روايات وقصص

بنتي والاشعه حكايات صافي هاني

وسط الأشعة العادية بتاعت بنتي، دكتورة الأشعة وشها اصفر وقفلت الباب بالمفتاح وقالتلي: “أوعي تاخديها البيت النهاردة بالليل.” فضلت باصة لها باستغراب وقلت: “إنتي بتقولي إيه؟” ردت وهي بتبص ناحية الباب: “الأول كلمي المحامي بتاعك، وبعدين اتصلي بالإسعاف.” قلبي وقع في رجلي، وقلت بصوت مبحوح: “إنتي بتخوفيني ليه؟ بنتي مالها؟ هي عندها إيه؟”

 

قالتلي بسرعة: “مافيش وقت أشرح.. هتفهمي لما تشوفي ده.”

وبعدين فتحت الست صور أشعة مع بعض على الشاشة، وشارت عليها وقالتلي: “بصي على تاريخ عضم بنتك يا مدام منى.. بصي كويس، وقوليلي لو لسه مصدقة إن دي مجرد وقعة في مرجوحة.”

خبطة خفيفة وسريعة خبطت على باب أوضة الكشف.

دخلت الدكتورة مريم، رئيسة قسم أشعة الأطفال. العادة إنها بتبقى مكسورة شوية من التعب وبتشيل هم الشغل الكتير، بس النهاردة مكنش فيه أي حاجة من دي. وشها كان أصفر ومخطط بلون رمادي تحت إضاءة النيون. مكنش في إيدها أي ملفات، ولا حتى ابتسمت لبنتي سارة اللي عندها تمان سنين.

قالت دكتورة مريم بصوت واطي وهادي ومحسوب: “يا مدام منى…”

قلت وأنا بمد إيدي أجيب الكوتشي بتاعي: “إحنا مستنيين ورقة الإذن عشان إعفاء الجيم بتاع المدرسة.. جوزي بيقول إنها مجرد شد عضلي من المرجوحة.”

دكتورة مريم بصت لسارة وقالت بحنان مصطنع: “يا حبيبتي، ممكن تعملي فيا معروف؟ روحي استني جنب مكتب الممرضة مروة واطلبي منها شوية استيكرز نجوم.”

سارة نزلت من على الدكة بحذر، وراحت وهي لازقة دراعها الشمال في جنبها بنفس الطريقة اللي قضيت تلات أسابيع أقول عليها إنها حركة عادية.

الباب اتقفل وراها، وبعدين دكتورة مريم لفت المفتاح في الترباس.

صوت المفتاح وهو بيلف رن في الأوضة المبلطة.

قلت بصدمة وأنا بقوم بسرعة لدرجة إن الكوتشي وقع مني: “دكتورة مريم؟ إنتي بتعملي إيه؟”

حطت إيدها على الباب وقالت: “يا مدام منى، توطي صوتك لو سمحتي.”

صدري ضاق، وقالتلي: “اسمعيني كويس.”

عينيها كانت ثابتة في عيني.

“تحت أي ظرف أوعي تاخدي سارة البيت النهاردة بالليل.”

لثانية واحدة، حسيت إن الأوضة بتلف بيا.

قلت: “نعم؟!”

جه في عقلي أسوأ كابوس ممكن أتخيله.

“لو لقيتي ورم سرطاني في العضم…”

قاطعتني وقالت: “ده مش تشخيص ورم، ومش ده اللي مخليني أطلب منك تستني.”

الإجابة دي خوفتني أكتر من السرطان نفسه.

قالت: “الأول كلمي المحامي بتاعك، وثانيًا، أنا فعلت بروتوكول الحماية الإجباري بتاع المستشفى.”

ريقي نشف.

“الشرطة وخدمات حماية الطفل هيبعتوهم هنا دلوقتي؟”

رجعت خطوة لورا وقلت بصوت عالي غصب عني: “إنتي اتجننتي؟ دي وقعت في المرجوحة.. وجوزها بيقول إنها شادة عضلة!”

