روايات وقصص

الخادمه والزعيم شروق خالد

مريم اتحركت. ما صرختش، ما جريتش، مدت إيدها وخطفت قطعة الحديد التقيلة اللي كانت جنب المدفأة، ووجهت ضربة منخفضة. الراجل الأول وقع على الأرض. التاني لف ناحيتها بسرعة وتجهّم. مريم رفعت قطعة الحديد قدام جسمها وهي بتتنفس بصعوبة، لكنها ما رجعتش خطوة واحدة.

الراجل قال لها: “غلطتك إنك وقفتي في طريقي.” مريم بصت ناحية الممر المؤدي لأوضة آدم، وبعدين بصت له وقالت بصوت ثابت رغم الرعب: “مش هتوصله.”

وفي اللحظة دي، دوّى صوت طارق من آخر الممر: “ابعد عنها!” الراجل لف بسرعة، لكن طارق كان وصل وانقض عليه، أما مريم ففضلت واقفة قدام باب الممر، ماسكة قطعة الحديد بكل قوتها.

طارق بص لها لحظة، وكأنه لأول مرة يشوفها بجد. الست اللي اتهمها بالسرقة، الست اللي كان فاكر إنها أضعف شخص في البيت، الست اللي كانت بتشتغل من ستة الصبح لحد نص الليل وهي ساكتة، دلوقتي كانت واقفة قدامه مستعدة تتلقى ضربة عشان طفل مش ابنها.

لكن قبل ما أي حد يتحرك، صدر صوت خافت جدًا من آخر الممر. صوت صغير، مبحوح، كأنه خارج من حنجرة نسيت الكلام من زمان: “ماما…”

كل الموجودين اتجمدوا. طارق لف ببطء ناحية أوضة آدم. مريم وشها شحب، والراجل بص ناحيتها بصدمة. أما طارق، فحس إن قلبه وقف. آدم… نطق.

الجزء الثاني

طارق حس إن الدنيا كلها وقفت. هو سمع الكلمة بوضوح: “ماما.” صوت آدم بعد ست شهور من الصمت. طارق بص لمريم، وبعدين بص ناحية باب أوضة آدم: “آدم؟” مفيش رد. طارق قرب خطوة: “آدم… حبيبي؟”

وفجأة سمع صوت خبط جامد جوه الأوضة. الراجل المقتحم استغل اللحظة وحاول يهرب، مريم صرخت: “خد بالك!” طارق لف بسرعة وشبّك مع الراجل ووقعوا على الأرض، وبدأ يثبته لحد ما السيطرة تمت عليه تمامًا. أما الراجل الأول، اللي كان لسه واقع على الأرض، فحاول يقوم. مريم شافته، مسكت مزهرية تقيلة من على الترابيزة وضربته بيها على كتفه. صرخ ووقع تاني.

طارق بص لها وهو مش مستوعب: “إنتِ… إنتِ بتعرفي تدافعي عن نفسك؟” مريم كانت بتنهج: “مش وقت الأسئلة.” وبعدين جريت ناحية أوضة آدم.

طارق جري وراها. لكن أول ما فتحوا الباب، اتصدموا: السرير كان فاضي، الشباك مفتوح، والستارة بتتحرك مع الهوا والمطر. طارق حس إن الدم نشف في عروقه: “آدم!” جري ناحية الشباك. لكن مريم مسكته من دراعه: “استنى!” طارق صرخ فيها: “ابن أخويا اختفى!” مريم بصت للأرض، وبعدين أشارت للستارة: “هو ما خرجش من الشباك.” طارق بص لها باستغراب: “إنتِ عرفتي منين؟” مريم نزلت على ركبتها، ومدت إيدها تحت السرير، طلعت لعبة عربية صغيرة، وبصت على عجلة منها: “كان هنا.” طارق قرب: “مين؟” مريم رفعت عينيها له: “آدم… حد خدّه من الأوضة قبل ما إحنا ندخل.”

طارق حس بغضب هائل: “مستحيل.” مريم أشارت للأرض، كان فيه أثر طين صغير: “بص.”

طارق ركع: آثار جزمة، مش آثار الراجلين اللي دخلوا من التراس، آثار أصغر، وكأن شخص كان شايل آدم وخرج من باب تاني.

طارق رفع عينيه بسرعة: “الباب السري.” مريم ما فهمتش. طارق قام وجرى ناحية مكتبة الكتب، حرك كتاب قديم، مفيش حاجة حصلت. حرك كتاب تاني، ثم ضغط على تمثال صغير. صدر صوت طقطقة، والمكتبة اتحركت ببطء. ظهر ممر ضيق وراها.

مريم شهقت. طارق دخل الممر، كان مظلم، لكنه سمع صوت حركة من بعيد: “آدم!” المرة دي جاء الرد: صوت بكاء مكتوم. طارق جرى. لكن بعد عشر خطوات، لقى الممر بينتهي عند باب حديد. الباب كان مفتوح، وخلفه ممر خارجي والمطر كان بينزل عليه.

طارق وقف للحظة. على الأرض كان فيه بطانية صغيرة تخص آدم، رفعها بإيده، كانت مبلولة.

مريم وصلت وراه، ولما شافت البطانية، قالت بصوت منخفض: “هو لسه قريب.”
طارق بص لها: “إنتِ متأكدة؟”
“أيوه.”
“إزاي؟”
مريم أشارت للبطانية: “لو كان اتخطف من وقت، كانت بقت ساقعة.”
طارق بص لها: “يعني؟”
“يعني اللي أخده لسه قريب.”

وفجأة، سمعوا صوت عربية بتتحرك من الجراج. طارق جري ناحية الباب، خرج للمطر، وصرخ: “افتحوا البوابة!”
لكن قبل ما الحراس يتحركوا، العربية السوداء كانت خرجت من البوابة الرئيسية.
طارق وقف مكانه، وبعدين صرخ: “العربية التانية!”
الحارس رد: “مفيش عربية تانية يا باشا!”

طارق لف له: “إنت متأكد؟” الرجل بلع ريقه: “أيوه.”

طارق بص للشارع، العربية السوداء اختفت. مريم وقفت جنبه وقالت بهدوء: “العربية ما خرجتش من البوابة.” طارق لف لها: “إيه؟” “خرجت من الطريق الخلفي.” طارق بص لها بصدمة: “إنتِ عارفة المكان ده؟” مريم ما ردتش. “مريم!” فضلت ساكتة. طارق قرب منها: “إنتِ مين؟” عينيها لمعت بالدموع: “أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.” طارق قبض إيده: “مين إنتِ؟” مريم بصت ناحية القصر: “أنا مش جاية أسرقك يا طارق.” “أمال جاية ليه؟” سكتت ثواني، وبعدين قالت: “جاية أحمي آدم.”

طارق اتجمد: “من مين؟” مريم رفعت عينيها له: “من الناس اللي أذوا أمه.” طارق حس إن صدره اتقفل: “إنتِ بتقولي إيه؟” “أختك ما غابتش بسبب الحادثة بس.” طارق رجع خطوة: “إنتِ بتكدبي.” “أنا شفت التقرير الأصلي.” “التقرير قال حادثة.” “التقرير اللي عندك، آه.” مريم قربت منه: “لكن التقرير الحقيقي اتخفى.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى