
الساعة 11:14 من ليلة خميس والمطر كان نازل بغزارة على القاهرة، وطارق المنشاوي صب لنفسه كوباية عصير، وقعد مستني المساعدة الجديدة في الدور التالت تحت، مستخبية جوه العين البرونزية لساعة حائط أثرية، كانت كاميرا صغيرة بتراقب كل ركن في مكتبته الخاصة. طارق كان مركبها بعد ما الفلوس بدأت تختفي من أوض محدش بيدخلها غير العاملين في البيت، وبعد ما نوال عبدالسلام، الست اللي كانت ماسكة بيت عيلة المنشاوي بقالها حوالي خمستاشر سنة، فضلت طول التلات أيام اللي فاتوا تردد نفس الاتهام: مريم الشاذلي، الخادمة الجديدة. الست الممتلئة اللي عينيها هادية، وجزمتها قديمة ومبهدلة، وعندها عادة غريبة إنها تفضل حوالين المكتبة بعد ما كل اللي في البيت يناموا.
طارق كان متوقع يشوفها وهي بتفتح الخزنة اللي في الحيطة. لكن الساعة 11:17، شاف راجلين ملثمين بيدخلوا من باب التراس، وسمع واحد منهم بيهمس إن ابن أخوه اللي عنده ست سنين نايم على بُعد أمتار قليلة. وبعدين شاف الست اللي كان متهمها في السر بالسرقة، وهي بترفع قطعة حديد من جنب المدفأة وبتقف بنفسها بين اتنين مقتحمين وبين طفل بقاله ست شهور ما نطقش كلمة واحدة.
قبل ما طارق يوصل لسلم الدور التاني، كان واحد من الراجلين راكع على الأرض. وقبل ما يوصل للمكتبة، كان التاني بيصرخ. وقبل ما طارق يفهم مريم مستعدة تضحي بنفسها عشان مين، كانت حقيقة الشخص اللي خان عيلته واقفة بالفعل جوه بيته.
طارق المنشاوي بنى حياته كلها على الشك. في دوائر رجال الأعمال الكبار في القاهرة، كان طارق المالك الأكبر لشركة المنشاوي للنقل والخدمات اللوجستية، إمبراطورية كبيرة بتسيطر على مخازن وشاحنات ومستودعات خاصة في القاهرة والإسكندرية ومدن تانية. لكن في الأوض اللي الصفقات فيها عمرها ما كانت بتتكتب على ورق، الناس كانت بتسميه باسم تاني: “المدير التنفيذي الأول”. ورث عن أبوه الشركة الكبيرة، الأب اللي قضى بعدها طارق اتناشر سنة بيخلي الشركة أهدى وأغنى وأصعب في الوصول ليها.
طارق ماكانش بيحب الصدامات، هو بس كان فاهمها. الصدامات بالنسباله كانت حسابات بيعملها أشخاص طماعين. وهو عاش لأنه كان بياخد باله من التفاصيل اللي غيره ماكانش بيشوفها: سواق ظهر فجأة لابس ساعة تمن مرتب تلات شهور، مدير مخزن بطل يبص في عيون الناس، قريب ليه فاتورة أكله قليلة بشكل غريب لأن حد تاني كان هو اللي دفع الحساب.
طارق كان بياخد باله من كل حاجة. وعشان كده، الفلوس اللي اختفت ماكانتْش هي أكتر حاجة مضايقاه. اللي كان مضايقه فعلًا هو احتمال إن حد من جوه بيته فاكر إنه يقدر يضحك عليه.
نوال كانت قدمت له الدليل بعد الضهر: تلاتة آلاف دولار اختفوا من مكتب مقفول، ودبوس كرافتة من الألماس اتحرك من أوضته واتحط على ترابيزة في الطرقة، ومريم اتشوفت مرتين وهي واقفة قريب من الخزنة القديمة اللي في الحيطة. قالت نوال وهي واقفة قدامه: “هي بتعمل نفسها بريئة.” طارق بص لها ببرود: “بريئة من إيه؟”
نوال ضيقت شفايفها وقالت: “الستات اللي زي دي بيعرفوا يبانوا مساكين.” طارق سألها: “ستات زي إيه؟” نوال ردت بعد لحظة: “الستات المحتاجة.”
مريم الشاذلي كان عندها واحد وتلاتين سنة. في طلب التوظيف بتاعها كان مكتوب إنها قضت كذا سنة بتعتني بقريب مسن ليها، وإنها رجعت مؤخرًا تشتغل في خدمة البيوت. ماكانش عندها مراجع من بيوت كبيرة، ماكانش معاها شهادة جامعية، ماكانش ليها جوز، وماكانش عندها عنوان ثابت غير شقة صغيرة في منطقة شعبية غرب القاهرة. وكان واضح عليها إنها مرهقة طول الوقت.