دكتورة مريم ما اتأثرتش بأي انفعال. قعدت قدام الكمبيوتر وبدأت تكتب.

قالت: “أنا طلعت تاريخ الأشعة الإلكتروني الكامل بتاع سارة.. مش أشعة النهاردة بس.”

الصور بدأت تفتح على الشاشة.

زيارة الطوارئ لمستشفى الأطفال.

عيادة العظام في حي الزهور.

زيارة تانية بعد شهرين.

وسلسلة صور من الطوارئ في الشتا اللي فات.

واحدة ورا التانية، ست دراسات أشعة اتملى بيها الشاشات، صور لعظام سارة بتواريخ مختلفة.

دكتورة مريم قربت أكتر، وإيدها اترفعت ناحية نص الشاشة.

ولأول مرة لاحظت إن صوابعها بتترعش.

قالت بصوت مهتز: “بصي على تاريخ عضم بنتك يا مدام منى.”

بصيت للشاشة، وشارت على واحدة من الأشعة وبصتلي تاني وقالت: “بصي كويس.. وقوليلي لو لسه مصدقة إن دي مجرد وقعة في مرجوحة.”

فضلت باصة للصور وأنا مش فاهمة.

قلت: “أنا مش دكتورة، ومش فاهمة إنتي عايزاني أشوف إيه. دي عضم بنتي، وأنا شايفاها بتتوجع كل يوم، بس كل اللي قالوه ليا إنها بتخاف من الوجع وبتبالغ فيه.”

دكتورة مريم سكتت لحظة، وبعدين سألتني:

“مين اللي قالك الكلام ده؟”

“جوزي.”

“اسمه إيه؟”

“أحمد.”

كتبت الاسم في الكمبيوتر، وبعدها رفعت عينيها ليا.

“يا مدام منى، أنا محتاجة أسألك كام سؤال، وتجاوبيني على قد ما تقدري. بنتك اتعرضت لإصابات قبل كده؟”

حسيت إن السؤال إهانة ليا.

قلت بعصبية: “طبعًا كل الأطفال بتقع. سارة وقعت وهي صغيرة، واتخبطت في رجلها مرة وهي بتلعب، لكن مفيش حاجة من اللي إنتي بتلمحي ليها دي حصلت.”

قالت بهدوء: “أنا مش باتهمك بحاجة، ومش باتهم حد من غير دليل. أنا بحاول أفهم نمط الإصابات اللي قدامي.”

قربت من الشاشة وأشارت للصورة الأولى.

“دي من حوالي سنة ونص. وقتها سارة كان عندها كسر في الساعد. التقرير القديم بيقول إنكم وصلتوا المستشفى بعد الإصابة بوقت، وإن اللي جابها كان والدها.”

هزيت راسي.

“أيوه، أنا كنت في شغلي. أحمد اتصل بيا وقال إنها وقعت من على السلم. روحت المستشفى بعدها، والدكتور قال إن الكسر بسيط وهيخف.”

نقلت إيدها للصورة التانية.

“ودي بعد حوالي أربعة شهور. إصابة تانية في نفس الذراع تقريبًا، لكن المرة دي كان فيه التئام قديم ظاهر جنب الكسر الجديد.”

بصيت لها.

“يعني إيه التئام قديم؟”

“يعني إن العضم كان اتعرض لإصابة قبل كده وبدأ يلتئم. وده مش معناه لوحده إن فيه اعتداء. الأطفال ممكن يتعرضوا لإصابات مختلفة، وإحنا بنبص على كل حالة حسب سن الطفل، وطبيعة الإصابة، والتاريخ المرضي، وطريقة حدوثها.”

وبعدين فتحت الصورة التالتة.

“لكن لما نيجي للصورة دي، وبعدها الرابعة والخامسة والسادسة، ونقارنهم ببعض، لازم نسأل أسئلة أكتر.”

حسيت ببرودة في إيديا.

قلت: “إنتي بتقولي إن بنتي عندها مرض في العضم؟”

ردت: “ده احتمال لازم نستبعده، خصوصًا لو فيه تاريخ عائلي أو أعراض تانية. لكن فيه حاجة تانية مقلقاني، وهي إن الإصابات مش كلها حصلت في نفس الظروف، وفي كل مرة كان فيه تفسير مختلف.”

قربت من الشاشة أكتر.

“مرة وقعت من السلم، ومرة وقعت وهي بتجري، ومرة خبطت نفسها في باب، ومرة اتزحلقت في الحمام.”

كل جملة كانت بتخرج من بقها كأنها بتسحب ذكرى من دماغي.

أنا فعلًا كنت فاكرة كل موقف.

فاكرة يوم رجعت من الشغل لقيت سارة قاعدة على الكنبة، دراعها متثبت، وأحمد بيقول إنها اتكعبلت.

وفاكرة يوم تاني لقيتها مش قادرة ترفع إيدها، وأحمد قال إنها كانت بتلعب مع ابن الجيران.

وفاكرة ليلة الشتا اللي فات لما بنتي صحيت من النوم بتعيط من وجع رجلها، وأحمد أصر إننا نستنى للصبح لأن المستشفى زحمة وإن الموضوع مش مستاهل.

بس عمري ما جمعت المواقف دي كلها جنب بعض.

كل مرة كنت بصدق التفسير اللي بيتقال لي، لأني كنت برجع من شغلي تعبانة، ولأني كنت واثقة في جوزي، ولأني ما تخيلتش في يوم إن بنتي ممكن تكون بتتوجع بالشكل ده وأنا مش واخدة بالي.

قلت بصوت ضعيف:

“طب ليه محدش قال لي الكلام ده قبل كده؟”

ردت الدكتورة مريم:

“التقارير القديمة كانت متفرقة، وفي مستشفيات مختلفة. وبعضها اتكتب فيه إن الإصابة متوافقة مع سقوط عرضي، والتقارير دي كانت بتعتمد على المعلومات اللي اتقالت وقت الكشف. أنا النهاردة لما طلبت مقارنة الصور القديمة بالجديدة، لقيت إننا محتاجين تقييم شامل.”

سكتت، وبعدين أضافت:

“وفيه كمان حاجة.”

قلبي دق بعنف.

“إيه؟”

“سارة كانت متوترة جدًا وهي بتتحضر للأشعة. لما سألتها إذا كانت خايفة من الألم، قالتلي إن الألم مش هو اللي مخوفها.”

حسيت إن نفسي وقف.

“قالتلك إيه؟”

بصت ناحية الباب المقفول.

“قالت إنها خايفة نرجعها البيت قبل ما الدكتور يخلص.”

فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتكلم.

بنتي اللي كانت من شوية بتطلب مني أشتريلها عصير مانجا، كانت خايفة ترجع البيت.

بيتها اللي اختارت ستاير أوضتها بنفسها، واللي علقت فيه رسوماتها، واللي كنت فاكرة إنه أأمن مكان ليها في الدنيا.

قلت بسرعة:

“يمكن عشان عندها واجب المدرسة، أو عشان مش عايزة تنام بدري. سارة ساعات بتخاف من حاجات بسيطة.”

دكتورة مريم ما جادلتنيش.

فتحت درج المكتب، وطلعت ورقة صغيرة.

“أنا مش عايزاكي تستنتجي حاجة من جملة واحدة. أنا عايزاكي تسمعي بنتك بنفسك، بس من غير ما تضغطي عليها أو تلقنيها كلام. والأهم إننا نتأكد من سلامتها قبل أي قرار.”

بصيت للورقة.

كان مكتوب عليها رقم محامي.

قلت: “هو أنا محتاجة محامي ليه؟ أنا مش مجرمة.”

قالت بهدوء:

“إنتي أم، ومن حقك تعرفي إيه اللي بيحصل لبنتك، ومن حقك كمان تاخدي استشارة قانونية مستقلة قبل ما تتخذي أي قرار. وجود المحامي مش معناه إن حد حكم على حد. وإحنا مش هنسمح لأي حد يضغط عليكي أو على سارة.”

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى