روايات وقصص

اماني السيد

قالتلي إننا لازم نتصرف بهدوء، ونتأكد من صحة المعلومات، وإن أي مستندات تخص حقوق الغير لازم تتقدم للجهات المختصة، مش نتحرك بناءً على تهديدات أو كلام غير موثق.

في اليوم التالي، وصلنا عنوان المكتب اللي حماتي قالت عليه، لكننا لم نذهب لمواجهة أحد بمفردنا. تواصلت نهى مع الجهات المعنية، وحددنا طريقة رسمية لمراجعة المستندات.

بعد ساعات، اتصل بيا شريف.

كان صوته مختلفًا.

ـ مريم، أنا عايز أتكلم معاكي من غير محامين.

قلت:

ـ اتكلم.

قال بصوت مكسور:

ـ أمي حكتلي كل حاجة.

سكت.

ـ حكتلي عن فؤاد، وعن المستندات، وعن إن فيه حاجات أنا مكنتش أعرفها. أنا كنت فاكر إن كل الموضوع مجرد تنازل منك، وإننا هنخلص من المشاكل. لكن دلوقتي اكتشفت إن فيه حقوق ناس تانية ممكن تضيع.

قلتله:

ـ وده كان يمنعك من إنك تكذب عليا؟

سكت طويلًا.

ـ لأ.

كانت أول مرة أسمعه يعترف من غير ما يبرر.

كمل:

ـ أنا عارف إني ظلمتك، وعارف إني كسرتك. بس أنا مش عايز أخسر ولادي.

قلتله:

ـ ولادك مش ورقة تفاوض يا شريف. هما محتاجين أب يحترم أمهم، حتى لو الجواز انتهى.

صوته اتخنق.

ـ إنتِ خلاص قررتي الطلاق؟

غمضت عيني لحظة.

كنت فاكرة إن السؤال ده هيخليني أنهار، لكني اكتشفت إن الوجع الحقيقي كان خلص من جوايا من وقت طويل.

قلتله:

ـ أنا قررت إني مش هعيش في كذبة تاني. أما باقي القرارات، فهتاخد في وقتها، وبما يحفظ حقوقي وحقوق أولادي.

قفلنا المكالمة، وأنا لأول مرة من شهور حسيت إني مش مطالبة أشرح نفسي لحد.

مرت أسابيع من المراجعات والتحقيقات، وبدأت الحقائق تظهر واحدة واحدة. اتضح إن فيه مستندات ناقصة فعلًا، وإن بعض التصرفات اللي حصلت على مدار السنين محتاجة مراجعة قانونية دقيقة، وإن مفيش حد من العيلة يقدر يستولي على الحقوق المتنازع عليها بمجرد إن معاه ورقة أو توقيع.

فؤاد اضطر يقدم المستندات اللي عنده بعد الإجراءات الرسمية، واتراجع جزء كبير من الحسابات القديمة.

أما شريف، فبدأ يواجه نتائج اختياراته.

نادين، لما عرفت إن الوضع المالي والقانوني مختلف عن اللي اتقالها، وإن شريف مش هيقدر يوفرلها الحياة اللي وعدها بيها، بدأت تطلب منه إنهاء العلاقة بينهم.

وفي يوم، اتصلت بيا هي نفسها.

كنت مترددة أرد، لكني في الآخر فتحت المكالمة.

قالت بصوت خافت:

ـ مريم، أنا عارفة إنك مش عايزة تسمعي صوتي، وعارفة إني كنت جزء من وجعك. أنا مش هطلب منك تسامحيني، بس فيه حاجة لازم تعرفيها.

قلت:

ـ اتفضلي.

قالت:

ـ شريف كان بيقوللي إنك عارفة إنه متجوزني، وإنك موافقة إن كل واحد يعيش حياته، وإنكم مستنيين بس تخلصوا شوية إجراءات عشان تنفصلوا بهدوء. أنا صدقته، ولما عرفت إنك متعرفيش حاجة، حاولت أقنع نفسي إنك هتسامحيه في الآخر.

ضحكت بمرارة.

ـ وإنتِ صدقتي إن واحدة عايشة مع جوزها وعيالها هتوافق إنه يخبي عنها جوازة تانية؟

سكتت، وبعدها قالت:

ـ كنت عايزة أصدق اللي يناسبني، وده غلط. أنا مش بطلب منك تعذريني، بس حبيت أقولك الحقيقة.

قفلت المكالمة من غير ما أشتمها ولا ألومها أكتر.

مكنتش محتاجة أنتقم من نادين.

أنا كنت محتاجة أرجع لنفسي.

وبعد ما الأمور القانونية بدأت تستقر، قعدت مع أولادي في بيت أمي، وقلت لهم إن فيه تغييرات هتحصل في حياتنا، وإنهم مش مسؤولين عن أي خلاف بيني وبين والدهم.

ابني الكبير سألني:

ـ يعني مش هنرجع نعيش كلنا في بيت واحد؟

بصيتله بحنان.

ـ مش عارفة يا حبيبي، لكن اللي أقدر أوعدك بيه إن بيتنا هيكون مكان آمن، ومحدش هيضطر فيه يخبي دموعه عشان يرضي حد.

بنتي حضنتني، وقالت:

ـ أنا فخورة بيكي يا ماما.

الكلمة دي كانت أغلى من أي اعتذار سمعته.

بعد شهور من الإجراءات، اتفقنا على الانفصال بشكل رسمي، مع تنظيم حقوق الأولاد ونفقتهم وفقًا للقانون، واستمرار مراجعة أي حقوق مالية تخص الأمانة القديمة والأطراف اللي ليها نصيب فيها.

شريف حاول يقابلني مرة أخيرة قبل إنهاء الإجراءات.

قابلته في مكتب نهى، وقعد قدامي وهو باين عليه التعب.

قال:

ـ أنا مش هطلب منك ترجعي، عارف إن ده مش من حقي. بس عايزك تعرفي إني ندمان.

بصيتله بهدوء.

ـ الندم مش هيغير اللي حصل.

هز راسه.

ـ عارف. أنا كنت فاكر إنك هتفضلي ساكتة طول عمرك، وإنك مهما عرفت هتخافي على البيت والعيال وترجعي. مكنتش متخيل إنك هتوقفي قدامي بالشكل ده.

قلتله:

ـ أنا كمان مكنتش متخيلة إني هقدر أقف. لكن لما عرفت إن سكوتي مش بيحمي أولادي، وإنه بيساعدك تظلم ناس تانية، فهمت إن لازم أتحرك.

نزل عينه، وبعدها قال:

ـ أتمنى في يوم تسامحيني.

قمت من مكاني، وعدلت شنطتي على كتفي.

ـ المسامحة حاجة بيني وبين ربنا يا شريف. لكن الثقة اللي كسرتها، أنا مش مطالبة أرجعها. وإحنا من النهارده هنتعامل باحترام عشان أولادنا، وكل واحد يتحمل نتيجة اختياراته.

خرجت من المكتب، والشمس كانت بتنور الشارع.

وقفت لحظة على الرصيف، وخدت نفس عميق.

كنت داخلة الجواز وأنا فاكرة إن الحفاظ على البيت معناه إني أستحمل أي حاجة، وإن الزوجة الشاطرة هي اللي تسكت حتى لو اتكسرت.

لكنني خرجت من التجربة دي وأنا فاهمة إن البيت اللي بيتهد على كرامة واحدة من أفراده، مش بيت محتاج يتصلح على حسابها.

رجعت بيت أمي، ولقيت الولاد مستنييني.

جريت بنتي عليا، وابني كان بيحاول يجهز لنا الشاي، وأمي قاعدة في الصالة بتضحك عليهم.

بصيت للمشهد ده، وحسيت إن قلبي اللي اتكسر عند باب شقة حماتي بدأ يلتئم ببطء.

مكنتش عارفة المستقبل هيكون عامل إزاي، لكن لأول مرة من سنين، مكنتش خايفة منه.

وفي يوم جمعة، بعد شهور من انتهاء الجواز، كنت قاعدة مع أمي في البلكونة، بنشرب الشاي، لما وصلني ظرف من الأستاذ سامح.

فتحته، ولقيت خطابًا بيأكد إن مراجعة الحسابات وصلت لنتائج واضحة، وإن حقوق الأطراف المعنية هتتحدد وتتسوى بالطريق القانوني، بعيدًا عن أي تنازل بالإجبار أو تصرف فردي.

وفي آخر الخطاب، كانت فيه جملة كتبها بخط إيده:

“الأمانة رجعت لأهلها، والحق مهما اتأخر، لازم يلاقي حد يتمسك بيه.”

حطيت الخطاب على الترابيزة، وبصيت للسما.

افتكرت كل اللي حصل من أول رسالة سلفتي، للحظة اللي شفت فيها شريف ونادين، للخوف اللي عشته، وللأيام اللي كنت فاكرة فيها إني خسرت كل حاجة.

لكن الحقيقة إني يومها خسرت وهمًا، مش حياتي.

خسرت صورة راجل كنت فاكرة إني أعرفه، لكني كسبت نفسي، وحميت أولادي من إنهم يعيشوا عمرهم كله وسط كذبة.

أمي مسكت إيدي وقالت:

ـ سرحانة في إيه يا مريم؟

ابتسمت وقلت:

ـ بفتكر قد إيه كنت خايفة أمشي من البيت، وكنت فاكرة إني لو مشيت هخسر كل حاجة.

أمي سألتني:

ـ ودلوقتي؟

بصيت لها، وبعدها بصيت على ولادي وهما بيلعبوا قدامنا.

ـ دلوقتي عرفت إن مش كل باب بنقفله بيكون نهاية، ساعات بيكون أول باب لحياة أهدى وأنضف.

وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب.

قامت أمي تفتح، وبعد شوية رجعت وهي ماسكة ظرف صغير.

ـ ده ليكي يا بنتي، الراجل اللي جابه قال إنه لازم يوصل إيدك النهارده.

خدت الظرف، وفتحتُه.

كان جواه صورة قديمة للحاج عبدالعزيز، وورقة قصيرة بخط إيده، مكنتش شفتها قبل كده.

“مريم،

لو وصلتي لآخر الطريق، افتكري إن الحق مش دايمًا بييجي بسرعة، لكنه بيحتاج قلب ثابت وعقل صاحي.

حافظي على نفسك وعلى ولادك، ومتخليش ظلم حد يقنعك إنك أقل من قيمتك.

إنتِ كنتِ أمينة على الأمانة، لكن أهم أمانة في حياتك هي نفسك.”

ضميت الورقة لصدري، وابتسمت وسط دموعي.

وبعدها قمت، ودخلت أوضتي، وفتحت الشباك.

الهوا دخل بهدوء، والستارة اتحركت، وصوت ولادي في الصالة كان مالي البيت.

لأول مرة من سنين، مكنش فيه صوت بيقلل مني، ولا حد بيقولي إني مش كفاية، ولا خوف من مكالمة متأخرة أو سر مستخبي ورا باب مقفول.

كان فيه هدوء.

هدوء اتدفعت تمنه غالي، لكنه أخيرًا بقى من حقي.

أما شريف، ففضل يتحمل نتائج قراراته، واتعلم إن الست اللي سكتت سنين مش بالضرورة تكون ضعيفة، وإن الطيبة مش معناها إن صاحبها ملوش حقوق.

وحماتي، اللي كانت فاكرة إن سكوتي هيفضل ساتر على كل حاجة، اضطرت تواجه حقيقة إن محاولات السيطرة على حياة ابنها ومراته أضرت بالعيلة كلها، وإن الثقة لما بتتكسر، مش بترجع بمجرد الاعتذار.

وأنا، مريم، بدأت حياة جديدة، مش لأنها كانت سهلة، لكن لأنني أخيرًا بقيت صاحبة قراري.

وفي آخر يوم من السنة، وقفت قدام المراية، وبصيت لنفسي طويلًا.

مكنتش نفس الست اللي وقفت قدام باب شقة حماتي وإيدي بتترعش، ولا نفس الست اللي كانت بتلوم نفسها كل ما جوزها يجرحها.

كنت ست اتوجعت، وخافت، وعيطت، لكنها قامت.

ابتسمت لنفسي، وقلت بصوت واطي:

ـ الحمد لله إني فوقت قبل ما أضيع عمري كله وأنا بحاول أرضي ناس عمرهم ما شافوا تعبي.

خرجت من الأوضة، ولقيت بنتي مستنياني عشان نجهز العشا، وابني بيضحك مع أخوه الصغير، وأمي بتنادي علينا من المطبخ.

روحت لهم، وشاركتهم الضحك والكلام، وأنا عارفة إن حياتي مش هتكون مثالية، وإن الأيام الجاية ممكن تحمل مشاكل جديدة، لكن فيه فرق كبير بين إنك تواجهي الدنيا وإنتِ خايفة من الناس، وبين إنك تواجهيها وإنتِ عارفة إن كرامتك مش قابلة للتفاوض.

ومن يومها، كل ما أفتكر الرسالة اللي وصلتني وأنا في الطريق لبيت أمي، أفتكر إنها كانت بداية وجع كبير، لكنها كانت كمان بداية الحقيقة.

حقيقة علمتني إن مش كل اللي بيبتسم في وشك بيحبك، ومش كل اللي بيقول إنه بيحافظ على البيت بيحافظ على أهله، وإن السكوت ساعات بيكون صبر، وساعات بيكون فرصة للظلم إنه يكبر.

وأهم حاجة اتعلمتها، إن الست مش محتاجة تثبت إنها قوية بالصوت العالي ولا بالانتقام، لكنها محتاجة تعرف حقها، وتحمي نفسها، وتختار الطريق اللي يخليها تقدر تبص في المراية من غير ما تكره اللي شايفاه.

قفلت باب أوضتي في آخر الليلة، وطفيت النور، وأنا مطمنة.

لأن المرة دي، الباب اللي اتقفل ورايا مكنش بيخبي خيانة ولا سر.

كان باب حياة قديمة انتهت، وحياة جديدة بدأت، عنوانها الكرامة والصدق وراحة البال.

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى