
كانت أم تعيش بمفردها نائمة في هدوء تام على الكرسي رقم اثنا عشر (أ) عندما فجأة سأل الكابتن بصوت مسموع: هل يوجد طيار مقاتل على متن الطائرة؟ كانت على وشك أن تظل صامتة وكأنها لم تسمع شيئاً ولكن مضيفة الطيران وقفت بسرعة بجانبها وهمست لها بصوت مرتجف: يا فندم، إحنا محتاجين مساعدتك ضروري، وأخيراً اعترفت كارولين بأنها كانت في يوم من الأيام طيارة حربية وبطيرة طائرات إف ستين في سلاح الجو، ولكن اللحظة اللي دخلت فيها قمرة القيادة، القابتان بص لها بذهول وصدمة كاملة لا تصدق. طائرة الركب كانت طايرة فوق المحيط الأطلسي من حوالي ساعتين وفجأة نداء القابتان خلّى الثلاث مية راكب قاعدين في صمت تام ورهيب، لو فيه طيار مقاتل على الطائرة دي، يا ريت يعرف أفراد طاقم الضيافة بنفسه حالاً، محدش كان يتخيل أبداً إن الست التعبانة اللي قاعدة بكل هدوء في الكرسي اثنا عشر (أ) هتطلع هي الشخص اللي الطاقم محتاجه أكتر من أي حاجة في الدنيا، الرحلة اللي كانت مسافرة بالليل من مينيسوتا لمدريد بدات من غير أي مشاكل خالص، أنوار الكابينة كانت واطية، والركاب بيظبطوا قعدتهم عشان الرحلة الطويلة، وصوت المحركات المألوف كان مالي الطائرة كلها، بعض المسافرين كانوا نايمين تحت بطاطين خفيفة، والتانيين كانوا بيتفرجوا على أفلام بالسماعات، وفيه ناس تانية كانت باصة من الشبابيك على الظلام الطويل بره، كارولين اللي عندها ثمانية وتلاتين سنة كانت قاعدة في الكرسي اثنا عشر (أ)، وكانت لابسة بلوفر أخضر بسيط، وفيه بطانية مغطية رجليها، وماسكة كتاب مقفول في ايديها، وبالنسبة لأي حد قاعد جنبها، كارولين كانت باينة عادية خالص ومش ملفتة للنظر، دي طلبت بكل ذوق كوباية مية من مضيفة الطيران، ورفضت تاكل وجبة العشاء، وقضت معظم السفرية وهي محاولة تنام وتريح جسمها، ومفيش أي حاجة خالص في الست اللي باينة عليها التعب دي توحي إنها كانت في يوم من الأيام من أكبر وأشجع الطيارين الحربيين، وقبل سنين كتيرة، كارولين كانت بطيرة طائرات إف ستين في مهمات صعبة جداً والقرارات فيها بتتاخد في ثواني معدودة، وكانت متدربة إنها تفضل هادية وثابتة حتى لو الإنذارات بتزعق وأنظمة الطيارة بتعطل وحياة كل اللي حواليها واقفة على القرار اللي هتاخده، بس بعد حادثة مؤلمة غيرت حياتها كلها، كارولين سابرت الطيران العسكري وقررت تبعد عنه نهائي، مبقتش عايزة المسئولية دي تاني خالص، ومبقتش عايزة أي حد يناديها بلقب القائدة، ومكانتش عايزة أي علاقة بالأوسمة أو المدح أو الناس اللي بتعاملها كأنها بطلة خارقة، وكل اللي كانت طלבاه في الدنيا دي إنها تعيش حياة هادية وعادية جداً، وده كان السبب الأساسي إنها اختارت الكرسي اثنا عشر (أ)، كرسي جنب الشباك، كلام قليل جداً، رحلة بالليل تقدر
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
تذوب فيها وسط زحمة الغرباء وتختفي تماماً، وبعدين القابتان عمل إعلان تاني وقال: يا أهلي ويا رَسْمِي، معاكم الكابتن، إحنا حالاً بنمر بظرف فني محتاج مساعدة فورية، لو أي حد على الطيارة دي عنده خبرة في قيادة الطائرات الحربية، يا ريت يبلغ الطاقم حالاً، والمرة دي القلق اللي كان بينتشر جوه الطائرة كان صعب جداً إن حد يتجاهله، فيه أم قربت طفلها الرضيع لصدرها أكتر، وراجل كبير في السن مد إيده جوه الممر وضغط على إد مراته جامد، والركاب قعدوا يبصوا لبعض بقلق وتوتر، هو طاقم طائرة ركب حديثة زي دي هيحتاج مساعدة طيار حربي في إيه فجأة؟ وإيه اللي بيحصل بجد جوه قمرة القيادة المقفولة؟ كارولين فتحت عينيها ببطء شديد، وكان فيه نبرة في صوت القابتان معظم الركب مكنوش لاحظوا معناها، نبرة تحكم وتوتر مسيطر عليه، وهي كانت عارفة النبرة دي كويس قوي، سمعتها مئات الممرات وهي في الجيش، دي النبرة اللي الطيارين بيستخدموها لما حاجة كبيرة بتبوظ، بس فقدان السيطرة أو نشر الذعر هيخلي الوضع أصعب وأخطر بكتير، مضيفة الطيران عدت بسرعة في الممر وهي بتبص على الركب صف ورا صف، وشغلها المهني كان بيلزمها بالهدوء، بس كارولين قدرت تشوف الخوف اللي كانت المضيفة محاولة تخبيه بكل الطرق، ومهما كان اللي بيحصل، فكان واضح إنه خطير أكتر بكتير من الكلام اللي اتقال في الميكروفون، كارولين نزلت عينيها في الأرض وقالت في نفسها: لأ، الفصل ده من حياتي خلص وفات، وهي كانت وعدت نفسها إنها عمرها ما هتكون تاني الشخص اللي كل الناس بتعتمد عليه أول ما الكارثة تحصل، وفجأة مضيفة الطيران وقفت جنب الصف رقم اتناشر وقالت بصوت واطي: عن إذنك يا فندم، هو أنتي تعرفي لو فيه حد قاعد جنبك عنده خبرة في الطيران العسكري؟ الكابتن محتاج ضروري حد يكون طار بطائرات حربية، كارولين بصت حواليها، الناحية التانية من الممر كانت فيه عيلة قاعدة ومعاها طفلين صغيرين، وقدام بشوية صغيرين كان فيه راجل كبير ومراته ماسكين إيد بعض، وكل حتة بصت فيها كانت بتشوف ناس عادية خالص طايرين آلاف الأقدام فوق المحيط الأطلسي، ومعتمدين بالكامل على الغرباء اللي جوه قمرة القيادة عشان يوصلوهم بلدهم وسلامتهم، ولحظة واحدة كارولين افتكرت الوعد اللي وعدته لنفسها بعد ما سبت سلاح الجو، عمرها ما تحط نفسها في موقف حياة إنسان تاني متوقفة عليها، بس بعد كده ظهرت قدامها ذكرى تانية خالص، حاجة واحد من المدربين بتوعها قالها لها من سنين طويلة، إن الطيار الحقيقي عمره ما بيسيب الناس وراه ويمشي أبداً، كارولين خدت نفس طويل وبطيء وقالت: أنا طيارة، المضيفة بصت لها بستغرب وقالت: نعم؟ مش سامعة كويس؟ كارولين زقت البطانية بعيد وفكت حزام الأمان، وقعدت مستقيمة ومظبوطة، وفجأة فيه حاجة فيها اتغيرت تماماً، المسافرة التعبانة اختفت تماماً، وبدل ما هي قاعدة بقى مكانها الوقف الهادي المنضبط بتاع واحدة قضت سنين بتتحكم في طائرات بتمشي بسرعات خيالية، كارولين قالت بكل ثقة: أنا كنت طيارة مقاتلة في سلاح الجو الأمريكي قبل كده، وكنت بطيرة طائرات إف ستين لسنين طويلة، والركاب اللي كان قاعد جنبها لف راسه بسرعة وقال بذهول: أنتي؟
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
والهمسات بدأت تنتشر بسرعة في الصفوف القريبة، بس كارولين مادتش أي اهتمام لكده خالص، ومضيفة الطيران فضلت باصة لها كذا ثانية وهي واقعة في حيرة بين عدم التصديق والراحة الواضحة، وبعدين نطقت وقالت: تعالي معايا حالا لو سمحتِ، كارولين قامت وقفت، وفي جو الكابينة الهادي بشكل غريب، صوت التكة الصغيرة بتاعت فك حزام الأمان كان عالي جداً كأنه رعد، وعشرات الركب قعدوا يبصوا عليها وهي ماشية ورا مضيفة الطيران لحد قدام في الطائرة، ومع كل خطوة كانت كارولين حاسة كأنها بترجع لورا في الزمن راجعة لحياة فضلت سنين طويلة تحاول تهرب منها بكل طاقتها، بس كارولين مكنتش تعرف لسه إن الخطر الكبير اللي مستنيها الناحية التانية من باب قمرة القيادة ملوش أي علاقة خالص بعطل فني عادي، وده لأن اللحظة اللي هتدخل فيها هتواجه وجهاً لوجه حاجة ليها ارتباط مباشر بالحياة والحادثة اللي ختمت مشوارها في الطيران قبل سنين طويلة، والأكتر من كده رعباً إن فيه حد على الطيارة دي كان عارف أصلاً ومن الأول مين هي كارولين بالظبط.
YES
بما اني عندي حظر تعليقات فباقي القصه هاتلاقيها علي الصفحه دي. عالم السطور وهناك اعملي متابعه عشان يوصلك
كل جديد ❤❤❤❤❤❤❤
المشهد الأول
كارولين وقفت قدام باب قمرة القيادة والمضيفة فتحت لها الباب بسرعة. أول ما دخلت حسّت إن الزمن رجع بيها سنين طويلة في لحظة واحدة.
الكابتن كان قاعد في مقعده ووشه شاحب وعينه على شاشات الطائرة. مساعده كان بيحاول يتعامل مع لوحة التحكم لكن إيده كانت بتترعش.
الكابتن بص لها وقال بصوت متوتر:
“إنتِ كارولين هاربر؟”
كارولين اتجمدت مكانها.
“إنت عرفت اسمي إزاي؟”
الكابتن ما ردش. أشار لها ناحية المقعد التاني وقال:
“اقعدي لو سمحتي. عندنا مشكلة مش عطل عادي.”
كارولين قربت من الشاشات وبصت عليها. خلال ثواني بدأت تلاحظ حاجات محدش غير الطيار القديم ممكن يلاحظها.
قالت:
“إيه اللي حصل؟”
الكابتن رد:
“من حوالي عشرين دقيقة نظام الملاحة بدأ يدي قراءات متضاربة. وبعدها الطيار الآلي فصل لوحده.”
كارولين بصت على مساعد الكابتن.
“وإيه كمان؟”
قال:
“فيه إنذار هيدروليك ظهر واختفى. وبعدها حصلت مشكلة في الاتصال بالأرض.”
كارولين سكتت لحظات وبعدين قالت:
“يعني أنتم مش قادرين تتواصلوا مع مركز التحكم؟”
الكابتن هز راسه.
“الاتصال الأساسي مقطوع.”
كارولين قربت أكتر من لوحة القيادة.
“والاحتياطي؟”
المساعد رد:
“بيشتغل ثواني ويفصل.”
كارولين أخدت نفس طويل.
هي كانت فاهمة إن الأعطال دي لو حصلت واحدة واحدة ممكن الطيار يتعامل معاها.
لكن اجتماعهم في نفس الوقت فوق المحيط الأطلسي وفي نص الليل كان معناه إن فيه حاجة مش طبيعية.
وفجأة الشاشة قدامها أطلقت صوت إنذار حاد.
الكابتن قال:
“دي المشكلة.”
كارولين بصت للشاشة.
المسار اتغير.
الطائرة كانت بتتحرك ناحية الجنوب الشرقي من غير ما الكابتن يأمرها.
كارولين قالت بهدوء:
“مين اللي غير الاتجاه؟”
“محدش.”
“مستحيل.”
الكابتن قال:
“عشان كده طلبنا طيار مقاتل. محتاجين حد عنده خبرة في التحكم اليدوي لو الطائرة فقدت أنظمة المساعدة.”
كارولين مدت إيدها ناحية المقود لكن قبل ما تلمسه وقفت فجأة.
كان فيه شيء غريب.
شيء شافته قبل كده.
مش في طائرة مدنية.
لكن في حادثة قديمة.
حادثة كانت السبب في إنها سابت الطيران كله.
قالت بصوت منخفض:
“اقفلوا نظام الملاحة التلقائي بالكامل.”
الكابتن بص لها.
“ليه؟”
كارولين ردت:
“لأن اللي بيحصل مش عطل.”
سكتت قمرة القيادة كلها.
“حد بيلعب في مسار الطائرة.”
—
المشهد الثاني
في الكابينة كان أكتر من ثلاثمائة راكب عايشين لحظات من القلق من غير ما يعرفوا الحقيقة.
الطائرة بدأت تميل بشكل بسيط.
بعض الناس لاحظوا.
طفل صغير سأل أمه:
“ماما إحنا بنقع؟”
الأم حضنته بسرعة وقالت:
“لأ يا حبيبي الطيارة بتلف بس.”
لكن صوتها نفسه كان بيرتعش.
أما قدام كارولين فالموضوع كان مختلف.
هي كانت مركزة في كل رقم وكل مؤشر.
قالت للكابتن:
“هاتلي سجل الأحداث من أول الرحلة.”
الكابتن فتح النظام.
كارولين بدأت تقرأ.
وفجأة توقفت.
“إيه ده؟”
المساعد قرب منها.
“إيه؟”
أشارت إلى وقت محدد.
“الطائرة استقبلت أمر تغيير مسار قبل ما نظام الملاحة يبدأ يعطل.”
الكابتن قال:
“يعني؟”
“يعني إن تغيير المسار حصل قبل العطل. العطل جه بعده عشان يخليكم تفتكروا إن الاتجاه اتغير بسبب خلل.”
الكابتن فضل ساكت.
وبعدين سأل:
“إنتِ بتقولي إن حد اخترق النظام؟”
كارولين ما جاوبتش فوراً.
كانت بتفكر.
وفجأة عينيها وقعت على شاشة صغيرة في جانب لوحة القيادة.
رقم معين.
رقم محفور في ذاكرتها من سنين.
نفس التسلسل اللي ظهر في حادثة الطائرة العسكرية اللي كانت فيها آخر مهمة ليها.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
قالت:
“مين المسؤول عن صيانة أنظمة الطائرة؟”
الكابتن قال اسم الشركة.
كارولين سألت:
“ومين كان مسؤول عن تحديث النظام قبل الرحلة؟”
المساعد فتح البيانات.
وفجأة سكت.
الكابتن بص له.
“قول.”
المساعد قال:
“مهندس اسمه دانيال موريس.”
كارولين رجعت خطوة لورا.
“دانيال؟”
الكابتن بص لها باستغراب.
“تعرفيه؟”
كارولين ردت بصوت اتغير تماماً:
“كان معايا في سلاح الجو.”
وبعدين أضافت:
“وكان موجود يوم الحادثة اللي خلتني أسيب الطيران.”
قبل ما حد يلحق يسألها أي سؤال، صوت الإنذار رجع تاني.
لكن المرة دي كان أقوى.
الكابتن قال:
“الارتفاع بينخفض.”
كارولين جلست مكان مساعد الطيار وقالت:
“خليك مركز معايا.”
وبدأت تتعامل مع الطائرة بثبات مذهل.
إيديها اتحركت على أدوات التحكم بثقة.
مفيش خوف.
مفيش ارتباك.
المسافرة الهادية اللي كانت من شوية قاعدة تحت البطانية اختفت تماماً.
رجعت كارولين الطيارة.
قالت:
“احنا هنرجع السيطرة للطائرة يدوي.”
الكابتن قال:
“والاتصال؟”
“سيبه دلوقتي.”
“بس لازم نبلغ الأرض.”
“هنتواصل لما نثبت الطائرة.”
وبالفعل بعد دقائق بدأ الارتفاع يستقر.
لكن قبل ما كارولين ترتاح ظهر تحذير جديد.
الكابتن بص للشاشة وقال:
“فيه جسم على الرادار.”
كارولين قربت.
“طائرة؟”
“مش عارف.”
النقطة كانت بتتحرك بسرعة غير طبيعية.
وبعدين اختفت.
كارولين قالت:
“هو مش جسم.”
الكابتن سأل:
“أمال إيه؟”
كارولين بصت له وقالت:
“دي إشارة.”
—
المشهد الثالث
بعد دقائق نجحوا في استعادة جزء من الاتصال.
لكن أول رسالة وصلت من الأرض كانت أغرب مما توقعوا.
“الرحلة 417 الرجاء عدم تغيير الاتجاه الحالي.”
الكابتن رد:
“عندنا مشكلة في نظام الملاحة.”
جاء الرد:
“نحن على علم.”
كارولين رفعت عينيها.
“على علم بإيه؟”
الكابتن سكت.
ثم جاء صوت من الأرض:
“هل الطيار العسكري الموجود معكم داخل قمرة القيادة؟”
كارولين اتجمدت.
بصت للكابتن.
“مين سأل السؤال ده؟”
الكابتن قال:
“مركز القيادة.”
كارولين قربت من جهاز الاتصال.
“أنا هنا.”
الصوت سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
“كارولين؟”
قلبها وقع.
هي تعرف الصوت.
صوت قديم.
صوت رجل كانت فاكرة إنها مش هتسمعه تاني.
“دانيال؟”
الكابتن بص لها بصدمة.
الصوت قال:
“كنت عارف إنك هتدخلي.”
كارولين قربت من الجهاز.
“إنت عملت إيه؟”
ضحك ضحكة قصيرة.
“أنا؟ ولا حاجة.”
“متكدبش.”
“إنتِ أكتر واحدة عارفة إن الطائرة دي مش هي المشكلة.”
كارولين بدأت تفهم.
الحادثة القديمة.
الطائرة العسكرية.
الإنذار.
الخلل المفاجئ.
والقرار اللي اتاخد في ثواني.
وقتها مات واحد من زملائها.
والكل قال إن السبب عطل فني.
لكن كارولين كانت طول عمرها حاسة إن فيه حاجة غلط.
ودانيال كان واحد من الأشخاص اللي شهدوا على التحقيق.
قالت:
“إنت كنت عارف.”
الصوت رد:
“كنت عارف من يومها.”
“وعملت إيه؟”
“حاولت أصلح اللي حصل.”
كارولين غضبت:
“إنت بتحط أكتر من ثلاثمائة إنسان في خطر عشان تصلح اللي حصل؟”
الصوت قال:
“أنا محتاجك إنتِ.”
سكتت.
“ليه؟”
“لأن الطائرة دي متوجهة لمكان معين.”
كارولين بصت للكابتن.
“فين؟”
دانيال قال:
“مدريد مش وجهتكم الحقيقية.”
وفجأة انقطع الاتصال.
الكابتن قال:
“إيه معنى الكلام ده؟”
كارولين كانت بتبص للشاشة.
المسار تغير مرة تانية.
لكن المرة دي التغيير كان واضح.
الطائرة مش رايحة مدريد.
كانت متجهة ناحية منطقة بعيدة في المحيط.
قالت كارولين:
“لازم نرجع للمسار فوراً.”
الكابتن قال:
“إزاي؟”
كارولين ردت:
“يدوي.”
وبدأت تحاول استعادة الاتجاه.
لكن النظام قاومها.
كانت الطائرة كأنها بتشد نفسها ناحية المسار الجديد.
كارولين قبضت على المقود بكل قوتها.
وقالت:
“مش هسيبك تاخد الطائرة دي.”
وفي اللحظة دي دخلت المضيفة قمرة القيادة.
وشها كان أبيض.
قالت:
“يا فندم…”
كارولين بصتلها.
المضيفة قالت:
“فيه راكب بيسأل عليكي.”
“مين؟”
المضيفة طلعت ورقة صغيرة.
“قال إنك هتعرفيه من الجملة دي.”
كارولين فتحت الورقة.
وكان مكتوب فيها:
“الحادثة ما كانتش حادثة.”
—
المشهد الرابع
كارولين فضلت ماسكة الورقة وهي مش قادرة تتكلم.
الكابتن سأل:
“مين كتبها؟”
المضيفة قالت:
“الراكب رفض يقول اسمه.”
“فينه؟”
“في الصف 31.”
كارولين قالت:
“خليه يفضل مكانه.”
لكن قبل ما تكمل ظهر إنذار جديد.
الطائرة بدأت تفقد سرعتها.
الكابتن قال:
“كارولين!”
كارولين تحركت بسرعة.
“ارفع المقدمة شوية.”
“بس السرعة بتقل.”
“عارفة.”
“لو رفعتها أكتر هنفقد الرفع.”
“عشان كده مش هنرفعها كتير.”
بدأت تتعامل مع الطائرة بخبرة قديمة.
كانت بتراقب السرعة والارتفاع وزاوية الميل في نفس اللحظة.
وبعد دقائق صعبة جداً استقرت الطائرة.
الكابتن بص لها بإعجاب ممزوج بالخوف.
“إنتِ عملتي كده إزاي؟”
كارولين ردت:
“أنا اتعلمت زمان إن الطائرة ممكن تكذب عليك لو ركزت في شاشة واحدة.”
وبعدين بصت له.
“لازم نعرف مين الراكب.”
بعد فترة قصيرة المضيفة رجعت.
وقالت:
“الراكب اختفى.”
كارولين استغربت.
“اختفى إزاي؟”
“دورت عليه في الصف 31. الكرسي فاضي.”
الكابتن قال:
“مستحيل.”
المضيفة ردت:
“الركاب اللي حواليه قالوا إنه قام من حوالي عشر دقايق ومشي ناحية الحمامات.”
كارولين قامت.
“هاتولي قائمة الركاب.”
وبمجرد ما وصلت لها بدأت تقرأ الأسماء.
وفجأة توقفت.
اسم واحد.
دانيال موريس.
الكابتن قال:
“هو على الطائرة؟”
كارولين رفعت عينيها.
“أيوه.”
“بس إزاي؟”
كارولين ردت:
“هو مش كان بيتكلم معانا من الأرض.”
سكتت لحظة.
“هو كان بيتكلم من الطائرة.”
بدأت الطاقم يدور في كل مكان.
لكن دانيال ما كانش موجود.
وبعد دقائق اكتشفوا إن المقعد اللي كان المفروض يقعد فيه دانيال كان فاضي من بداية الرحلة.
لكن التذكرة كانت مستخدمة.
والأغرب إن كاميرات الكابينة أظهرت شخصاً دخل الطائرة في البداية.
كان لابس جاكت غامق.
لكن وشه مش واضح.
كارولين طلبت تسجيل الكاميرا.
وشافت المشهد.
وبعدين شهقت.
الشخص اللي ظهر في التسجيل كان واقف عند باب الطائرة قبل الإقلاع.
ولما لف وشه ناحية الكاميرا ظهر للحظة.
كان دانيال.
كارولين قالت:
“هو كان عايزني أكون هنا.”
الكابتن سأل:
“ليه؟”
كارولين بصت ناحية المحيط من الشباك.
“عشان أنا الوحيدة اللي ممكن أكتشف اللي هو عمله.”
وفجأة وصلهم اتصال.
الصوت كان دانيال.
“أحسنتِ يا كارولين.”
كارولين ردت:
“إنت عايز إيه؟”
“عايز الحقيقة تظهر.”
“على حساب حياة الناس؟”
“الطائرة مش هتتحطم.”
“إنت ضامن؟”
“أيوه.”
“وأنا ليه أصدقك؟”
الصوت سكت.
ثم قال:
“لأن الشخص اللي تسبب في موت زميلك موجود معاكِ في قمرة القيادة.”
كارولين بصت للكابتن.
وبعدين بصت لمساعده.
الاتنين كانوا مصدومين.
لكن فجأة لاحظت حاجة.
علامة صغيرة على يد مساعد الكابتن.
نفس العلامة اللي كانت موجودة على ملفات التحقيق القديم.
كارولين همست:
“إنت…”
المساعد رجع خطوة.
الكابتن صرخ:
“إنت عملت إيه؟”
المساعد حاول يقرب من لوحة التحكم.
كارولين وقفت قدامه.
وقالت:
“ولا خطوة.”
الرجل بدأ ينهار.
وقال:
“أنا ما كنتش عايز حد يموت.”
كارولين ردت:
“لكن حد مات.”
“أنا اتجبرت.”
“مين أجبرك؟”
الرجل بكى وقال:
“دانيال.”
وفي اللحظة دي ظهر تنبيه أخير.
الطائرة دخلت منطقة عاصفة شديدة.
وكان عليهم اتخاذ قرار خلال ثواني.
—
المشهد الخامس والأخير
كارولين رجعت لمقعد القيادة.
المحيط تحتهم كان أسود تماماً.
والسحب قدامهم كانت كثيفة والبرق بيضرب في السماء.
الكابتن قال:
“لازم نغير الاتجاه.”
كارولين ردت:
“عارفة.”