طارق لاحظ ده برضه. أول يوم ليها، وصلت قبل ميعادها بعشرين دقيقة. نوال ادتها يونيفورم رمادي غامق، وكان واضح جدًا إنه ضيق عليها. مريم ما قالتش حاجة. بحلول الضهر، القماش الناشف كان بيجرح جلدها حوالين وسطها. وبالليل، المنطقة تحت رقبتها كانت اتحكت لحد ما بقت حمرا ومؤلمة. ومع ذلك، ما قالتش حاجة.
السكوت ده كان مضايق طارق، مش لأنه شايفه دليل على إنها مشبوهة، لكن لأنه كان عارف السكوت ده: ده سكوت شخص اتعلم إن الاعتراض على الناس القاسية بيخليهم يدوروا على طرق أقسى يعاقبوه بيها.
لكن الساعة 11:14 الليلة دي، التعاطف ماكانش السبب اللي خلّى طارق قاعد في مكتبه بيتفرج على كاميرات المكتبة. هو كان سايب باب المكتبة مفتوح عمدًا، وحط ستة آلاف دولار جوه الخزنة، وطلّع حرس الليل من الممر الداخلي، وخلاهم يتمركزوا عند البوابة الخارجية. كانت دي مصيدة.
ظهرت مريم على الشاشة الساعة 11:16. طارق مال بجسمه لقدام. هي ما كانتش بتبص للخزنة، كانت راكعة جنب الحائط، وجردل كان موجود جنبها. أكمامها كانت مرفوعة لأعلى قد ما اليونيفورم الضيق يسمح. كانت بتفرك بقعة على الأرض جنب المكتبة، وفجأة
وقفت، وحطت إيدها على أسفل ضهرها، وبعدها رجعت تكمل التنظيف.
طارق بص لساعته. هي بدأت شغلها الساعة ستة الصبح. فكه اتشد: ليه نوال لسه مشغلاها لحد نص الليل؟ قبل ما يمد إيده ناحية تليفونه، لوحة الأمن اللي جنب الشاشة نورت: دخول من التراس.
طارق قطب جبينه. أبواب تراس المكتبة كانت بتتقفل مغناطيسيًا كل ليلة. لكن على الشاشة، مقبض الباب اتحرك. دخل راجلين لابسين جاكيتات غامقة ومغطين وشهم. الأول كان بيتحرك بحذر شديد، والتاني قفل الباب وراه.
مريم اتجمدت مكانها جوه ظل موجود بين المدفأة ومكتبة الكتب. طارق حط الكوباية على الترابيزة. الراجل الأطول أشار ناحية الممر الشرقي وهمس: “الباب التاني.” طارق حس ببرودة بتسري في جسمه. التاني سأله: “والواد؟” رد الأول: “أيوه… خليه هادي من غير شوشرة.”
آدم. طارق كان بيتحرك قبل حتى ما يستوعب الكلمة. فتح درج مكتبه بعنف، طلع جهاز الإنذار اللاسلكي، وجري.
من ست شهور، كان آدم المنشاوي طفل بيضحك بصوت عالي، بيطلع فوق العفش، بيكره الجزر، وكان قادر يقول أسماء كل الديناصورات الموجودة في موسوعة الأطفال بتاعته. وبعدين عربية نقل عدت الإشارة الحمرا في تقاطع مليان ميه. طارق كان هو اللي سايق، وأخته سارة كانت قاعدة جنبه، وآدم كان قاعد ورا. طارق لسه فاكر صوت حادث الاصطدام، فاكر سارة وهي بتلف ناحية ابنها وترمي نفسها عليه في اللحظة اللي العربية اتخبطت فيها. طارق نجا، وآدم نجا، لكن سارة أصيبت وغابت عن الوعي واختفت من حياتهم. ومن الليلة دي، آدم ما نطقش كلمة واحدة.
طارق جاب له أطباء نفسيين، وأخصائيين، ومدرسين، وكلاب، وأوضة للرسم، وبطاطين تقيلة، ودرجة حراسة كانت تكفي لحماية شخصية مهمة. ولا حاجة قدرت ترجع ابن أخته الصغير اللي كان بيضحك.
ودلوقتي راجلين بيمشوا ناحية أوضته. طارق نزل سلالم المكتب بخطوتين في كل درجة، بص على كاميرات الأمن من تليفونه وهو بيجري. الراجلين عدّوا من جنب المكان اللي مريم مستخبية فيه.




