لورا بصوت عالي.
ـ وإنت خبيت عني الرسالة دي ليه؟! دي كانت بتسأل عليا وعلى أمي! كانت عايزة تعرف إذا كانت صاحبة أمها لسه عايشة! إنت إزاي تقرأ رسالة زي دي وتقرر لوحدك إنك متقوليش؟!
رأفت قام هو كمان، لكنه ما قربش مني.
ـ لأن الرسالة وصلتلي في وقت كان كل شيء فيه معقد.
ـ معقد إزاي؟!
ـ وقتها أمك كانت عارفة إن فاطمة خلفت بنت، لكنها كانت رافضة تماماً إن اسم فاطمة يرجع يتفتح في حياتها. حصل بينهم خلاف كبير قبل اختفاء فاطمة، وأمك فضلت سنين شايلة جواها وجع من اللي حصل.
ـ أي خلاف؟ أمي عمرها ما حكتلي حاجة زي دي!
ـ عارف. وده كان جزء من المشكلة. أمك كانت بتحبك جداً، وكانت خايفة إن أي حاجة من الماضي تأثر على حياتك، خصوصاً إنك كنتِ لسه متجوزة، وعندك طفلة صغيرة.
هززت راسي بعدم تصديق.
ـ يعني بدل ما تسألني أو تخليني أقرر بنفسي، قررت إنت وأمي إنكم تخبوا عني الحقيقة؟
ـ أنا ما كنتش عارف أتصرف إزاي. أول مرة وصلتني رسالة مريم، رحت سألت أمك عنها. طلبت مني ما أقولكيش أي حاجة، وقالتلي إن الموضوع قديم، وإن فتحه مش هيفيد حد.
ـ وإنت سمعت كلامها؟
ـ أيوه.
ضحكت بمرارة.
ـ طبعاً. كل الناس كانت عارفة مصلحتي أكتر مني!
حاول رأفت يتكلم، لكني رفعت إيدي أوقفه.
ـ استنى. إنت قلت إن دي أول رسالة. يعني فيه رسائل تانية؟
بص للصندوق وقال:
ـ كتير.
ـ وكنت بتقابل مريم هنا؟
ـ أيوه.
ـ كل مرة؟
ـ مش كل مرة. لكن معظم المرات.
حسيت إن دموعي بتتجمع في عيني، لكني رفضت أسيبها تنزل.
ـ أربعين سنة يا رأفت. أربعين سنة وإنت بتقابل بنت غريبة عني، وبتخبي عني وجودها، وبتحجز نفس الأوضة، وبتطلب من الموظفين يسكتوا. إنت متخيل أنا ممكن أفهم ده إزاي؟
قال بسرعة:
ـ مريم ما كانتش غريبة عنك يا نادية. دي كانت أقرب إنسانة ليكي من غير ما تعرفي.
ـ متحاولش تلعب بالكلام!
ـ مش بلعب بالكلام. اسمعيني بس.
رجعت قعدت، وحطيت الرسالة على المكتب.
ـ اتفضل. كمل.
رأفت قعد قدامي، وبدأ يحكي.
في أول مرة وصلت فيها رسالة مريم، كان رأفت لسه في بداية حياته العملية. شغال في شركة صغيرة، وبيحاول يبني مستقبله، وأنا كنت لسه متجوزاه من سنة واحدة، وحياتنا كانت بسيطة جداً.
كان عندنا شقة صغيرة في شبرا، وأثاث متواضع، وعربية قديمة كان رأفت بيصلحها بنفسه كل ما تعطّل.
كنا بنحسب مصاريف البيت بالجنيه، ونفرح بأي حاجة جديدة نشتريها. وكنت فاكرة إن علاقتنا مبنية على الصراحة، حتى لو الدنيا ضيقة.
لكن الرسالة دي وصلت لرأفت عن طريق محامي كان بيساعد مريم في البحث عن أي حد من عيلة أمها.
المحامي عرف إن فاطمة كانت قريبة من أمي، وإن أمي اتجوزت واستقرت في القاهرة، وإن عندها بنت اسمها نادية.
مريم كانت وقتها في بداية العشرينات، وعايشة في بيت صغير في الإسكندرية، بعد ما قضت طفولتها في دار رعاية، وبعدها انتقلت تعيش مع سيدة كبيرة اسمها أمينة، كانت بتشتغل في الدار واهتمت بيها لحد ما كبرت.
أمينة هي اللي ربت مريم، وعلمتها القراءة والكتابة، وساعدتها تدخل مدرسة وتكمل تعليمها. لكن مريم فضلت طول عمرها حاسة إن فيه جزء ناقص من حياتها.