لكن مساعد الكابتن قال:
“لو غيرنا الاتجاه هنخرج من المجال اللي دانيال محدده.”
كارولين بصت له.
“وده المطلوب.”
قال:
“بس النظام هيقاوم.”
كارولين ابتسمت لأول مرة.
“أنا مش محتاجة النظام.”
بدأت تفصل الأنظمة واحدة واحدة.
كل قرار كان محسوب.
كل حركة كانت هادية.
الطائرة بدأت تغير اتجاهها.
وفي الكابينة الركاب حسوا بالمناورة.
ناس صرخت.
وأمهات حضنت أطفالها.
لكن بعد دقائق خرجت الطائرة من قلب العاصفة.
السماء بدأت تهدى.
والاتصال بالأرض رجع بشكل كامل.
جاء صوت مركز التحكم:
“الرحلة 417، نقدر نسمعكم بوضوح. هل أنتم بخير؟”
الكابتن رد:
“إحنا بخير.”
ثم نظر إلى كارولين.
وأضاف:
“وعندنا شخص محتجز داخل قمرة القيادة.”
بعد أقل من ساعة كانت الطائرة تستعد للهبوط الاضطراري في مطار قريب.
وقبل الهبوط مباشرة وصلت رسالة أخيرة على الجهاز.
من دانيال.
“كارولين، أنا كنت عارف إنك هتختاري إنقاذ الناس.”
كارولين قرأت الرسالة ثم مسحتها.
لكنها لم تكن تعرف إن الشرطة كانت بالفعل قد بدأت تتبع الإشارة.
وبعد الهبوط تم القبض على مساعد الكابتن.
وبالتحقيق معه ظهرت الحقيقة كاملة.
الحادثة القديمة لم تكن عطلاً.
كانت مؤامرة.
ودانيال كان جزءاً منها.
لكن كارولين لم تكن تعرف أن مساعد الكابتن كان هو الشخص الذي نفذ الجزء الأخير منها.
أما دانيال نفسه فاختفى.
وبعد أيام طويلة من البحث عثرت السلطات عليه في مكان بعيد.
وعندما وقف أمام كارولين لم يقل شيئاً.
هي التي قالت:
“إنت كنت عايز تثبت الحقيقة.”
سكت.
“بس كنت مستعد تقتل ناس عشان تثبتها.”
دانيال خفض عينيه.
كارولين قالت:
“الحقيقة عمرها ما تحتاج جريمة جديدة عشان تظهر.”
وبعد التحقيق اتكشفت كل تفاصيل القضية القديمة.
اسم زميل كارولين اتبرأ.
والتقرير الرسمي اتعدل.
أما كارولين فكانت قد قررت إنها لن تطير مرة تانية أبداً.
لكن بعد عدة أسابيع وصلها خطاب رسمي.
كان عرضاً للعمل كمدربة طيران.
كارولين فضلت باصة للخطاب وقت طويل.
وبعدين ابتسمت.
هي كانت فاكرة إن الهروب من الماضي معناه إنها تقفل الباب عليه.
لكنها فهمت أخيراً إن مواجهة الماضي مش معناها ترجع تعيشه.
معناها إنك تمنعه من إنه يفضل يحكم حياتك.
وفي أول يوم لها في مركز التدريب وقفت قدام مجموعة من الطيارين الشباب.
واحد منهم سألها:
“حضرتك كنتِ طيارة مقاتلة بجد؟”
ضحكت وقالت:
“أيوه.”
“وطرتي إف ستين؟”
هزت راسها.
ثم قالت:
“بس أهم حاجة اتعلمتها مش إزاي أطير أسرع.”
سكتت لحظة.
“أهم حاجة اتعلمتها إن الإنسان لازم يفضل هادي وقت ما كل اللي حواليه بيخاف.”
وبصت من الشباك للسماء.
لأول مرة من سنين طويلة ما حستش بالخوف من الماضي.
حست بالراحة.
لأن كارولين أخيراً فهمت إن لقب “قائدة” ما كانش عبء.
كان مسؤولية.
وإنها في الليلة دي ما أنقذتش طائرة وبس.
هي أنقذت نفسها كمان.
ومن يومها كل ما كانت طائرة تعدي فوق بيتها كانت ترفع عينيها للسماء وتبتسم.
لأنها أخيراً قدرت تسامح نفسها.
وتبدأ من جديد.




