
قالتلي:
ـ متروحيش لوحدك، ومفيش أي داعي إنك توافقي على مقابلة في البيت. لو فيه حاجة لازم تعرفيها، يقدر يبعتها كتابة أو نتفق على مكان مناسب بحضورنا.
لكن قبل ما أرد على شريف، وصلتني رسالة تانية.
كانت صورة لورقة قديمة، وتحتها جملة واحدة:
“لو عرفتي أبو شريف كان كاتب إيه قبل وفاته، مش هتقدري تبصي في وش ابنه بنفس الطريقة.”
الصورة كانت مش واضحة بالكامل، لكن قدرت أميز توقيع الحاج عبدالعزيز في آخر الصفحة.
كلمت سلفتي فورًا، وبعتلها الصورة.
بعد دقائق، اتصلت بيا وهي بتتكلم بسرعة.
ـ مريم، إنتِ جبتي الصورة دي منين؟
ـ وصلتلي من رقم مجهول. إنتِ عارفاها؟
سكتت لحظة، وبعدها قالت:
ـ دي مش الورقة اللي عندي. دي ورقة تانية خالص، وأنا شفتها مرة واحدة في درج مكتب حماتي.
ـ مكتوب فيها إيه؟
ـ مش عارفة كل التفاصيل، لكن سمعت حماتي بتقول لشريف إن أبوه كان ناوي يراجع كل الحسابات، وإن فيه شخص تالت كان لازم يستلم نسخة من المستندات.
ـ مين الشخص ده؟
ردت بصوت منخفض:
ـ مش عارفة اسمه، لكن أعتقد إنه نفس سامح اللي موجود اسمه في الملف.
قفلت معاها، واتصلت بالأستاذة نهى.
اتفقنا إننا هنراجع الصورة والملفات كلها، ونحاول نوصل للشخص المذكور بشكل رسمي.
لكن قبل ما نبدأ، جالي اتصال من رقم أرضي.
رديت.
ـ ألو؟
جالي صوت راجل كبير في السن.
ـ مساء الخير يا مدام مريم. أنا الأستاذ سامح، شريك المرحوم عبدالعزيز. وصلني إنك بتدوري على أوراق تخصه، وأنا كنت مستني اليوم اللي حد من العيلة يتواصل معايا.
قلبي دق بسرعة.
ـ حضرتك تعرف إيه عن الأوراق دي؟
قال بهدوء:
ـ أعرف إن المرحوم كان خايف إن حقوق ناس كتير تضيع بعد وفاته، وعشان كده ساب مستندات عند أكتر من طرف. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها قبل أي خطوة.
سكت لحظة، وبعدها كمل:
ـ شريف مش هو الشخص الوحيد اللي كان عارف بوجود المستندات. والدته كانت عارفة، وفيه شخص تالت ساعدهم في إخفاء جزء من الملف.
حسيت إن الكلام أكبر من قدرتي على الاستيعاب.
ـ مين الشخص التالت؟
رد:
ـ مش هقدر أقولك في التليفون. لازم نتقابل في المكتب، ويكون معاكي محاميتك. لأن اللي هقوله مش مجرد خلاف على فلوس، ده موضوع ممكن يغير شكل القضية كلها.
حددنا ميعاد تاني يوم.
قضيت الليلة كلها بفكر في الشخص اللي ساعدهم، وفي السبب اللي يخلي حماتي وشريف مستعجلين على توقيعي.
وفي الصبح، لبست هدومي، وخدت الملف اللي معايا، وروحت مع نهى لمكتب الأستاذ سامح.
كان راجل كبير، شعره أبيض، وصوته هادي، لكن عينيه كانت مليانة حزن.
أول ما شافني، قام من مكانه وسلم عليا.
ـ إنتِ شبه والدك يا بنتي في الأمانة، وده يمكن السبب اللي خلاه يختارك.
قعدنا، وبدأ يحكي.
قال إن والد شريف كان شريكًا في مشروع تجاري كبير، وإن جزءًا من الأرباح كان مخصصًا لتسوية حقوق عدد من العمال والشركاء الصغار. وبعد وفاة والد شريف، ظهرت خلافات داخل العيلة بشأن الحسابات، واختفت مستندات مهمة.
أنا كنت قاعدة بسمع، وكل ما كلمة جديدة تتقال، أحس إن الصورة بتكتمل.
سامح طلع ملفًا من خزنته، وحط قدامي نسخة من مستند مختوم.
ـ دي نسخة من الاتفاق الأصلي. ودي قائمة بالأطراف اللي ليها حقوق في الحسابات. والد شريف كان موصي إن أي تسوية تحصل بموافقة الأطراف المعنية، وإن مفيش حد يتصرف في المبالغ دي بشكل منفرد.
نهى راجعت الورقة، وبعدها سألت:
ـ مين اللي كان مسؤول عن حفظ النسخة التانية؟
سامح بصلي، وبعدها قال:
ـ المرحوم سلّم نسخة لمراته، ونسخة ليكي إنتِ يا مريم، ونسخة عندي. لكن بعد وفاته، اكتشفنا إن فيه أوراق اتغيرت، وإن بعض التوقيعات محتاجة مراجعة.
قلت وأنا مش قادرة أصدق:
ـ يعني حماتي كانت عارفة إن الورق مش كامل؟
سامح هز راسه.
ـ كانت عارفة إن فيه مستندات ناقصة. لكن مين اللي أخفاها، وليه، دي حاجة لازم التحقيق يحددها.
نهى سألت عن المستندات الأصلية، وسامح وافق يقدم اللي عنده للجهات المختصة.
قبل ما نمشي، بصلي وقال:
ـ فيه حاجة أخيرة. والد شريف كان كاتب رسالة خاصة ليكي، وقال إنها متتسلمش إلا لما يحصل خلاف على الأمانة.
طلع ظرف أبيض، عليه اسمي بخط واضح.
فتحته بإيد مرتعشة.
“مريم،
لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى إنتِ واجهتي مشكلة كبيرة، ويمكن تكوني اكتشفتي إن أقرب الناس ليكي مش دايمًا بيحافظوا على حقك.
عايزك تعرفي إن سكوتك مش ضعف، لكن لازم تعرفي إمتى تتكلمي. أنا مش بطلب منك تكرهي شريف، ولا أطلب منك تفضلي معاه. ده قرارك إنتِ وحدك.
لكن أوعي تسمحي لأي حد يستخدم حبك لأولادك عشان يجبرك تتنازلي عن حق مش بتملكيه لوحدك.
الأمانة مش ملك شخص واحد، والحق مش بيتغير لمجرد إن صاحبه سكت.
ربنا يحفظك ويحفظ أولادي وأحفادي.”
فضلت ماسكة الخطاب، ودموعي بتنزل من غير صوت.
حتى وهو ميت، كان بيحاول يحميني من اللي ممكن يحصل.
خرجنا من المكتب، وبدأت الإجراءات الرسمية لمراجعة الحسابات والمستندات.
لكن شريف عرف بسرعة إن الأستاذ سامح اتواصل معايا.
وفي نفس اليوم، ظهر قدام بيت أمي، ووشه كان متغير تمامًا.
مبقاش الراجل اللي بيحاول يتكلم بهدوء، ولا الزوج اللي بيقول إنه عايز يصلح بيته.
كان غضبان، وبيحاول يخفي خوفه.
دخل البيت بعد ما أمي سمحت له يقعد في الصالة بحضورها، وقال من غير مقدمات:
ـ إنتِ وصلتي لسامح؟
بصيتله من غير ما أرد.
كرر السؤال:
ـ أنا بسألك يا مريم، إنتِ وصلتي لسامح؟
قلت:
ـ أيوه، واتكلمنا عن الأوراق.
ضرب بإيده على الترابيزة.
ـ إنتِ فاهمة إنتِ بتعملي إيه؟ إنتِ بتدخلي نفسك في موضوع أكبر منك!
أمي اتدخلت.
ـ اتكلم باحترام يا شريف.
لكنه مكنش سامع.
ـ مريم، أنا ممكن أسامحك على كل اللي عملتيه، وممكن نرجع بيتنا ونبدأ من جديد، بس بشرط واحد. توقعي على التنازل، ونقفل الموضوع ده نهائي.
بصيتله طويلًا.
ـ إنت لسه فاكر إن كل حاجة بتتحل بكلمة منك؟
ـ أنا بحاول أحافظ على بيتنا!
ـ بيتنا؟ البيت اللي عشت فيه وأنا مش عارفة إن ليك بيت تاني؟ ولا البيت اللي كنت بتخطط فيه تاخد حقي؟
وشه احمر.
ـ إنتِ بتصدقي كلام ناس غريبة وتكذبي جوزك؟
قلتله:
ـ أنا صدقتك سنين يا شريف. كنت بصدقك كل مرة تقوللي إنك مضغوط، وكل مرة تقوللي إنك مشغول، وكل مرة ترجع متأخر وتقول إن الشغل هو السبب. كنت بصدقك لما كنت ترفض تخرج معايا، ولما كنت تكسفني قدام الناس، ولما كنت تخليني أحس إني مش كفاية.
دموعي نزلت، لكني كملت:
ـ ولما شفتك مع نادين، مكنتش مصدومة إنك عرفت واحدة تانية بس. أنا كنت مصدومة من الراحة اللي كنت بتعاملها بيها، ومن الحنان اللي كنت بتحرمني منه، ومن إنك قدرت تبص في عيني كل يوم وتكذب عليا.
شريف نزل عينه للحظة، وبعدها قال:
ـ أنا غلطت، لكن ده مش معناه إنك تضيعي مستقبلنا.
رديت:
ـ مستقبلنا ضاع يوم ما قررت إنك تستغلني بدل ما تحترمني.
حاول يقرب مني، لكن أمي وقفت بينا.
ـ كفاية يا شريف. مريم مش هتمضي على حاجة تحت الضغط. لو عندك حق، خده بالطريق القانوني.
شريف بصلي بحدة، وبعدها قام ومشي من غير ما يقول كلمة.
بعد خروجه، قعدت على الكنبة وحسيت إن جسمي كله بيترعش.
أمي جابتلي كوباية مية، وقعدت جنبي.
ـ إنتِ عملتي الصح يا بنتي.
لكن رغم كل حاجة، كان فيه جزء جوايا لسه بيوجعني.
مش عشان عايزة أرجع لشريف، لكن عشان كنت محتاجة أفهم إزاي إنسان شاركني العمر ده كله قدر يحولني لخصم.
مرت أيام، وبدأت المستندات تتراجع رسميًا، وسلفتي قدمت إفادتها، والأستاذ سامح قدم النسخ اللي عنده.
وفي يوم، وأنا في مكتب نهى، وصلنا اتصال من الجهة المختصة بطلب حضورنا لمراجعة مستند جديد ظهر في الملف.
المستند كان عبارة عن إقرار قديم، عليه توقيع منسوب لوالد شريف، لكن التاريخ المكتوب عليه كان بعد وفاته بأيام.
نهى بصت للورقة وقالت:
ـ ده محتاج فحص فني، لأن فيه تعارض واضح في التاريخ. ومش هنقدر نتهم حد قبل ما نعرف الحقيقة.
أنا فضلت باصة للورقة، وحسيت إن فيه سر أكبر لسه مستخبي.
وفي المساء، اتصلت بيا حماتي لأول مرة من غير ما تصرخ.
صوتها كان هادي بشكل غريب.
ـ مريم، أنا عايزة أشوفك.
قلت:
ـ لو فيه حاجة تخص الأوراق، اتكلمي مع المحامية.
قالت بسرعة:
ـ لأ، الموضوع مش ورق بس. فيه حاجة لازم تعرفيها عن أبو شريف، وعن شريف نفسه. حاجة لو اتقالت في وقتها، كان ممكن تمنع كل اللي حصل.
سكتت لحظة، وبعدها قالت:
ـ أنا عارفة إنك كرهتيني، وعارفة إنك مش هتصدقي أي كلمة مني، لكن أنا مش هقدر أفضل ساكتة أكتر من كده.
سألتها:
ـ إيه الحاجة دي؟
ردت بصوت مبحوح:
ـ شريف مش عارف كل الحقيقة عن الفلوس، وأنا كنت بخبي عنه جزءًا منها من سنين. لكن اللي أخطر من ده إن الشخص اللي كان بيغير المستندات مش شريف لوحده.
حسيت ببرودة في أطرافي.
ـ مين الشخص التاني يا طنط؟
سمعتها بتاخد نفس طويل، وبعدها قالت:
ـ أخويا.
اتجمدت مكاني.
حماتي كان عندها أخ واحد، اسمه فؤاد، وكنت أعرف إنه شريك قديم لوالد شريف، لكنه من سنين بعيدة سافر وقطع علاقته بالعيلة.
قلت:
ـ فؤاد بيه؟ هو ماله بالموضوع؟
ردت:
ـ هو اللي كان مسؤول عن جزء من الحسابات، وهو اللي رجع من السفر من شهرين، وأنا قلت للكل إنه لسه في البلد. شريف فاكر إن أخويا بيساعده، لكنه ميعرفش إن فؤاد عنده نسخة من الورق الأصلي، وإنه بيضغط علينا كلنا عشان ياخد جزء من الأملاك لنفسه.
سكتت، وبعدها كملت:
ـ أنا غلطت يا مريم. غلطت لما ساعدت شريف يخبي جوازه التاني، وغلطت لما حاولت أخليكي تمضي من غير ما تفهمي. بس أنا كنت فاكرة إني بحمي ابني، ومكنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل لكده.
كنت مش عارفة أصدقها ولا لأ.
قلت لها:
ـ وليه بتقوليلي الكلام ده دلوقتي؟
ردت:
ـ عشان فؤاد بعتلي رسالة النهارده، وقال إن بكرة آخر يوم قبل ما يتصرف في المستندات اللي معاه. وأنا خايفة يحصل شيء محدش يقدر يصلحه.
قفلت المكالمة، واتصلت بنهى فورًا.
حكيتلها كل كلمة.




