روايات وقصص

روحنا ع الفندق حكايات صافي هاني

قلت بصوت مكسور:

ـ طب وأمي؟ كانت تعرف؟

رأفت أومأ برأسه.

ـ كانت تعرف إن فيه علاقة قديمة بين أبوكي وفاطمة، لكنها كانت فاكرة إن الموضوع انتهى قبل جوازهم. لما مريم ظهرت، اتأكدت إن فيه حاجات ما كانتش تعرفها.

ـ وإنت عرفت كل ده من إمتى؟

ـ من سنين طويلة. لكني ما قدرتش أجمع كل التفاصيل غير بعد ما مريم كبرت وبدأت تلاقي الأوراق بنفسها.

ـ وأمي فضلت ساكتة؟

ـ أيوه.

غمضت عيني، وحسيت إن كل الذكريات اللي عندي عن أمي بتتداخل مع بعضها.

كنت فاكرة إنها ست طيبة، بتخاف علينا، وبتعمل كل اللي تقدر عليه عشان تحمينا من وجع الدنيا.

لكن دلوقتي بقيت بسأل نفسي: هل كانت بتحمي مريم كمان؟ ولا كانت بتحاول تبعدها عن حياتنا؟

فتحت عيني وبصيت لرأفت.

ـ مريم عايشة؟

قال:

ـ أيوه.

ـ فين؟

ـ في إسكندرية.

ـ وعندها كام سنة؟

ـ أكبر منك بسنتين.

قعدت تاني، وحطيت إيدي على صدري.

أكبر مني بسنتين.

يعني لو كانت الحقيقة اتقالت من زمان، كان ممكن أعيش حياتي وأنا عندي أخت. كان ممكن نكبر مع بعض، ونحكي لبعض أسرارنا، ونزور بعض في الأعياد، ونشوف أولاد بعض وهما بيكبروا.

بدل ده كله، هي عاشت عمرها بتدور على عيلتها، وأنا عشت عمري فاكرة إن عيلتي كاملة.

قلت لرأفت:

ـ أنا عايزة أشوفها.

هز راسه.

ـ كنت عارف إنك هتقولي كده.

ـ عايزة أشوفها دلوقتي.

ـ الوقت اتأخر يا نادية. مريم عارفة إننا هنا، لكنها مش موجودة في الفندق الليلة.

بصيتله بشك.

ـ إنت لسه مخبي حاجة؟

ـ فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تقابليها.

ـ إيه تاني؟

رأفت طلع من الملف ظرفاً أبيض صغيراً، وقال:

ـ مريم هي اللي طلبت مني أجيلك هنا النهارده.

اتجمدت.

ـ هي اللي طلبت؟

ـ أيوه. من حوالي شهر، بعتتلي رسالة وقالت إنها مش عايزة تقابلني تاني قبل ما أقولك الحقيقة كاملة. قالتلي إنها تعبت من الانتظار، وإنها مش هتفضل مستنية لحد ما كل الناس اللي يعرفوا الحكاية يموتوا.

بصيت للظرف.

ـ طيب ليه ما جتش بنفسها؟

ـ لأنها كانت خايفة إنك ترفضي تشوفيها. كانت عايزة تعرف الأول إذا كنتِ مستعدة تسمعي الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.

ضحكت من غير فرح.

ـ وأنا اللي كنت فاكرة إنك جايبني هنا عشان نحتفل بذكرياتنا.

رأفت نزل عينيه.

ـ كنت أتمنى إننا نقدر نحتفل بيها. لكني عارف إن ده مش وقت احتفال.

مسكت الظرف وفتحته.

جواه ورقة صغيرة، مكتوب فيها:

“نادية،

أنا مش عارفة إذا كنتِ هتقرئي الرسالة دي بنفسك، ولا هتفضلي بعيدة عني زي ما كنتِ طول عمرك من غير ما تعرفي.

