روايات وقصص

روحنا ع الفندق حكايات صافي هاني

أرجو أن تكون قد فهمت الآن لماذا لم أعد أطلب من نادية أن تقابلني.

أنا لا أريد أن أكون سبباً في خلاف بين أم وابنتها، ولا أريد أن أحمل نادية ذنب شيء لم ترتكبه.

لكن هناك حقيقة يجب أن تعرفها.

أمي لم تتركني لأنها لم تحبني. أمي حاولت أن تعود إليّ، لكن هناك من منعها، وهناك أوراق اختفت، وشهود خافوا أن يتكلموا.

أنا لا أتهم أحداً من غير دليل، لكني أريد أن أعرف لماذا اختفت الحقيقة كل هذه السنوات.

إذا كنت تستطيع أن تساعدني في الوصول إلى الأوراق الأصلية، فسأكون ممتنة لك.

مريم.”

قريت الرسالة مرتين.

وبعدين قلبتها، لقيت على ظهرها جملة مكتوبة بقلم مختلف:

“لو ظهرت الورقة الأصلية، هتتغير حقوق ناس كتير.”

رفعت عيني لرأفت.

ـ إيه الورقة الأصلية دي؟

رأفت اتنهد.

ـ وصية قديمة.

ـ وصية مين؟

ـ جدك.

اتسمرت.

جدي مات قبل ما أتولد بسنين طويلة، وكل اللي كنت أعرفه عنه إنه كان عنده أرض في البلد، وإن أبويا باع نصيبه منها بعد وفاته بمدة.

قلت:

ـ إيه علاقة جدي بمريم؟

ـ جدك كان يعرف إن أبوكي خلف بنت من فاطمة. وفي وصية قديمة، كان كاتب إن فيه جزءاً من أملاكه لازم يفضل محفوظاً لأي ابن أو بنت يثبت نسبه ليه.

ـ يعني مريم ليها ميراث؟

ـ ممكن يكون ليها حق، لكن الموضوع أعقد من كده. لأن فيه أوراق تانية بتقول إن بعض الأملاك اتباعت، وبعضها اتنقلت ملكيته قبل ما تظهر مريم.

بصيتله بذهول.

ـ يعني كل ده كان بسبب الفلوس؟

هز راسه بسرعة.

ـ مش بالنسبة لمريم. هي رفضت أكتر من مرة إنها تطالب بأي حاجة. لكن فيه ناس تانية كانت خايفة من ظهورها، لأنها لو أثبتت نسبها، ممكن تتفتح ملفات قديمة وتتراجع معاملات حصلت من سنين.

ـ مين الناس دي؟

رأفت بص للأرض.

ـ بعض أقارب أبوكي.

حسيت بمرارة كبيرة.

أبويا كان عنده أخ واحد اسمه عم جلال، عايش في البلد، وكان دايماً بيزورنا في المناسبات، وكنت بعتبره جزءاً من عيلتي.

كان عنده أولاد، أكبرهم سامح، اللي اشتغل في تجارة الأراضي بعد وفاة جدي.

قلت ببطء:

ـ تقصد عم جلال وسامح؟

رأفت ما ردش بسرعة.

لكن سكوته كان كفاية.

قلت:

ـ يا نهار أبيض! هما كانوا عارفين؟

قال أخيراً:

ـ مش عارف كل واحد كان يعرف إيه بالضبط، لكن فيه مستندات بتشير إن بعضهم كان عنده علم بوجود مريم.

قعدت وأنا حاسة إن رأسي هتنفجر.

يعني الموضوع مش بس إن جوزي خبى عني أختي.

الموضوع إن عيلتي كلها ممكن تكون عارفة، وإن فيه أسرار اتدفنت عشان مصالح ناس معينة.

قلت:

ـ بكرة لما أقابل مريم، هعرف منها كل حاجة.

رأفت أومأ برأسه.

ـ هتلاقي عندها إجابات كتير.

ـ وإنت هتفضل هنا لحد ما أرجع.

ـ حاضر.

