
ما ردش على السؤال.
قال:
“اسمعيني كويس. أبويا مش عارف كل حاجة، وأنا كمان ما كنتش عارف الحقيقة كاملة. بس لو الورق ده وصل لجهة غلط، ناس كتير ممكن تتظلم.”
قلتله:
“لو عندك معلومات حقيقية، تقدر تقولها للمحامي.”
قال بعصبية:
“أنا مش هتكلم مع محامي. أنا هتكلم معاكي إنتِ.”
رديت:
“بعد اللي عملته فيا، ما بقاش بينا ثقة تسمح بالكلام ده.”
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال:
“أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده.”
قلت:
“إنت ما كنتش تعرف إنك هتضربني؟ ولا ما كنتش تعرف إنك هتخاف من الملفات؟”
ما ردش.
لأول مرة، ما كانش عنده إجابة جاهزة.
بعدها قال بصوت منخفض:
“أنا غلطت معاكي.”
كنت مستنية الاعتذار ده من يوم ما خرجت من الفيلا، لكن لما سمعته، ما حسيتش بالراحة اللي كنت متخيلها.
قلتله:
“الغلط مش كلمة تتقال بعد ما تكتشف إن الطرف التاني مش هيخاف منك.”
قال:
“أنا مستعد أصلح كل حاجة.”
رديت:
“فيه حاجات ما بتتصلحش.”
وبعدين قفلت.
في اليوم التالي، سامح بدأ يتواصل مع الجهة القانونية المختصة لمعرفة الطريق الصحيح لتسليم أي معلومات قد تكون مرتبطة بمخالفة مالية، من غير ما نكشف بيانات سرية أو نوجه اتهامات غير مثبتة.
وفي نفس الوقت، استمر ملف الطلاق بشكل منفصل.
ما كنتش عايزة أعيش أسيرة لاسم عيلة الشناوي، ولا أحوّل حياتي لمعركة طويلة لمجرد إني أقدر أحرجهم.
كنت عايزة حقي، وعايزة الحقيقة تظهر لو فيه شيء يستحق التحقيق.
لكن اللي حصل بعدها غيّر كل شيء.
بعد أسبوع، فؤاد الشناوي طلب مقابلة أبويا في مكتب المحامي، بعيدًا عن البيت والشركة.
أبويا وافق، بشرط يكون سامح موجود.
وصل فؤاد في معاده، لكنه المرة دي ما كانش لابس نفس الثقة اللي دخل بيها بيتنا أول مرة.
حط ملف أسود على المكتب، وقعد.
قال:
“أنا عارف إن اللي حصل مع مريم ما يتقبلش. ومش جاي أطلب منكم تتنازلوا عن حقها.”
سامح رد:
“إحنا موجودين عشان نسمع، لكن أي اتفاق لازم يكون واضح ومكتوب.”
فؤاد أومأ.
فتح الملف، وطلع مجموعة مستندات.
“دي أوراق تخص المشروع اللي اتراجع من سنتين. أنا عايز أوضح إن الإدارة وقتها طلبت مراجعة داخلية، وإن بعض الإجراءات اتعملت من غير ما توصلني كل تفاصيلها.”
أبويا سأله:
“هل بتقول إنك ما كنتش عارف بالملاحظات؟”
فؤاد بص له وقال:
“أنا كنت عارف إن فيه ملاحظات، لكن ما كنتش عارف إن بعض الملفات اتنقلت من الأرشيف بالطريقة دي.”
سامح سأله:
“وعرفت إمتى؟”
فؤاد سكت، وبعدين قال:
“من أيام.”
قلتله:
“وليه ما اتكلمتش من سنتين؟”
بصلي.
“لأني كنت فاكر إن الموضوع خلص، وإن المراجعة الداخلية قفلت كل الملاحظات. ولما عرفت إن فيه مستند ناقص، بدأت أراجع كل حاجة من جديد.”
سامح ما اكتفاش بكلامه، وطلب الاطلاع على المستندات من خلال القنوات القانونية، والتأكد من صحتها ومصدرها.