أنا مش عايزة ألومك على حاجة إنتِ ما كنتيش تعرفيها. ولا عايزة ألوم أمك، رغم إن عندي أسئلة كتير ليها.

أنا بس عايزة فرصة أعرفك فيها.

لو قررتي إنك عايزة تشوفيني، أنا هستناكي بكرة الساعة اتناشر الظهر، في كافيه صغير جنب محطة الرمل في إسكندرية.

ولو ما جيتيش، هفهم إنك مش مستعدة.

مريم.”

فضلت ماسكة الورقة، ودموعي بتنزل من غير ما أحس.

لأول مرة من بداية الليلة، ما كنتش بفكر في رأفت ولا في الكذب اللي عاش معايا. كنت بفكر في مريم.

بنت عندها نفس الأب اللي عندي، ويمكن نفس شكل عينيه، ونفس طريقة ضحكته، ويمكن كانت محتاجة طول عمرها حد يقولها إنها مش لوحدها.

رفعت راسي وسألت رأفت:

ـ هي عارفة إن أبويا مات؟

ـ أيوه.

ـ وعارفة إن أمي ماتت؟

ـ أيوه.

ـ وعارفة إن عندي أولاد؟

ـ عارفة إن عندك سارة وأحمد، لكن ما تعرفش عنهم تفاصيل كتير.

سكت لحظة، وبعدين أضاف:

ـ هي عمرها ما حاولت تدخل حياتك بالقوة. كل مرة كانت بتطلب مني أوصل رسالة، أو أقولك معلومة، كنت بخاف من رد فعلك وأأجل.

قلت بوجع:

ـ وإنت كنت بتقرر لوحدك إنها مش من حقها تقابلني.

ـ أيوه.

ـ ومن حقي أنا كمان أعرف إن فيه حد بيدور عليا.

هز راسه.

ـ أيوه يا نادية. من حقك.

قمت من مكاني، ولميت الرسائل اللي على المكتب وحطيتها في الملف.

ـ بكرة هروح أقابلها.

رأفت قام هو كمان.

ـ هاجي معاكي.

بصيتله بحزم.

ـ لأ.

اتصدم من ردي.

ـ نادية، أنا عارفها من سنين…

ـ وعشان كده بالذات مش عايزاك تيجي. إنت قضيت أربعين سنة واقف بيني وبينها، وبقرر كل واحدة فينا تعرف إيه عن التانية. بكرة أنا عايزة أقابلها من غير ما تكون موجود.

حاول يعترض، لكنه سكت.

كملت:

ـ وبعد ما أقابلها، هنرجع نتكلم عننا إحنا الاتنين. لأن اللي حصل مش مجرد سر اتخبى. إنت حرمتني من فرصة إني أختار بنفسي.

رأفت أومأ برأسه ببطء.

ـ هحترم قرارك.

خرجت من الأوضة وأنا شايلة الملف والرسائل، لكن قبل ما أوصل لباب الممر، سمعت صوته ورايا.

ـ نادية.

وقفت من غير ما ألف.

قال:

ـ فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها. مريم ما كانتش بتدور على أختها بس. هي كانت بتدور على الحقيقة اللي أمها ماتت وهي بتحاول توصل لها.

لفيت ناحيته.

ـ تقصد إيه؟

رأفت بصلي طويلاً، وبعدها قال:

ـ فاطمة ما ماتتش وهي فاكرة إن مريم ضاعت منها. فاطمة فضلت تحاول توصل لبنتها لحد آخر يوم في حياتها، وكانت سايبة وراها دليل يقدر يغير كل اللي إحنا فاهمينه عن الماضي.

ـ والدليل ده فين؟

رأفت أشار للصندوق.

ـ هنا جزء منه. لكن الجزء الأهم مع مريم.

حسيت إن الحكاية لسه في بدايتها، وإن فيه أبواب كتير لسه مقفولة.

لكن المرة دي، ما كنتش ناوية أسيب حد يقرر عني إذا كنت أقدر أفتحها ولا لأ.

رجعت أوضتنا قبل الفجر بشوية.

رأفت دخل ورايا، لكنه ما حاولش يتكلم. قعد على طرف السرير، وأنا وقفت قدام الشباك أبص للبحر من بعيد.

كان الفندق هادي، والهواء بارد، والمدينة لسه ما صحيتش.

كنت بقلب الرسائل واحدة واحدة، وأقرأ الكلمات اللي مريم كتبتها على مدار السنين. كل رسالة كانت بتكشف جزءاً من وجعها، وكل تاريخ كان بيفكرني بمرحلة من حياتي أنا.

في رسالة مؤرخة من خمسة وثلاثين سنة، كانت بتقول إنها حصلت على وظيفة جديدة، وإنها لأول مرة قدرت تستأجر شقة صغيرة لوحدها.

في رسالة تانية من ثلاثين سنة، كانت بتحكي عن نجاحها في دراستها، وإنها نفسها لو كانت أمها عايشة كانت شافتها وهي بتتخرج.

وفي رسالة من عشرين سنة، كانت بتقول إنها قابلت رجلاً محترماً، واتجوزته، وإنها بدأت أخيراً تحس إن عندها بيتاً حقيقياً.

وفي آخر كل رسالة تقريباً، كانت بتسأل السؤال نفسه:

“هل نادية عرفت عني؟”

وفي كل مرة، كانت الإجابة اللي كتبها رأفت في ملاحظاته مختلفة.

مرة كتب: “لسه مش الوقت المناسب.”

ومرة: “الوضع العائلي معقد.”

ومرة: “نادية عندها ظروف صحية، مش عايز أزود عليها.”

ومرة: “الأولاد لسه صغيرين.”

ومرة: “نستنى لحد ما الظروف تهدى.”

أربعون سنة من الأعذار.

أربعون سنة من التأجيل.

وفي كل مرة، كان فيه سبب جديد يمنع الحقيقة من الوصول ليا.

قعدت على السرير وقلت:

ـ رأفت.

رفع عينيه.

ـ نعم؟

ـ كنت بتكتب الملاحظات دي ليه؟

بص للأوراق اللي في إيدي.

ـ عشان ما أنساش التفاصيل.

ـ ولا عشان تقنع نفسك إنك بتعمل الصح؟

ما ردش.

قلت:

ـ فاكر يوم وفاة أمي؟

هز راسه.

ـ طبعاً.

ـ قبل ما تموت بأسبوع، كانت طلبت مني أفتح درجها القديم وأجيب لها علبة خشب. أنا جبتها، ولقيت جواها صور قديمة وخطابات. سألتها مين فاطمة، فقالتلي إنها صاحبتها اللي سافرت زمان. وقالتلي إنها كانت نفسها تشوفها مرة أخيرة.

رأفت رفع رأسه فجأة.

ـ قالتلك كده؟

ـ أيوه. وساعتها سألتها ليه ما دورتش عليها، فقالتلي إنها حاولت كتير، لكن كل مرة كانت بتتراجع.

سكتُّ لحظة، ثم أكملت:

ـ أنا دلوقتي فاهمة إنها كانت عارفة إن فاطمة ماتت، وإن بنتها موجودة، وإنها كان ممكن توصل لها. بس كانت خايفة تواجه اللي حصل.

رأفت قال بصوت واطي:

ـ أمك كانت ندمانة.

ـ الندم لوحده مش كفاية يا رأفت. فيه حاجات لما بنسكت عنها، بتكبر وتتحول لوجع بيعيش بعدنا.

فضل ساكت، وأنا رجعت للرسائل.

بعد شوية، لقيت خطاباً مختلفاً عن باقي الخطابات. كان مكتوباً بخط أقدم، وعلى الظرف ختم قديم يرجع لأكتر من ثلاثين سنة.

فتحت الخطاب بحذر.

كان مكتوباً فيه:

“إلى الأستاذ رأفت،

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى