روايات وقصص

بنتي والاشعه حكايات صافي هاني

في اللحظة دي سمعت صوت خطوات بره الأوضة، وبعدها صوت الممرضة مروة وهي بتقول لحد:

“استنى هنا يا فندم، الدكتورة هتخرج تكلم حضرتك.”

سمعت صوت راجل أعرفه كويس.

صوت أحمد.

“أنا جوزها، وعايز أشوف بنتي حالًا.”

اتجمدت مكاني.

بصيت للدكتورة مريم، وهي بصتلي بنفس النظرة اللي خلتني أفهم إن وجوده هنا مش صدفة.

همست:

“هو عرف إزاي إننا هنا؟”

قبل ما ترد، خبط على الباب بقوة.

“منى! افتحي الباب.”

ما رديتش.

خبط تاني.

“منى، أنا عارف إنك جوه. إنتي بتعملي إيه؟ البنت مستنياني من الصبح.”

دكتورة مريم قربت مني وقالت بصوت منخفض:

“عايزاكي تفضلي هادية. محدش هيدخل قبل ما نتأكد إن الوضع آمن.”

لكن أحمد ما كانش بيخبط كأنه جوزي اللي جاي ياخد مراته وبنته من المستشفى.

كان بيخبط كأنه خايف من حاجة بتحصل جوه.

قال بصوت أعلى:

“يا دكتورة مريم، أنا عارف إنكم بتعملوا أشعة بس. افتحي الباب، عندي شغل ومش فاضي للحوارات دي.”

بصيت للكمبيوتر تاني.

الصور الست كانت لسه مفتوحة.

وفجأة لاحظت تاريخ الصورة الأخيرة.

كانت من النهاردة.

لكن فيه صورة أقدم منها بشهرين، كنت متأكدة إننا ما رحناش فيها لأي مستشفى.

شرت عليها بإيدي المرتعشة.

“دكتورة… الصورة دي اتعملت إمتى؟”

قربت مريم من الشاشة.

“التاريخ موجود تحت.”

قلت: “أنا عارفة التاريخ، بس أنا ما كنتش مع سارة في المستشفى اليوم ده.”

سكتت.

بصيت لها.

“مين اللي جاب بنتي؟”

قبل ما ترد، سمعت أحمد بيقول من ورا الباب:

“منى، لو سمحتي افتحي. إنتي مش فاهمة اللي بيحصل.”

صرخت من غير ما أقصد:

“أمال فهمني! بنتي راحت مستشفى إمتى من غير ما أعرف؟”

سكت الصوت بره.

ثواني طويلة عدت، وبعدها أحمد رد بصوت مختلف، هادي زيادة عن اللزوم:

“إنتي بتتكلمي عن إيه؟”

دكتورة مريم قربت من الباب، لكنها ما فتحتهوش.

قالت: “يا أستاذ أحمد، هنحتاج حضرتك تستنى بره شوية لحد ما نخلص الإجراءات.”

رد بسرعة:

“إجراءات إيه؟ أنا أبوها.”

قالت: “وعشان حضرتك أبوها، من حقك تعرف إن بنتك بتخضع لتقييم طبي شامل، لكن لازم نلتزم بإجراءات المستشفى.”

سمعته بيضحك ضحكة قصيرة، ما كانش فيها أي فرحة.

“تقييم طبي شامل؟ هو الموضوع كبر كده ليه؟ دي خبطة بسيطة، وأنا شرحت لكم كل حاجة.”

رفعت عيني للدكتورة مريم.

هو قال إنه شرح لهم كل حاجة.

لكن إيه هي الحاجة اللي كان بيشرحها؟

وليه كان بيصر إن بنتي وقعت من المرجوحة، مع إن مفيش حد في البيت قال إنه شافها وهي بتقع؟

افتكرت اليوم اللي حصلت فيه الإصابة.

كنت في المطبخ بجهز الغدا، وسمعت صوت سارة بتعيط في أوضتها.

طلعت بسرعة، لقيتها قاعدة على الأرض جنب السرير، حاضنة دراعها وبتترعش.

سألتها:

“مالك يا حبيبتي؟”

قبل ما ترد، أحمد ظهر عند باب الأوضة وقال:

“وقعت من المرجوحة وهي بتلعب.”

استغربت وقتها.

“مرجوحة إيه؟ إحنا النهاردة ما خرجناش.”

بصلي بحدة، وبعدها قال:

“كانت بتلعب من يومين عند أختي، وأنا افتكرتك عارفة.”

سارة رفعت عينيها ليا، وبعدها نزلتهم بسرعة.

ولما قربت منها وسألتها تاني، أحمد قال:

“سيبيها تهدى يا منى. كل ما تسأليها بتخاف أكتر.”

وأنا فعلًا سكت.

مش لأنني ما كنتش مهتمة ببنتي، لكن لأنني صدقته.

لأني كنت متخيلة إن الخوف اللي في عينيها خوف من الدكتور والحقنة والجبس.

ما تخيلتش إنه ممكن يكون خوف من الكلام نفسه.

رجعت للحاضر على صوت دكتورة مريم وهي بتقول:

“يا مدام منى، محتاجين نكمل الفحوصات، وهنطلب من الفريق المختص يراجع كل الصور والتقارير. مش هينفع نحدد سبب كل إصابة من الأشعة لوحدها.”

قلت:

“أنا عايزة أشوف بنتي.”

قالت:

“هتشوفيها حالًا، بس محتاجة أقولك حاجة قبل ما تدخلي عليها.”

مسكت إيدي.

“لو سارة قالتلك أي حاجة، حتى لو كانت صعبة عليكي، ما تزعقيش وما تستعجليهاش. اسمعيها بس. ومهما كان اللي هتقوله، ما توعديهاش بوعد مش متأكدة إنك تقدري تنفذيه.”

حسيت إن قلبي بيتقطع.

“إنتي متوقعة إنها هتقول إيه؟”

قالت:

“أنا مش هتوقع بدلها. هي اللي لازم تحكي بطريقتها.”

وبعدين فتحت الباب بعد ما اتأكدت إن الممرضة موجودة، وخرجت.

أحمد كان واقف في الممر، لابس قميصه الأزرق اللي كنت جايباهوله في عيد جوازنا، ومسك موبايله في إيده.

أول ما شافني، قرب بسرعة.

“إنتي بتعملي إيه يا منى؟ هو أنا مش قلتلك دي خبطة بسيطة؟”

بصيت له من غير ما أرد.

كمل:

“الدكتورة مكبرة الموضوع، وإنتي ماشية ورا كلامها ليه؟ إحنا هنروح البيت، وهجيب لسارة الدوا اللي الدكتور كتبه، وبكرة الصبح كل حاجة هتبقى تمام.”

قلت:

“إنت جبت سارة مستشفى من شهرين من غير ما أعرف؟”

وشه اتغير للحظة.

لحظة صغيرة جدًا، لكن أنا شفتها.

قال:

“إنتي بتجيبي الكلام ده منين؟”

“من الأشعة. فيه صورة بتاريخ أنا ما كنتش معاها فيه.”

رد بسرعة:

“آه، دي كانت زيارة عادية. إنتي كنتي مشغولة، وأنا أخدتها أعمل لها كشف.”

“كشف إيه؟”

“كشف عضم. هي كانت بتشتكي من رجلها.”

“وليه ما قلتليش؟”

رفع صوته:

“هو لازم أبلغك بكل نفس البنت بتتنفسه؟ أنا أبوها زي ما إنتي أمها.”

لأول مرة من سنين، ما خفتش من نبرة صوته.

قلت بهدوء:

“لا، مش لازم تبلغني بكل نفس. لكن لازم أعرف لما بنتي تتوجع، ولازم أعرف لما تدخل مستشفى.”

قرب مني وهمس:

“اسمعي يا منى، إحنا مش هنفضح نفسنا قدام الناس. البنت وقعت، ودي حاجة بتحصل. لو فضلتي تعملي دوشة، هي اللي هتتعب.”

الكلمة الأخيرة خلتني أبص له بصدمة.

“هي اللي هتتعب؟”

هز راسه.

“أيوه. الأطفال بتخاف من الدكاترة، وإنتي كده بتزودي خوفها.”

كنت عايزة أسأله مئات الأسئلة، لكن الممرضة مروة ظهرت عند آخر الممر وقالت:

“مدام منى، سارة عايزاكي.”

لفيت وشي ناحية أوضة الأطفال.

أحمد حاول يمسك دراعي.

“استني، أنا داخل معاكي.”

سحبت دراعي بهدوء وقلت:

“خليني أكلم بنتي لوحدنا.”

وشه اتشد.

“ليه؟”

“عشان هي عايزاني.”

“وأنا أبوها.”

“وأنا أمها.”

فضل باصص لي ثواني، وبعدها رجع خطوة لورا.

دخلت أوضة الأطفال.

كانت سارة قاعدة على السرير، لابسة بيجامة المستشفى، وحاضنة دبدوب بني صغير كنت جايباهولها من سنتين.

أول ما شافتني، مدت إيدها السليمة ناحيتي.

جريت عليها وقعدت جنبها، وضممتها لحضني بحذر شديد.

“حبيبتي، أنا هنا.”

ما قالتش حاجة.

فضلت حاطة راسها على صدري، وبتتنفس بسرعة.

مسحت على شعرها وقلت:

“الدكتورة قالت إنهم هيعملوا لك شوية فحوصات عشان يعرفوا سبب الوجع. وإنتي مش هتعملي حاجة غصب عنك من غير ما يشرحوا لك.”

رفعت عينيها ليا.

“ماما، إحنا هنروح البيت؟”

السؤال كان بسيط، لكن صوتها كان مليان خوف.

قلت:

“لسه مش عارفة يا حبيبتي. لازم نسمع كلام الدكاترة ونتأكد إنك بقيتي كويسة.”

بصت ناحية الباب.

“وبابا؟”

قلبي اتقبض.

“بابا بره.”

سارة ضمت الدبدوب أكتر.

“هو زعلان؟”

“مش عارفة يا حبيبتي. إنتي ليه خايفة يكون زعلان؟”

سكتت.

ما ضغطتش عليها.

فضلت ماسكة إيديها، لحد ما أخيرًا رفعت وشها وقالت:

“ماما، لو قلتلك حاجة، هتصدقيها؟”

حسيت إن الدموع هتنزل، لكن حاولت أتماسك.

“هسمعك يا سارة. احكيلي اللي إنتي عايزاه.”

بصت للباب تاني.

“حتى لو بابا قال إني بكدب؟”

ضممتها لحضني.

“أنا مش هحكم على كلامك قبل ما أسمعه. احكيلي براحتك.”

سارة فضلت ساكتة فترة طويلة، وبعدها بدأت تتكلم بصوت صغير.

“فاكرة يا ماما لما دراعي اتكسر أول مرة؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى