
رديت بحذر.
سمعت صوت رجل ما أعرفوش.
قال:
“أستاذة مريم محمود؟”
قلت:
“أيوه، مين حضرتك؟”
قال:
“أنا مسؤول عن متابعة بعض الإجراءات الخاصة بالمراجعة. فيه مستند جديد ظهر، واسم حضرتك اتذكر فيه.”
سكتُّ لحظة.
“مستند إيه؟”
قال:
“مش هقدر أشرح تفاصيل عبر الهاتف، لكن محتاجين نتأكد من معلومة مرتبطة بملف قديم.”
سألته:
“هل فيه طلب رسمي؟”
قال:
“هيتم التواصل مع المحامي لو احتجنا مستندات إضافية.”
قلت:
“تمام. أي تواصل يكون من خلاله.”
وقبل ما أقفل، سألته:
“ممكن أعرف على الأقل هل المستند له علاقة بكريم؟”
سكت الرجل لثوانٍ، وبعدين قال:
“المستند مرتبط بقرار إداري صدر قبل جوازك بفترة.”
وبعدها أنهى المكالمة.
فضلت قاعدة مكاني، والموبايل في إيدي.
قرار إداري قبل الجواز.
يعني إن اللي حصل في الشركة كان ممكن يكون له جذور أقدم من اللي تخيلناه.
دخلت أمي البلكونة، وحطت شال على كتفي.
“مالك يا مريم؟”
بصيتلها وابتسمت.
“ولا حاجة يا ماما. مجرد موضوع قديم ولسه بيتراجع.”
قعدت جنبي، وبصينا للشارع في صمت.
بعد لحظات، قالت:
“عارفة يا بنتي، ساعات الواحد بيفتكر إن الخروج من مكان مؤذي هو نهاية الحكاية. لكنه بيكتشف بعدين إن أهم حاجة مش إنه يثبت للناس إنه كان صح، أهم حاجة إنه يعرف يعيش من غير ما يفضل مربوط بالمكان اللي وجعه.”
مسكت إيدها.
“أنا بدأت أتعلم ده.”
وبالفعل، بدأت أتعلمه.
ما بقيتش أفتح حساب كريم، ولا أتابع أخبار عيلته، ولا أستنى أعرف إذا كانت الشركة هتتعرض لمشكلة أو إذا كان فؤاد هيضطر يغيّر إدارة المشروع.
كل اللي كنت عايزاه إن حقي يرجع، وإن أي حقيقة تخص المستندات تظهر من غير ظلم لحد.
ومع مرور الوقت، بدأت أستعيد ثقتي في نفسي.
رجعت أشتغل على مشروعات جديدة، وسجلت في دورة متخصصة في المراجعة المالية، وبدأت أفكر في مستقبلي بعيدًا عن فكرة الجواز اللي انتهى قبل ما يكمل شهره الأول.
وفي يوم، وأنا براجع بريدي الإلكتروني، لقيت رسالة من مكتب المحامي.
كان عنوانها: “تحديث بخصوص ملف المراجعة”.
فتحتها.
الرسالة بتوضح إن الفحص وصل لمرحلة جديدة، وإنه تم تحديد مصدر بعض الأوامر الإلكترونية المرتبطة بنقل المستندات، وإن فيه طلبات رسمية هتتوجه للأشخاص المعنيين لسماع أقوالهم.
لكن المرفق اللي كان مع الرسالة كان أهم.
كان صورة لجزء من سجل قديم، عليه رقم مرجعي أعرفه كويس.
رقم الملف اللي ظهر في الظرف البني.
وتحته سطر واحد:
“تم اعتماد نقل المستند بناءً على طلب صادر من مكتب الإدارة التنفيذية.”
ما كانش فيه اسم واضح في النسخة اللي وصلتني، لأن بعض البيانات كانت محجوبة لحين استكمال الإجراءات.
قفلت الرسالة، واتصلت بسامح.
قال لي:
“ما تقلقيش. ده تحديث إجرائي، ومش معناه إننا وصلنا لنتيجة نهائية. إحنا هنلتزم بالمسار الرسمي، ومش هننشر أي حاجة.”
قلتله:
“أنا مش عايزة أنشر حاجة. أنا بس عايزة أعرف الحقيقة.”
رد:
“وده حقك، لكن الحقيقة الكاملة لازم تظهر من مستندات صحيحة، مش من أجزاء متفرقة.”
وافقت، وحطيت الموبايل على المكتب.
في نفس الليلة، وأنا راجعة من الشغل، لقيت عربية واقفة بعيد عن مدخل العمارة.
ما اهتمتش في البداية، لكن لما قربت من البوابة، نزل منها كريم.
كان شكله مختلف عن آخر مرة شفته فيها. وشه مرهق، وملامحه فقدت الثقة اللي كان بيتكلم بيها زمان.
وقف بعيد عني، وما قربش.
قال:
“مريم، محتاج أقولك حاجة، ومش هعطلك كتير.”
بصيتله من غير ما أتحرك.
“اتكلم.”
قال:
“أنا عرفت إن فيه مستند جديد ظهر.”
قلت:
“لو عندك حاجة تخصه، كلم المحامي.”
هز رأسه.
“أنا عارف. بس فيه حاجة لازم تعرفيها عن الليلة اللي اتوقّع فيها العقد.”
سكتُّ.
كمل:
“أنا كنت موجود فعلًا، زي ما أبويا قال. لكن بعد التوقيع، حصل اجتماع تاني، وأنا خرجت منه قبل ما يخلص. تاني يوم، أبويا قال لي إن كل حاجة اتقفلت، وإن مفيش داعي نرجع للموضوع.”
سألته:
“وإنت صدقته؟”
قال:
“آه.”
“وبعدين؟”
نزل عينه.
“بعد ما اتجوزنا، لما عرفت إن عندك ملفات قديمة، بدأت أقلق. مش عشان كنت عارف إن فيه جريمة، لكن عشان كنت خايف إن الموضوع يفتح من جديد، وإن اسمي يظهر لمجرد إني كنت موجود.”
بصيتله طويلًا.
“وده يديك الحق تضربني؟”
رفع عينه بسرعة.
“لأ.”
“يدي لك الحق تهددني؟”
“لأ.”
“أمال إنت جاي تقول لي إيه؟”
اتنفس بعمق وقال:
“أنا جاي أقولك إني كنت غلطان، وإن خوفي خلاني أتصرف بطريقة ما تتغفرش. وأنا مستعد أقول كل اللي أعرفه رسميًا، حتى لو ده هيضر موقفي.”
قلتله:
“اعمل اللي شايفه صح. لكن ما تطلبش مني أصدقك لمجرد إنك بتتكلم بهدوء المرة دي.”
هز رأسه.
“مش هطلب.”
لف عشان يمشي، لكنه وقف بعد خطوتين وقال:
“فيه حاجة تانية. الشخص اللي بعتلك الظرف، أنا ما أعرفوش. لكن الرسالة اللي وصلتلك عن ليلة توقيع العقد، غالبًا اتبعتت من حد كان حاضر الاجتماع التاني.”
سألته:
“مين كان حاضر؟”
رد:
“أبويا، ومدير الإدارة التنفيذية، وشريف الدمنهوري، وشخص رابع ما شفتوش قبل كده. اتقال لي إنه مستشار خارجي.”
حاولت أحافظ على هدوئي.
“اسمه إيه؟”
قال:
“ما عرفتش اسمه. لكن فاكر إنهم كانوا بينادوه بالدكتور.”
وبعدها مشي.
دخلت البيت، وحكيت لأبويا وسامح كل اللي حصل.
سامح قال إن أي معلومة جديدة لازم تتسجل، وإنه هيوجه كريم للإدلاء بأقواله رسميًا لو عنده معلومات تخص الواقعة.
لكن اسم الشخص الرابع فضل معلقًا في ذهني.
مستشار خارجي.
دكتور.
شخص حضر اجتماعًا بعد توقيع العقد، واختفى اسمه من كل المستندات اللي شفتها.
بعد أيام، وصلني إخطار رسمي بطلب الحضور لسماع أقوالي عن بعض الملاحظات المتعلقة بالملف القديم، بحضور المحامي.
رحت في الموعد المحدد، وقدمت كل المعلومات اللي أعرفها، من غير ما أضيف استنتاجات شخصية.
ولما انتهى اللقاء، سامح خرج معايا للممر.
قال:
“إنتِ عملتي اللي عليكي. دلوقتي سيبي الإجراءات تاخد وقتها.”
هزيت رأسي.
لكن قبل ما نخرج من المبنى، موظف ناداني وقال إن فيه ظرف اتسلم للمكتب وموجه ليا.
سامح طلب فحص بيانات المرسل قبل ما نستلمه، وبعد التأكد من الإجراءات، أخدناه.
كان الظرف صغيرًا، ومكتوب عليه اسمي فقط.
جواه صورة لصفحة من محضر اجتماع قديم.
في أعلى الصفحة، كان فيه تاريخ ليلة توقيع العقد.
وتحت أسماء الحاضرين، ظهر اسم فؤاد الشناوي، وشريف الدمنهوري، وكريم فؤاد الشناوي.
أما الاسم الرابع، فكان واضحًا للمرة الأولى.
دكتور ياسر المنشاوي.
وفي أسفل الصفحة، كانت فيه ملاحظة بخط اليد:
“تم الاتفاق على نقل النسخة الأصلية إلى الحفظ الخارجي لحين اعتماد التعديلات النهائية.”
ما كانش فيه توقيع يوضح مين كتب الملاحظة، ولا المستند وحده يثبت إن أي شخص ارتكب مخالفة.
لكن الاسم الرابع فتح بابًا جديدًا في القضية.
سامح طلب الاحتفاظ بالورقة وتسليمها للفحص، وعدم التواصل مع أي شخص مذكور فيها.
وافقت.
وفي طريق العودة، سألت أبويا:
“تفتكر مين الدكتور ياسر المنشاوي ده؟”
أبويا هز رأسه.
“ما أعرفوش. لكن واضح إن الملف أوسع من شركة واحدة، وده سبب إضافي إننا ما نستعجلش.”
عدت الأيام، واستمر التحقيق في المسألة المالية، بينما أنا بدأت صفحة جديدة من حياتي.
ما عدتش مريم اللي واقفة على سفرة الفيلا مستنية حد يقدر تعبها أو يعترف بحقها.
بقيت مريم اللي عرفت إن احترام النفس مش محتاج صوت عالي، وإن الخروج من المكان الغلط مش هزيمة، حتى لو الناس اللي جواه حاولوا يقنعوك بعكس كده.
وفي صباح هادي، وأنا بجهز نفسي للشغل، وصلني آخر إخطار من المحامي بخصوص إجراءات الطلاق.
قريته، وبعدها قفلت الموبايل.
ما حسيتش إني انتصرت على كريم، ولا إني هزمت عيلته.
حسيت إني رجعت لنفسي.
أما ملف الحسابات، فكان لسه مستمرًا في مساره القانوني، من غير أحكام مسبقة أو اتهامات على السوشيال ميديا.
وفي آخر النهار، وأنا قاعدة مع أبويا في البلكونة، سألني:
“لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتتجوزيه؟”
بصيت للشارع، وابتسمت ابتسامة هادية.
“كنت هدي نفسي فرصة أعرفه على حقيقته قبل ما أقول آه.”
أبويا ضحك بخفة وقال:
“وده أهم درس.”
هزيت رأسي.
“لأ يا بابا. أهم درس إني لو اكتشفت الحقيقة متأخر، ما أكملش في الغلط لمجرد إني بدأت.”
وفي اللحظة دي، موبايلي اهتز برسالة جديدة من سامح.
“وصلنا رد رسمي بخصوص هوية المستشار الخارجي. الاسم ظهر في ملف آخر مرتبط بنفس المشروع، والجهة المختصة طلبت ضم الملفين للمراجعة.”
قرأت الرسالة مرة، وبعدين مرة تانية.
ما كنتش عارفة إذا كان الاسم الجديد هيكشف مخالفة فعلية، أو يثبت إن اللي حصل كان نتيجة أخطاء إدارية متراكمة، أو يغيّر الصورة كلها.
لكن لأول مرة، ما حسيتش إني مضطرة أعرف كل شيء في نفس اللحظة.
حطيت الموبايل على الترابيزة، وبصيت لأبويا.
قلتله:
“المهم إننا مش هنخبي حاجة، ومش هنتهم حد من غير دليل.”
أبويا ابتسم.
“بالضبط يا بنتي.”
وبينما كنت ببص للسماء، افتكرت السفرة الطويلة، وطبق الأومليت، والدبلة اللي سبتها جنب الفطار.
وقتها كنت فاكرة إن اللحظة دي هي بداية نهاية عيلة الشناوي كلها.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
اللحظة دي كانت بداية نهايتي أنا من حياة ما كانتش تستحقني.
أما مصير عيلة الشناوي، فكان هيتحدد بالأدلة والقرارات اللي اتاخدت، وبالحقيقة اللي لسه بتظهر واحدة واحدة.
وأنا؟
أنا أخيرًا بقيت حرة.
حرّة من خوفي، ومن محاولتي إرضاء ناس ما احترمونيش، ومن فكرة إني لازم أثبت لأي حد إن خروجي من حياتهم كان قرارًا صح.
في آخر ليلة من الشهر، فتحت درج مكتبي، وطلعت دبلة الجواز اللي كنت حطيتها في علبتها بعد ما رجعت من الفيلا.
بصيتلها للحظات، وبعدين قفلت العلبة وحطيتها في صندوق الحاجات اللي لازم تتسلم ضمن الإجراءات.
ما احتفظتش بيها كذكرى، ولا رميتها في لحظة غضب.
كان مجرد شيء انتهى دوره في حياتي.
قفلت الدرج، وطفيت النور، وخرجت من الأوضة.
وفي الصالة، كانت أمي مستنياني بكوباية لبن دافي، وأبويا بيتفرج على التلفزيون، والبيت كله هادي.
قعدت معاهم، وحسيت لأول مرة من شهور إن بكرة ممكن يكون يومًا عاديًا، من غير تهديدات ولا أسرار ولا خوف من رنة الموبايل.
وبينما كنت بضحك على حكاية بسيطة قالها أبويا، وصل إشعار أخير من سامح:
“تم تحديد موعد جديد لاستكمال سماع الأقوال في ملف المشروع، بعد ظهور مستندات إضافية من الأرشيف الخارجي.”
قريت الإشعار، وقفلت الموبايل.
ما كانش عندي فضول أعرف مين هيطلع غلطان، ولا مين هيضطر يواجه نتيجة قراراته.
كان عندي يقين واحد بس.
أنا مش هرجع للوراء.
لأن يوم ما كريم ضربني على سفرة الفطار، كان فاكر إنه بيكسرني قدام أهله.
لكنه ما فهمش إن اللي اتكسر في اللحظة دي كان آخر خيط بيربطني بحياة ما كنتش شايفة حقيقتها.
ومن اليوم ده، ما بقيتش محتاجة أنتقم.
سيبت كل واحد يواجه اختياراته، وسيبت الحقيقة تاخد طريقها.
أما أنا، فبدأت أعيش من جديد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