كانت عارفة اسم أمها، وعارفة إنها ماتت وهي صغيرة، لكن محدش قدر يقولها أبوها مين، ولا ليه أمها سابتها، ولا إذا كان ليها عيلة تانية.
كل ما كانت تسأل، كانت تلاقي إجابات ناقصة.
ولما كبرت، بدأت تجمع أي معلومة تقدر توصلها لأصلها.
في يوم، وهي بتراجع أوراق أمها القديمة، لقت ورقة صغيرة مكتوب فيها اسم أمي وعنوان قديم في القاهرة.
بدأت تدور، لحد ما وصلت للمحامي اللي عرفها إن أمي لسه عايشة، وإن عندها بنت اسمها نادية.
مريم كتبت أول رسالة، وكانت متوقعة إن أمي هي اللي ترد عليها.
لكن الرسالة وصلت لرأفت بالصدفة، لأنه كان بيتابع بعض الإجراءات الخاصة بأمي في الفترة دي، بعد ما طلبت منه يساعدها في حل مشكلة تخص أوراق ملكية قديمة.
ولما قرأ الرسالة، اتصل بأمي.
قالتله وقتها إن فاطمة كانت أقرب واحدة ليها، وإنها كانت بتحبها أكتر من أي حد، لكن حصل بينهم خلاف كبير قبل اختفاء فاطمة.
الخلاف ده كان متعلق بسر قديم عن عيلة مريم، وموضوع ميراث، وأوراق كانت فاطمة محتفظة بيها.
أمي قالت لرأفت إنها حاولت تساعد فاطمة زمان، لكنها اتهمتها إنها خذلتها، وبعدها اختفت من غير ما تسيب أي عنوان.
وبعد سنين، لما عرفت إن فاطمة ماتت وإن بنتها عايشة في دار رعاية، حسّت بالذنب، لكنها ما قدرتش تواجه الماضي.
كانت خايفة إن مريم ترجع وتطالب بحاجة من عيلة أمي، أو إن الخلاف القديم يرجع يهدد استقرار حياتنا.
رأفت وقتها كان شاباً صغيراً، ولسه بيتعلم إزاي يتعامل مع مشاكل الحياة، فاختار أسهل طريق في نظره.
سكت.
ما قالليش.
وكتب رسالة لمريم، طلب منها فيها إنها تستنى شوية لحد ما يفهم الموضوع.
لكن مريم ما كانتش بتطلب ميراث ولا فلوس.
كانت بتطلب إجابة واحدة.
كانت عايزة تعرف أمها كانت بتحبها ولا لأ.
رأفت طلع من الصندوق رسالة تانية ومدهالي.
ـ اقري دي.
فتحتها، ولقيت مكتوب فيها:
“أستاذ رأفت،
أنا مقدرة إن حضرتك بتحاول تساعدني، لكن أنا مش فاهمة ليه كل ما أسأل عن نادية، تقوللي إن الوقت مش مناسب.
أنا مش عايزة أسبب مشكلة لحد. أنا بس محتاجة أعرف إذا كانت أمي حكَت عني قبل ما تموت، وإذا كانت صاحبتها تعرف إني موجودة.
أنا عشت عمري كله وأنا بحاول أفهم ليه اتسابت لوحدي. يمكن لو عرفت إن فيه حد كان يعرف أمي كويس، أقدر أخيراً أنام وأنا مطمنة.
أرجوك، لو مش هتقدر تساعدني، قوللي بصراحة.”
وقفت عند آخر سطر، وحسيت بغصة في حلقي.
ـ وإنت رديت عليها بإيه؟
رأفت قال:
ـ رديت عليها إني هحاول أوصل لحل، وطلبت منها تقابلني هنا عشان نتكلم بعيد عن أي حد.
ـ وهنا بدأت تحجز الأوضة؟
ـ أيوه.
ـ ليه الأوضة دي بالذات؟
بص ناحية الباب.
ـ لأنها كانت أول مكان قدرت مريم تيجي فيه من غير ما تحس إن حد بيراقبها. الفندق وقتها كان أصغر بكتير، والأوضة دي كانت بعيدة عن حركة النزلاء، وكان فيه مدخل جانبي يقدر أي حد يدخل منه من غير ما يمر على الاستقبال.
ـ يعني كنتوا بتستخبوا؟
هز راسه.
ـ كنت بحاول أحميها من الكلام اللي ممكن تسمعه، وأحميك من مواجهة ما كنتش فاهم عواقبها.
ـ تحميني من إيه؟ من بنت يتيمة عايزة تعرف أمها كانت بتحبها ولا لأ؟
رأفت ما ردش.
وأنا ما كنتش محتاجة رد.
لأن الحقيقة بدأت تتكشف قدامي بشكل مؤلم.
رأفت ما كانش بيخبي عني علاقة زي ما تخيلت، لكنه كان بيخبي عني حياة كاملة، وبيقرر بالنيابة عني مين أدخله حياتي ومين أرفضه، من غير ما يديني حتى فرصة أختار.
قلتله:
ـ طيب، إنت قابلتها هنا، وسمعت حكايتها، وعرفت إنها مش عايزة حاجة غير الحقيقة. ليه استمريت في الكذب؟
رأفت حط إيده على وشه.
ـ لأن كل مرة كنت بقول لنفسي إني هحكيلك بكرة، كان بيحصل شيء يخليني أأجل.
ـ زي إيه؟
ـ بعد أول مقابلة، مريم حكتلي إنها لقت أوراق قديمة تخص أمها. الأوراق دي كانت بتثبت إن فاطمة ما سابتش بنتها بإرادتها، وإنها حاولت ترجع لها، لكن حصلت ظروف منعتها.
بصيتله بتركيز.
ـ إيه الظروف دي؟
ـ دي كانت بداية الحقيقة التانية.
فتح درج المكتب، وطلع منه ملف سميك، مربوط بشريط أزرق.
حطه قدامي.
ـ كل الأوراق دي تخص فاطمة ومريم. لكن فيه ورقة لازم تشوفناها قبل أي حاجة.
طلع من الملف شهادة ميلاد قديمة، وصورة لورقة مكتوبة بخط اليد.
مسكت شهادة الميلاد، وبدأت أقرا الاسم.
مريم فاطمة عبد الرحمن.
اسم الأم: فاطمة محمود.
أما اسم الأب، فكان موجوداً في خانة منفصلة، لكن الخط باهت، والحبر متآكل.
قربت الورقة من النور، وحاولت أقرأ.
وبعد ثواني، حسيت إن الدم انسحب من وشي.
الاسم كان واضحاً بما يكفي.
عبد الرحمن منصور.
اسم أبويا.
رفعت عيني لرأفت، وأنا مش قادرة أنطق.
هو كمان كان باصصلي، وعارف إن اللحظة دي هتغير كل حاجة.
همست:
ـ لا… مستحيل.
قال رأفت:
ـ عشان كده كنت خايف أحكيلك.
هززت راسي بقوة.
ـ لأ. لأ يا رأفت. إنت فاهم غلط. أبويا عمره ما قال إن عنده بنت غيري. أمي عمرها ما قالت إن أبويا كان يعرف فاطمة بالشكل ده. إنت أكيد فهمت الورقة غلط.
ـ أنا قلت لنفسي نفس الكلام أول ما شفتها.
ـ يبقى إزاي صدقت؟
ـ ما صدقتش بسهولة. فضلت أدور على الحقيقة سنين، لحد ما وصلت لمستندات تانية أكدت إن أبوكي كان يعرف فاطمة من قبل جوازه من أمي.
حطيت الورقة على المكتب كأنها حرقت إيدي.
ـ يعني مريم أختي؟
رأفت اتردد قبل ما يرد.
ـ من ناحية أبوكي، أيوه. لكن لازم تعرفي إن الورقة دي لوحدها مش كفاية عشان نحسم كل التفاصيل القانونية، وخصوصاً إن فيه تناقضات في بعض الأوراق القديمة. أنا حاولت أتحقق من كل حاجة قبل ما أقولك.
ضحكت بمرارة.
ـ أربعين سنة، وإنت بتحقق؟ أربعين سنة وأنا عايشة من غير ما أعرف إن ممكن يكون ليا أخت!
ـ نادية…
ـ لا تنطق اسمي دلوقتي!
وقفت وبدأت ألف في الأوضة، أحاول أستوعب اللي سمعته.
أبويا مات من سنين طويلة. كنت فاكرة إن حياته كانت واضحة، وإن كل اللي أعرفه عنه هو الحقيقة. كان موظفاً بسيطاً، بيخرج من البيت الصبح ويرجع بالليل، وبيحب أمي بطريقته الهادية، وبيحاول يوفر لنا حياة مستقرة.
عمره ما كان بيحكي كتير عن شبابه، لكني ما تخيلتش أبداً إن فيه بنت ممكن تكون من دمه، وإن البنت دي قضت طفولتها بعيد عنه، في دار رعاية، من غير ما تعرف حتى اسمه.