قبل ما الاجتماع ينتهي، فؤاد قال جملة ما كنتش متوقعاها:
“أنا مش بطلب من مريم ترجع لكريم. أنا عارف إن ده قرارها، ومش من حقي أضغط عليها. لكن فيه شخص داخل الشركة كان مسؤول عن نقل المستندات، وأنا محتاج أعرف إذا كان اسمه ظهر في أي ورق عندكم.”
سألته:
“مين؟”
فتح صفحة من الملف، ولفها ناحيتنا.
كان فيها اسم مدير سابق في الإدارة المالية، اسمه شريف الدمنهوري.
ندى كانت ذكرت اسمه قبل كده.
سامح طلب نسخة رسمية من المستندات، وفؤاد وافق إنه يقدّمها للجهة المختصة بنفسه.
لكن قبل ما يقوم، بصلي وقال:
“فيه حاجة لازم تعرفيها. ليلة توقيع العقد، كريم كان موجود فعلًا. لكنه ما كانش صاحب القرار، وما كانش مسؤول عن الأرشيف.”
قلتله:
“ده مش معناه إنه ما يعرفش حاجة.”
فؤاد أومأ.
“عندك حق.”
خرج فؤاد، وأنا فضلت قاعدة ساكتة.
لأول مرة، بدأت أفهم إن الحقيقة ممكن تكون أعقد من الصورة اللي رسمتها في دماغي.
كريم ظلمني، وده شيء ما فيهوش نقاش.
لكن موضوع المستندات محتاج أدلة، مش مجرد غضب أو شك.
بعد يومين، المحامي بلغنا إن المستند اللي اتبعت في الظرف تم تسليمه للفحص، وإنه ما ينفعش نحدد قيمته أو دلالته قبل التأكد من مصدره والتوقيع الموجود عليه.
وفي نفس الوقت، وصلتني رسالة من ندى بتقول فيها إنها مستعدة تدلي بأقوالها رسميًا عن الوقائع اللي شافتها بنفسها.
بدأت الإجراءات تتحرك ببطء، من غير ضجة ولا تهديدات على الإنترنت.
أما كريم، فكان بيحاول يتواصل معايا كل يوم تقريبًا.
مرة يبعت رسالة اعتذار، ومرة يتكلم عن الذكريات، ومرة يقول إن أمه تعبانة وإن العيلة كلها متأثرة باللي حصل.
لكن كل مرة كنت بفتكر فيها إيده وهي بتنزل على وشي قدامهم، كنت بعرف إن الرجوع مش حل.
بعد حوالي شهر، اتحدد موعد لجلسة في إجراءات الطلاق.
وقبل الجلسة بيوم، وصلني اتصال من رقم مكتب المحامي بتاع عيلة الشناوي.
رديت، فسمعت صوت ريهام.
كانت بتتكلم بطريقة مختلفة تمامًا عن أسلوبها القديم.
“مريم، أنا عارفة إنك مش عايزة تسمعيني، بس محتاجة أقولك حاجة.”
قلت:
“اتفضلي.”
قالت:
“أنا آسفة على اللي حصل يوم الفطار.”
سكتُّ.
كملت بسرعة:
“أنا كنت غلطانة لما ضحكت، وغلطانة لما سكتّ. بس فيه حاجة إنتِ ما تعرفيهاش.”
قلت:
“إيه هي؟”
قالت:
“أبويا عرف إن فيه مستندات قديمة اتفتحت تاني، وكريم من يومها مش بينام. هو مش بس خايف على الشركة، هو خايف من حاجة تانية.”
سألتها:
“إيه الحاجة التانية؟”
ريهام اترددت، وبعدها قالت:
“قبل الفرح بأسبوع، كريم طلب مني أراجع ملف في مكتبه. أنا ما كنتش أعرف إنه متعلق بالمشروع القديم، لكن شفت فيه اسمك واسم والدك. ولما سألته، قال لي إن الموضوع مجرد تشابه أسماء.”
قلبي اتقبض.
“وإنتِ عملتي إيه؟”
قالت:
“ما عملتش حاجة. بس بعد ما خرجت من المكتب، شفت ورقة واقعة جنب الطابعة. كانت فيها ملاحظة مكتوبة بخط إيده، بتقول إن لازم يتأكد إن النسخة القديمة مش موجودة عندك.”