بصيتله للمرة الأخيرة قبل ما أدخل الحمام.

ـ رأفت، أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك على اللي حصل. لكن لو فيه حاجة واحدة أنا متأكدة منها، فهي إنك مش هتقدر تخبي عني أي حاجة تاني.

قال بصوت مكسور:

ـ مش هخبي عنك حاجة تاني.

ما رديتش.

لأن الثقة لما بتتجرح، الوعود لوحدها ما بترجعهاش.

تاني يوم، صحيت بدري.

لبست فستاناً بسيطاً، وحطيت الملف في شنطتي، ونزلت من غير ما أصحي رأفت.

كنت عارفة إن الرحلة لإسكندرية هتاخد ساعات، لكني ما كنتش قادرة أستنى أكتر.

طول الطريق، كنت ببص من الشباك وأفكر في مريم.

هل هتشبهني؟

هل هتحبني؟

هل هتلومني على السنين اللي ضاعت؟

وهل أنا هقدر أتعامل معاها باعتبارها أختي، بعد ما اكتشفت وجودها فجأة بالشكل ده؟

كل ما كنت أحقال أرتب أفكاري، كنت أفتكر جملة كتبتها في إحدى رسائلها:

“أنا مش عايزة أكون سبباً في خلاف بين أم وابنتها.”

الجملة دي وجعتني أكتر من أي شيء.

لأنها كانت خايفة تأذيني، رغم إنها هي اللي اتأذت طول عمرها.

وصلت إسكندرية قبل الظهر بقليل، وركبت تاكسي لحد المكان اللي وصفته في الرسالة.

كان كافيه صغيراً في شارع جانبي قريب من محطة الرمل، فيه طاولات خشب، وشبابيك واسعة بتطل على الشارع.

دخلت، وبصيت حواليا.

في الركن البعيد، كانت فيه ست قاعدة لوحدها، لابسة بلوزة كحلي وجاكيت رمادي، وشعرها البني فيه خصلات بيضا كتير.

أول ما شافتني، قامت من مكانها.

وقفت مكاني.

هي كمان وقفت.

فضلنا نبص لبعض من غير ما نتكلم.

ما كانش فيه أي شبه واضح في الملامح، لكن في حاجة في عينيها خلتني أحس إني شفتها قبل كده.

يمكن عشان عيون أبويا كانت شبه عينيها.

يمكن عشان الأربعين سنة اللي ضاعوا كانوا واقفين بينا، ومستنيين حد يمد إيده ويكسر الحاجز.

هي اللي اتكلمت الأول.

ـ نادية؟

صوتها كان هادي، لكن إيديها كانت بتترعش.

هززت راسي.

ـ أيوه.

قربت خطوة، وبعدها وقفت، وكأنها خايفة أرفض قربها.

قالت:

ـ أنا مريم.

حاولت أتكلم، لكن صوتي ما طلعش.

قعدنا على الطاولة، وطلبت لنا قهوة من غير ما أشرب منها حاجة.

فضلت أبص لوشها، وأحاول أكتشف فيه أي ملامح ممكن تكون مشتركة بينا.

هي لاحظت نظراتي، وابتسمت ابتسامة حزينة.

ـ عارفة إن الموضوع غريب. أنا نفسي لحد دلوقتي مش مصدقة إننا قاعدين مع بعض.

قلت بصعوبة:

ـ أنا كمان.

سكتنا شوية، وبعدين سألتها:

ـ إنتِ كنتِ عارفة إني موجودة من إمتى؟

قالت:

ـ من وأنا عندي حوالي عشرين سنة. أمينة، الست اللي ربتني، كانت محتفظة بصورة قديمة لأمي، ومعاها ورقة مكتوب فيها اسم أمك وعنوانها. لما سألتها، قالتلي إن أمي كانت بتتكلم عن صاحبتها طول الوقت.

ـ أمي كانت بتحب فاطمة؟

ابتسمت مريم بحزن.

ـ جداً. أمي كانت بتقول إن صاحبتها دي كانت الوحيدة اللي وقفت جنبها في أصعب أيام حياتها.

حسيت إن دموعي قربت تنزل.

ـ طب ليه ما رجعتش لها؟

مريم حطت إيديها فوق بعض، وقالت:

ـ دي أول حاجة حاولت أعرفها. في البداية، كنت فاكرة إن أمي هي اللي اختارت تبعد. لكن لما كبرت، لقيت رسائل قديمة بتقول إنها حاولت ترجع، وإنها كانت بتبعت خطابات على عنوان قديم.

ـ خطابات لمين؟

ـ لأمك.

قلبي دق بسرعة.

ـ وعندك الخطابات دي؟

هزت راسها.

ـ عندي صور منها، لكن الأصل كان ضايع. لقيت بعضها في بيت أمينة، وبعضها عند محامي قديم كان بيتابع شؤون أمي.

طلعت من شنطتها ملفاً صغيراً، وفتحته.

كان جواه صور لخطابات قديمة، بعضها مكتوب بخط أمي، وبعضها بخط فاطمة.

مسكت واحدة، وبدأت أقرا.

“فاطمة،

أنا عارفة إنك زعلانة مني، وعارفة إنك فاكرة إني تخليت عنك. لكن والله العظيم ما كان قصدي أسيبك لوحدك.

أنا دورت عليكي، وروحت العنوان اللي كنتِ سايباه، لكنهم قالولي إنك مشيتي.

لو الرسالة دي وصلتك، أرجوكي ردي عليا.

أنا لسه فاكرة كل حاجة، ولسه مستنياكي.”

التاريخ كان يرجع لأكتر من أربعين سنة.

رفعت عيني لمريم.

ـ أمي كانت بتحاول توصل لها.

مريم هزت راسها.

ـ أيوه. وفيه خطاب تاني من أمي، مكتوب بعده بشهور، بيقول إنها رجعت لنفس العنوان، لكن حد قالها إن صاحبتها سافرت ومش هترجع.

سكتت، وبعدين أضافت:

ـ أمي فضلت فاكرة إن نادية مش عايزة تشوفها. وأمك فضلت فاكرة إن فاطمة مش عايزة ترجع. وكل واحدة فيهم عاشت سنين وهي فاكرة إن التانية هي اللي اختارت البعد.

حسيت إن قلبي اتعصر.

سألتها:

ـ مين اللي كان بيمنع الخطابات توصل؟

مريم بصتلي بجدية.

ـ ده اللي حاولت أعرفه. وفيه دليل بيخليني أشك إن الموضوع ما كانش مجرد سوء تفاهم.

طلعت من الملف صورة ورقة قديمة، عليها توقيع وختم.

قالت:

ـ دي نسخة من مستند كان عند محامي جدي. المستند بيقول إن فيه أرض كانت مخصصة لمريم، بنت فاطمة، لو ثبت إن أبوها هو عبد الرحمن منصور.

بصيت للورقة.

ـ يعني أبويا؟

ـ أيوه. لكن فيه حاجة غريبة. المستند الأصلي اتسحب من الملف بعد وفاة جدي، والنسخة دي هي الدليل الوحيد اللي قدرت أوصل له.

قلت:

ـ ورأفت كان عارف؟

ـ كان عارف جزءاً من الحكاية. أنا قابلته لأول مرة من سنين، بعد ما وصلت لاسمه عن طريق محامي كان بيساعد أمك. في البداية، هو حاول يساعدني، لكنه كان خايف يواجهك بالحقيقة.

ـ هو قاللي إنك رفضتي الفلوس.

ابتسمت مريم.

ـ أنا ما كنتش بدور على فلوس. لو كنت عايزة فلوس، كان عندي طرق تانية أطالب بيها بحقي. أنا كنت عايزة أعرف أمي كانت بتحبني ولا لأ، وأعرف إذا كان ليا حد في الدنيا.

سكتت شوية، وبعدين قالت:

ـ لما عرفت إن أمك ماتت، حسيت إن آخر باب ممكن يوصلني للحقيقة اتقفل. وبعدها عرفت إنك لسه عايشة، وإنك متجوزة وعندك أولاد. كنت عايزة أجيلك، لكن رأفت طلب مني أستنى.

ـ وكان بيقولك إيه؟

ـ كان بيقول إنك مش مستعدة، وإنك لو عرفتي الحقيقة فجأة ممكن تتأذي. في البداية صدقته، لأنني كنت فاكرة إنه بيحاول يحميكي. لكن مع مرور السنين، بدأت أحس إنه بيحميني أنا كمان من مواجهة حاجة هو نفسه مش قادر يواجهها.

بصيتلها طويلاً.

ـ وإنتِ زعلانة منه؟

مريم فكرت شوية، وبعدين قالت:

ـ زعلانة من الوقت اللي ضاع، لكن مش عايزة أقضي بقية عمري ألوم الناس. أنا تعبت من الانتظار يا نادية. مش عايزة أعيش باقي حياتي وأنا مستنية اعتذار من حد مات، أو إجابة من حد خايف يتكلم.

مديت إيدي فوق الطاولة، وغطيت إيدها بإيدي.

ـ أنا آسفة.

مريم بصتلي باستغراب.

ـ إنتِ بتعتذري عن إيه؟

ـ عن كل السنين اللي إنتِ كنتِ فيها لوحدك، وأنا ما كنتش أعرف إنك موجودة.

عينيها دمعت.

ـ إنتِ ما كنتيش تعرفي. مش ذنبك.

ـ بس لو كنت أعرف، كنت هفضل أدور عليكي لحد ما ألاقيكي.

ابتسمت مريم، لكن دموعها نزلت.

ـ كنت بتمنى أسمع الجملة دي من حد من عيلتي من زمان أوي.

في اللحظة دي، ما قدرتش أمنع نفسي من إني أقوم وأحضنها.

حضنتها بقوة، وهي فضلت ساكتة، وبعدها بدأت تعيط.

ما كانش عياط واحدة قابلت أختها لأول مرة وبس.

كان عياط سنين طويلة من الوحدة، وأسئلة بلا إجابات، وأعياد ميلاد عدت من غير ما حد من عيلتها يفتكرها، وأيام كانت بتتمنى فيها لو عندها أخت تحكيلها عن خوفها وأحلامها.

وأنا كمان كنت بعيط.

كنت بعيط على طفلة اسمها مريم، قضت عمرها بتدور على بيتها، وعلى نفسي، اللي عاشت أربعين سنة من غير ما تعرف إن فيه جزءاً من عيلتها مفقود.

بعد ما هدينا، قعدنا نتكلم بالساعات.

حكتلي عن أمينة، الست اللي ربتها، وعن المدرسة اللي كانت بتروحها، وعن أول شغل اشتغلته، وعن جوازها، وعن ابنها الوحيد كريم، اللي بقى مهندس وعنده طفلين.

وحكيتلها عن سارة وأحمد، وعن جوزي رأفت، وعن حياتنا اللي كانت بسيطة في البداية، وبعدين اتغيرت مع مرور السنين.

ضحكنا لما اكتشفنا إننا الاتنين بنحب نفس نوع الكحك، وإننا بنكره القهوة السادة، وإننا بنفضل نصحى بدري حتى في الإجازات.

كانت تفاصيل صغيرة، لكنها خلتني أحس إننا مش غريبتين تماماً.

فيه حاجة مشتركة بينا، حتى لو ما عرفناش نحددها.

وقبل ما نمشي، مريم فتحت شنطتها وطلعت ظرفاً صغيراً.

قالت:

ـ فيه حاجة كنت محتفظة بيها، وكنت مستنية اليوم اللي أقابلك فيه عشان أديهالك.

فتحت الظرف، ولقيت جواه صورة قديمة لأمي وهي شابة، واقفة جنب فاطمة قدام مشغل خياطة.

كانت أمي بتضحك، وفاطمة حاطة إيدها على كتفها، وفي إيد فاطمة التائية طفلة صغيرة ملفوفة في بطانية.

على ظهر الصورة، كانت ف
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى