
في الليلة دي، منمتش.
فضلت أفكر في المخزن، وفي الخطاب، وفي الفلوس اللي شريف عايزني أتنازل عنها.
ولما طلع الصبح، اتصلت بالأستاذة نهى، وحكيتلها عن الظرف والمفتاح.
طلبت مني أجيب لها كل الورق، واتفقنا نروح العنوان سوا بعد ما نتأكد من طبيعة المكان وإمكانية دخوله بشكل قانوني.
وصلنا وسط البلد بعد الضهر.
الشوارع كانت زحمة، والناس ماشية في كل اتجاه، والمحلات القديمة فاتحة أبوابها، وصوت الباعة مالي المكان.
العنوان كان في شارع جانبي، فيه عمارة قديمة واجهتها متآكلة، وتحتها باب حديد كبير.
وقفنا قدام الباب، وأنا طلعت المفتاح.
إيدي كانت بتترعش.
نهى قالتلي:
ـ خدي وقتك يا مريم. إحنا مش مضطرين نستعجل.
دخلنا بعد ما اتأكدنا من حقنا في الوصول للمكان، ولقينا ممر ضيق بيؤدي لأوضة صغيرة، فيها دولاب حديد قديم ومكتب خشب.
المكان كان مليان تراب، لكن واضح إن حد كان بيهتم بيه من وقت للتاني.
المفتاح فتح درج صغير في المكتب.
جواه كان فيه ملف أزرق، ومجموعة إيصالات، وصورة قديمة لوالد شريف واقف مع راجل تاني قدام مبنى كبير.
نهى بدأت تراجع الأوراق، وبعد شوية رفعت راسها.
ـ مريم، دي مش مجرد أوراق أملاك عائلية. فيه مستندات تخص شراكة قديمة، وفيه إقرار بإن جزء من الأرباح مخصص لتسوية حقوق أشخاص تانيين.
قلت لها:
ـ يعني شريف عايز ياخد الفلوس دي لنفسه؟
ردت:
ـ لسه محتاجين نراجع الحسابات، لكن فيه حاجة واضحة: لو وقّعتي على التنازل اللي هو عايزه، ممكن تتنازلي عن حق أكبر من اللي إنتِ متخيلاه، وممكن كمان يتأثر حق أطراف تانية.
قعدت على الكرسي، وحسيت إن الموضوع أكبر بكتير من خيانة زوجية.
كان فيه ناس تانية ممكن تتضرر، وفلوس مش من حق حد يتصرف فيها بمزاجه.
نهى كملت مراجعة الملف، ولقت ورقة فيها أسماء وتوقيعات، ومن ضمن الأسماء اسم حماتي، واسم شريف.
لكن المفاجأة كانت في الورقة اللي بعدها.
كان فيه خطاب حديث نسبيًا، عليه توقيع شخص اسمه سامح، وهو شريك والد شريف القديم.
الخطاب بيقول إن سامح حاول يتواصل مع العيلة أكتر من مرة عشان يحددوا مصير الأمانة، لكن محدش رد عليه.
وفي آخر الخطاب، كان فيه رقم تليفون قديم وعنوان مكتب.
نهى صورت المستندات بعد التأكد من سلامة الإجراءات، وقالتلي:
ـ لازم نتواصل مع الشخص ده أو الورثة القانونيين لو هو مش موجود. مش هينفع ناخد قرار قبل ما نعرف كل الأطراف.
رجعنا من المكان، وأنا حاسة إن كل خطوة بتكشفلي سر جديد.
لكن أول ما وصلت بيت أمي، لقيت شريف واقف قدام الباب.
كان وشه متوتر، وعينيه بتلف بيني وبين نهى.
ـ إنتِ كنتِ فين؟
بصيتله بهدوء.
ـ مشوار.
ـ مشوار مع محامية؟ إنتِ وصلتي للمرحلة دي يا مريم؟
نهى تدخلت وقالت:
ـ أستاذ شريف، لو فيه أي مستندات محتاجين نراجعها، يبقى الأفضل نتعامل بشكل رسمي، ومن غير ضغط على مريم.
شريف بص لها بغضب.
ـ أنا بتكلم مع مراتي، ومش محتاج حد يدخل بينا.
ردت نهى بثبات:
ـ وحقوق موكلتي مش محل نقاش بالطريقة دي.
شريف رجع بصلي.
ـ إنتِ بتعملي كده ليه؟ إنتِ عايزة تفضحيني قدام الناس؟
قلتله:
ـ أنا مش اللي عملت حاجة تستدعي الفضيحة. أنا بس عايزة أفهم الحقيقة.
قرب مني خطوة، وصوته بقى أوطى.
ـ الحقيقة إنك بتدمري بيتك بإيدك. إنتِ فاكرة إنك لما تدخلي محامين هتكسبي؟ أنا جوزك، وأبو ولادك، وكل حاجة بينا المفروض تتحل في البيت.
بصيتله وقلت:
ـ البيت اللي كنت بتعيش فيه معايا، ولا البيت اللي عايش فيه مع نادين؟
وشه اتجمد.
نهى بصتلي، لكني كنت خلاص قررت إني مش هخاف من الاسم.
شريف فتح بقه عشان يرد، لكن مفيش كلمة خرجت.
بعد لحظات، قال:
ـ إنتِ شفتي إيه؟
قلت:
ـ شوفت كفاية.
حاول يغير نبرة صوته.
ـ مريم، اسمعيني. الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
ضحكت بمرارة.
ـ أمال زي إيه؟ كنت بتأكلها بإيدك عشان عندها سوء تغذية؟ كنت بتبوس إيديها عشان بتساعدك في شغل البيت؟ ولا كنت بتقولها إنك مش طايق تسمع اسمي عشان كنت مضغوط؟
شريف بص حواليه، كأنه خايف حد من الجيران يسمعنا.
ـ وطي صوتك.
قلتله:
ـ أنا طول عمري واطية صوتي يا شريف. وده اللي خلاك تفتكر إنك تقدر تعمل أي حاجة من ورايا.
أمي فتحت الباب وخرجت، ووقفت جنبي.
ـ خير يا شريف؟ فيه إيه؟
شريف حاول يتكلم بأدب مصطنع.
ـ مفيش يا طنط، أنا جاي أصالح مريم وأرجعها بيتها.
أمي بصتله من فوق لتحت.
ـ المصالحة مش بالكلام. المصالحة إنك تكون صادق، وتحترم بنتي، وتبطل تستغل سكوتها.
شريف اتنرفز.
ـ دي مشاكل بيني وبين مراتي، ومحدش له دعوة بيها.
أمي ردت:
ـ لما بنتي تبقى موجوعة، أنا ليا دعوة. ولما تحاول تضغط عليها عشان تمضي على ورق، يبقى لازم حد يقف جنبها.
شريف بصلي للمرة الأخيرة.
ـ هتندمي يا مريم.
قلتله:
ـ الندم الحقيقي إني استنيت كل السنين دي عشان أعرف حقيقتك.
مشي وهو بيخبط برجله في الأرض، وأنا دخلت البيت وقفلت الباب.
لكن بعد أقل من ساعة، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
“لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن جوزك وحماتك، متروحيش لهم لوحدك. فيه حاجة أخطر من اللي شفتيه.”
بصيت للرسالة، وحسيت إن قلبي رجع يدق بسرعة.
رديت:
“مين معايا؟”
الرسالة التانية وصلت بعد دقيقة.
“أنا سلفتك. لازم نتقابل. أنا عندي ورق يثبت إنهم كانوا بيخططوا لكل ده من زمان.”
اتصلت بيها فورًا.
ردت بصوت متوتر.
ـ مريم، أنا عارفة إنك مش واثقة فيا، ويمكن عندك حق. بس أنا مش عايزة أكون شريكة في اللي بيحصل.
قلت لها:
ـ إنتِ اللي بعتّيلي الرسالة من الأول. ليه مستنيتي كل ده؟
تنهدت وقالت:
ـ عشان كنت خايفة. شريف وأمه كانوا فاكرين إني مش فاهمة حاجة، وإن كل اللي يهمني إني أحافظ على بيتي. بس أنا اكتشفت إن الموضوع مش مقتصر عليكي.
ـ تقصدي إيه؟
ـ فيه ورق عندي يخص أملاك أبو شريف، وفيه حاجة حصلت بعد وفاته محدش يعرفها غيرهم. لازم تشوفي الورق بنفسك.
اتفقنا نتقابل تاني يوم في مكان عام، وطلبت منها متقولش لحد.
في اليوم التالي، روحت المقابلة ومعايا نهى، وقعدنا في كافيه هادي بعيد عن أي مكان ممكن يعرفونا فيه.
سلفتي وصلت بعدنا بعشر دقايق.
كانت باينة عليها العصبية، وفضلت تبص حواليها قبل ما تقعد.
حطت شنطة صغيرة على الترابيزة، وطلعت منها ملف ورق.
ـ أنا عارفة إنك هتسأليني ليه بساعدك، وهقولك الحقيقة. أنا وشريف عمرنا ما كنا قريبين، وهو طول عمره بيعتبرني أقل منه. لكن لما اكتشفت إنه بيحاول ياخد حقوق ناس تانية كمان، خفت إن الموضوع يوصل لبيتي أنا وعيالي.
نهى فتحت الملف، وبدأت تراجع الأوراق.
كان فيه صور لمراسلات، وإيصالات، وصورة عقد قديم، وكمان ورقة عليها توقيع حماتي.
سلفتي قالت:
ـ من شهور، حماتي طلبت مني أساعدها في ترتيب أوراق قديمة. وأنا كنت فاكرة إنها أوراق تخص البيت، لكن لقيت مستندات بتتكلم عن نقل ملكية بعض الأصول، مع إن فيه حقوق متعلقة بيها لسه متسوتش.
نهى سألتها:
ـ وإنتِ أخدتي الورق ده ليه؟
ـ صورت الأوراق اللي حسيت إن فيها حاجة غلط، ورجعتها مكانها. وبعدها سمعت شريف بيتكلم مع أمه عن إنه لازم يخلّي مريم تمضي قبل ما حد يراجع الحسابات.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
ـ يعني من أربع شهور، وإنتِ عارفة إنه عايش مع نادين؟
هزت راسها.
ـ أيوه. وأنا آسفة إني مقلتش لك من الأول. كنت خايفة على نفسي، وكنت فاكرة إن الموضوع هينتهي من غير ما حد يتأذى. لكن لما شفت إنهم بيحاولوا ياخدوا حقك، قررت إني لازم أتكلم.
نهى قلبت الورق، ووقفت عند مستند معين.
ـ الورقة دي مهمة جدًا. لكن لازم نتأكد من صحتها من الجهة المختصة، ونراجع التسلسل القانوني للملكية. مفيش حاجة هنعتمد عليها لوحدها من غير تحقق.
سلفتي هزت راسها.
ـ أنا مستعدة أشهد بكل اللي أعرفه.
حسيت إن فيه باب جديد اتفتح قدامي، لكن في نفس الوقت، كنت خايفة من اللي ممكن يحصل لما شريف يعرف إن سلفته وقفت معايا.
نهى جمعت الأوراق وقالت:
ـ من النهارده، مفيش مواجهة من غير استعداد. كل خطوة هتكون محسوبة، وأي تواصل بخصوص الحقوق والمستندات هيكون عن طريقنا.
رجعت بيت أمي وأنا بفكر في أولادي.
كنت عايزة أحميهم من المشاكل، لكني عارفة إن استمرار الكذب مش هيحميهم، وإنهم في يوم من الأيام هيحتاجوا يعرفوا إن أمهم حاولت تحافظ على كرامتها وحقوقهم.
بالليل، بنتي دخلت عليا الأوضة، وقعدت جنبي.
ـ ماما، هو إنتِ وبابا هتتطلقوا؟
السؤال نزل على قلبي تقيل.
مسحت على شعرها وقلت:
ـ معرفش يا حبيبتي. لكن اللي أعرفه إن مهما حصل بيني وبين بابا، إنتِ وأخوكي ملكوش ذنب، وأنا عمري ما هسيبكم.
عينيها دمعت.
ـ أنا سمعت بابا بيتكلم في التليفون من يومين، وكان بيقول لحد إنه هيخلينا نرجع البيت غصب عنك.
حضنتها بقوة.
ـ متخافيش. محدش هيجبرنا على حاجة. وإنتِ لو سمعتي أي كلام تاني، تعالي قوليلي، متشيليش هم لوحدك.
بعد ما نامت، قعدت مع أمي ونهى في مكالمة طويلة، واتفقنا إننا نبدأ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقي وحقوق الأولاد.
لكن في صباح اليوم التالي، حصلت حاجة مكنتش متوقعاها.
شريف بعتلي رسالة:
“مريم، أنا عايزك تيجي البيت النهارده. أمي رجعت من البلد، وفيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تسمعيها من أي حد تاني.”
قرأت الرسالة مرتين.
حماتي رجعت؟
طيب ليه عايزني أروح؟
وليه فجأة بقى عايزني أعرف حاجة قبل ما أسمعها من حد تاني؟
اتصلت بنهى وحكيتلها.