سكتُّ لحظة.
“إنتِ متأكدة إن الخط خطه؟”
قالت:
“أنا أخته، وبعرف خطه. بس أنا ما صورتش الورقة، وما خدتش منها نسخة.”
سألتها:
“وليه بتقوليلي ده دلوقتي؟”
صوتها اتهز.
“لأني عارفة إن اللي حصل لك كان غلط. وأنا مش عايزة أبقى زيهم، أفضّل ساكتة عشان أحمي نفسي.”
قلت لها:
“لو عندك معلومات، قوليها للمحامي، وما تحاوليش تجيبي أو تنقلي أي مستندات من غير إذن.”
وافقت، وقفلت.
اتصلت بسامح فورًا، وبلغته بكل اللي قالته ريهام.
قال لي إن كلامها ممكن يكون مهم، لكنه لسه مجرد رواية محتاجة تتأكد، وإنه هيتواصل معاها بالطريقة القانونية المناسبة.
في اليوم التالي، حضرت جلسة الطلاق.
كنت لابسة بدلة بسيطة، وشعري مرفوع، وما حطيتش أي مكياج غير خفيف.
كريم كان واقف بعيد عني، ولما شافني، قرب خطوة.
قال بصوت واطي:
“مريم، ممكن نتكلم دقيقتين؟”
بصيتله.
“لو عندك حاجة تخص الإجراءات، كلم المحامي.”
قال:
“أنا عايز أقولك إني ندمان.”
رديت:
“الندم الحقيقي كان لازم يظهر قبل ما إيدك تتمد عليا، مش بعد ما اكتشفت إني مش هسكت.”
نزل عينه.
لأول مرة، ما حاولش يبرر.
بدأت الجلسة، واتكلم المحاميان عن الإجراءات والحقوق والطلبات المقدمة.
ما كانش فيه مشهد انتصار صاخب، ولا حد صرخ، ولا حد اتفضح قدام الناس.
كان فيه قرار بيتاخد بهدوء، بعد ما الثقة انتهت، وبعد ما بقى واضح إن الحياة بينا مش هتستمر.
وفي نهاية الجلسة، خرجت من المبنى وأنا حاسة إن حملًا كبيرًا اتشال من على صدري.
لكن لسه كان فيه شيء ناقص.
بعد أسبوع، الجهة المختصة طلبت الاطلاع على مجموعة من السجلات الأصلية المتعلقة بالمشروع القديم، بعد ما وصلتها مستندات ومعلومات من أكتر من طرف.
ندى قدمت أقوالها عن الوقائع اللي شهدتها بنفسها.
وفؤاد قدم مستندات الشركة الرسمية.
أما ريهام، فوافقت على توضيح اللي شافته في مكتب كريم، من غير ما تدعي إنها تعرف أكثر مما تعرف.
بدأت المراجعة، وكل شخص بقى مسؤول عن كلامه ومستنداته.
وبعد فترة، ظهرت نتيجة أولية أكدت وجود اختلافات تحتاج إلى استكمال الفحص، لكنها ما حسمتش مسؤولية أي شخص بعينه.
كان واضح إن الموضوع لسه محتاج وقت.
وفي وسط كل ده، كنت أنا بحاول أرجع لحياتي.
رجعت لشغلي، وبدأت أخرج مع أمي، وأقضي وقت مع أبويا، وأتعلم من جديد إزاي أعيش من غير ما أفضل مستنية مكالمة من كريم أو رسالة من حد من عيلته.
ما كنتش سعيدة طول الوقت.
كان فيه أيام بصحى فيها من النوم وأنا فاكرة نفسي لسه في الفيلا، وبسمع صوت الكوبايات على السفرة، وبفتكر اللحظة اللي إيده نزلت فيها على وشي.
لكن بدل ما ألوم نفسي، كنت بفكر في حاجة واحدة.
أنا خرجت من البيت ده قبل ما يتحول سجني.
وبعد حوالي تلات شهور، وصلني إخطار رسمي بإن إجراءات الطلاق وصلت لمرحلة متقدمة، وإن باقي التفاصيل هتُستكمل وفق القانون.
في نفس الأسبوع، المحامي اتصل بيا وقال إن فيه تطور مهم في ملف الحسابات.
اتضح من مراجعة السجلات إن المستند الأصلي اتنقل من الأرشيف بأمر إداري، وإن التوقيع الموجود على صورة المستند لا يكفي وحده لتحديد المسؤولية، لكن سجل النقل والمراسلات المرتبطة بيه ساعدوا في تحديد الأشخاص اللي لازم يتسألوا عن الواقعة.
وكان اسم شريف الدمنهوري من بين الأسماء اللي اتطلب منها تقديم توضيحات.
أما اسم كريم، فظهر في مراسلة لاحقة تخص طلب مراجعة ملف المشروع قبل الفرح بفترة، لكن المراسلة وحدها ما أثبتتش إنه كان يعرف بوجود مخالفة أو إنه شارك في إخفاء أي مستند.
سامح قال لي:
“إحنا لازم نفرق بين اللي نعرفه واللي بنشك فيه. اللي حصل في جوازك ثابت عندك من خلال الوقائع والرسائل، أما ملف الشركة فله طريقه، ولازم يفضل بعيد عن أي استنتاجات شخصية.”
وافقت.
كنت أخيرًا قادرة أفصل بين حاجتين اتداخلوا في حياتي بشكل مؤلم.
كريم كان زوجًا اعتدى عليّ، وده سبب كافي إني أرفض الاستمرار معاه.
أما الحسابات القديمة، فكانت قضية لازم تتحسم بالأدلة.
بعد أيام، كريم بعتلي رسالة طويلة.
كتب فيها إنه عارف إنه خسرني، وإنه مش طالب مني أرجع، لكنه عايزني أعرف إن حياته اتغيرت، وإن أبوه بقى يشك في كل قرار بياخده، وإنه بقى مضطر يثبت نفسه من جديد.
قريت الرسالة لآخرها.
وبعدين كتبت له:
“أنا مش مسؤولة عن إصلاح حياتك بعد القرارات اللي أخدتها. أتمنى تتعلم من اللي حصل، لكن كل واحد فينا لازم يكمل طريقه لوحده.”
وبعت الرسالة، وبعدها أغلقت المحادثة.
في اليوم اللي بعده، رحت مع أبويا للمكتب اللي كنا بنراجع فيه المستندات من سنتين، عشان نستلم بعض الأوراق المهنية الخاصة بيه بعد انتهاء الإجراءات.
وأنا خارجة، لقيت ندى واقفة عند الباب.
ابتسمت لي ابتسامة صغيرة وقالت:
“كنت عايزة أشوفك قبل ما أمشي.”
وقفت معاها.
قالت:
“أنا مش عارفة نتيجة المراجعة هتكون إيه، بس على الأقل المرة دي محدش يقدر يقول إننا خبّينا اللي نعرفه.”
قلت لها:
“المهم إن كل واحد يقول الحقيقة على قد علمه، والباقي تسيبيه للجهة المسؤولة.”
هزت رأسها.
وبعدين قالت:
“على فكرة، فيه حاجة عرفتها من سجل قديم. الشخص اللي طلب نقل المستند ما كانش شريف الدمنهوري.”
بصيتلها باستغراب.
“أمال مين؟”
قالت:
“أنا مش هقول اسم من غير ما أكون متأكدة. لكن فيه توقيع إلكتروني مرتبط بالطلب، والجهة المختصة قدرت تحدد الحساب الإداري اللي اتعمل منه.”
سألتها:
“وإيه علاقته بكريم؟”
ردت:
“مش عارفة. لكن الحساب كان تابعًا لإدارة تانية، مش الإدارة المالية.”
حسيت إن القصة لسه فيها تفاصيل ما ظهرتش.
لكن المرة دي، ما حاولتش أجري وراها بنفسي.
قلت لندى:
“لو عندك أي معلومات إضافية، قدميها رسميًا. أنا مش هخلي الموضوع ياخد من حياتي أكتر من حقه.”
افترقنا، ورجعت مع أبويا للبيت.
في المساء، كنت قاعدة في البلكونة، والجو هادي، لما وصلني اتصال من رقم غريب.



