
هزيت راسي.
“أيوه.”
“أنا ما وقعتش من السلم.”
حسيت إن قلبي وقف.
ما سألتهاش مين عمل إيه، ولا حاولت أفسر كلامها.
قلت بس:
“طيب يا حبيبتي، إنتي كنتي فين؟”
“كنت في أوضة السفرة.”
“وبعدين؟”
بصت في إيديها.
“بابا كان متعصب، وأنا كنت بحاول أجيب الكوباية اللي وقعت من على الترابيزة. هو قال لي أبعد، وأنا خفت، ولما رجعت لورا اتخبطت في الكرسي.”
سكتت لحظة، وبعدها قالت:
“بس لما رحنا المستشفى، بابا قال للدكتور إني وقعت من السلم.”
غمضت عيني.
افتكرت اليوم ده.
افتكرت أحمد وهو داخل عليا في الشغل، بيقول إن سارة وقعت، وإنه أخدها المستشفى وإن كل حاجة تحت السيطرة.
افتكرت إنه طلب مني ما أرجعش البيت بدري عشان البنت محتاجة تنام.
وصدقته.
سارة كملت:
“أنا كنت عايزة أقول للدكتور، بس بابا قال لي لو حكيت اللي حصل، إنتي هتزعلي مني، ومش هتخليني أروح عند تيتة.”
مسحت دموعها بطرف كمها.
“أنا ما كنتش عايزة أزعلك يا ماما.”
حسيت إن قلبي بيتقطع من جوايا.
قلت لها:
“إنتي عمرك ما هتزعّليني لما تحكيلي الحقيقة. إنتي مش مسؤولة عن زعل الكبار، ومش مطلوب منك تحمي حد من نتيجة تصرفاته.”
بصتلي كأنها بتحاول تفهم كلامي.
وبعدين قالت:
“طب لو قلتلك باقي الحاجات، هتزعلي؟”
“يمكن أزعل من اللي حصل، لكن مش منك أبدًا.”
سارة سكتت شوية، وبعدها همست:
“أنا مش عايزة أرجع البيت النهاردة.”
ضميتها لحضني بقوة، وبعدين افتكرت إن دراعها بيوجعها، فخففت حضني بسرعة.
“مش هنجبرك على حاجة يا حبيبتي. هنخلي الدكاترة يساعدونا، وهنشوف إيه اللي يطمنك.”
في اللحظة دي، دخلت دكتورة مريم ومعاها أخصائية اجتماعية اسمها نهال.
نهال قعدت على كرسي جنب السرير، وقالت لسارة بابتسامة هادية:
“أنا نهال، شغلي أساعد الأطفال لما يكون عندهم حاجة مضايقاهم. ومش لازم تحكي أي حاجة مش مستعدة تحكيها دلوقتي.”
سارة بصت لي، وأنا هزيت راسي ليها.
“أنا هفضل معاكي.”
نهال بدأت تسألها أسئلة بسيطة عن المدرسة، وصحابها، والحاجات اللي بتحب تعملها.
بعد شوية، سارة بدأت تهدى.
لكن لما نهال سألتها عن آخر مرة دراعها وجعها فيها، اتغير وشها.
قالت:
“بابا قال لي ما أقولش لماما.”
نهال ردت بهدوء:
“إنتي مش مطالبة تخبي أي حاجة تخص سلامتك. ولو فيه حاجة بتوجعك أو بتخوفك، من حقك تطلبي المساعدة.”
سارة حركت صوابعها في طرف البطانية.
“آخر مرة كانت في أوضتي.”
أنا بصيت لها، لكن نهال أشارت لي إني أسيبها تتكلم براحتها.
سارة كملت:
“كنت بعمل الواجب، وبابا دخل يسألني عن ورقة المدرسة. أنا قلت له مش لاقياها. هو اتعصب، وفضل يدور في الشنطة. ولما ملقهاش، شد الشنطة من إيدي، فوقعت على الأرض، وأنا وقعت معاها.”
سكتت، وبعدها قالت:
“أنا كنت خايفة أقول لماما، عشان بابا قال إنك مش هتصدقي إني كنت بحاول أعمل الواجب.”
نهال ما سألتهاش أسئلة توحي بإجابة معينة، لكنها سجلت كلامها بالطريقة المتبعة، وبعدها قالت إن الفريق المختص هيحتاج يتابع الحالة مع الأطباء.
خرجت نهال مع دكتورة مريم، وفضلت أنا مع سارة.
بعد دقائق، سمعت صوت أحمد في الممر.
كان بيتكلم في التليفون بصوت منخفض، لكن الباب ما كانش مقفول كويس.
“أنا قلتلك إن الموضوع بسيط… أيوه، هي بدأت تسأل عن الأشعة… مش عارف الدكتورة شافت إيه بالظبط.”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“لا، الورق القديم لازم يفضل زي ما هو. محدش يغير حاجة دلوقتي.”
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
مين اللي بيكلمه؟
وإيه الورق القديم اللي لازم يفضل زي ما هو؟
قربت من الباب، لكن قبل ما أسمع باقي الكلام، أحمد بعد عن الأوضة.
رجعت جنب سارة، وفضلت باصة لها وهي بتلعب في ودن الدبدوب.
قلت:
“حبيبتي، إنتي فاكرة مين كان معاكي في الزيارة اللي من شهرين؟”
سارة رفعت عينيها بسرعة.
“إنتي عرفتي؟”
حاولت أحافظ على هدوئي.
“عرفت إن فيه أشعة اتعملت، بس مش عارفة التفاصيل.”
سارة بلعت ريقها.
“كنت مع بابا.”
“راح بيكي فين؟”
“مستشفى كبيرة، بس مش فاكرة اسمها.”
“وكان عندك وجع في رجلك؟”
هزت راسها.
“أيوه. كنت بعيط بالليل، وبابا قال لي إني بدلع. وبعدها خدني للدكتور، وقال له إني وقعت في المدرسة.”
“وإنتي وقعتي في المدرسة؟”
سارة هزت راسها بالنفي.
“كنت في البيت.”
سكتت شوية، وبعدها قالت:
“ماما، أنا مش عايزة بابا يعرف إني قلتلك.”
مسكت إيديها.
“أنا فاهمة إنك خايفة. ومش هطلب منك تواجهِي أي حد، ومش هخليكي تشيلي مسؤولية الموضوع. الكبار هما اللي لازم يتصرفوا ويحموكي.”
في اللحظة دي، دخلت دكتورة مريم مرة تانية.
قالت إن الأشعة محتاجة مراجعة من استشاري عظام أطفال، وإنهم هيعملوا تحاليل وفحوصات إضافية لاستبعاد أي مرض ممكن يضعف العظام، وإنهم مش هيستعجلوا في إصدار حكم على سبب الإصابات.
وبعدين طلبت مني أخرج معاها دقيقة.
خرجت وأنا قلبي متعلق بسارة.
في مكتب صغير جنب القسم، كانت فيه أخصائية حماية الطفل، ورجل من أمن المستشفى، ومحامي اتصلت بيه الدكتورة مريم بعد ما وافقت.
المحامي، اسمه الأستاذ شريف، قدم نفسه بهدوء، وقال:
“أنا هنا عشان أوضح لك حقوقك وإجراءات حماية بنتك. لحد ما الفريق الطبي يخلص تقييمه، الأفضل إن أي قرار متعلق بخروجها يتاخد بالتنسيق مع المستشفى والجهات المختصة.”
قلت:
“أنا مش عايزة أظلم جوزي. أنا عايزة أعرف الحقيقة.”
رد:
“وده حقك. مفيش حد هنا المفروض يطلب منك تصدقي اتهام من غير دليل. وفي نفس الوقت، مفيش حد يقدر يتجاهل كلام طفلة عندها إصابات متكررة وخوف واضح من الرجوع للبيت.”
سألته:
“ولو طلع إن فيه مرض في العضم؟”
قال:
“هيتعالج، وهتحتاج متابعة طبية. ولو ظهر إن فيه أذى متعمد، ده مسار تاني. إحنا مش هنخلط الاتنين ببعض.”
بعدها طلب مني أراجع كل التواريخ اللي فاكرها عن إصابات سارة.
بدأت أتكلم.
عن السلم.
وعن الكرسي.
وعن ليلة الشتا.
وعن المرجوحة اللي ما كنتش متأكدة إنها السبب أصلًا.
كل ما كنت بفتكر موقف، كنت بحس إني باكتشف جزء من حياتي ما كنتش شايفاه.
مش لأنني ما كنتش بحب بنتي.
لكن لأنني كنت بصدق الشخص اللي المفروض يكون أحرص الناس عليها.
بعد حوالي ساعة، رجعت لسارة.
كانت نامت من التعب، والدبدوب في حضنها.
قعدت جنبها، وبصيت لوشها الصغير.
افتكرت أول يوم دخلت فيه المدرسة، لما مسكت صباعي وقالتلي إنها خايفة من المدرّسة.
وافتكرت أول مرة وقعت وهي بتتعلم العجلة، وإزاي كانت بتضحك رغم إن ركبتها اتجرحت.
افتكرت كل مرة كانت بتجري عليا وتحكيلي تفاصيل يومها.
إمتى بقت بتخاف تحكي؟
إمتى بقت تختار كلماتها قبل ما تتكلم؟
وإمتى بقت شايفة إن الصمت أأمن من الحقيقة؟
كنت غرقانة في الأسئلة لما موبايل أحمد رن بره الأوضة.
سمعته بيرد بعصبية:
“مش هينفع دلوقتي.”
وبعدها صوت ست، ما قدرتش أميز كلامها.
أحمد قال:
“أنا هتصرف. محدش ييجي المستشفى.”
الصوت اختفى، وبعد شوية سمعت خطواته بتقرب من الباب.
دخل من غير ما يستأذن.
أول ما شافني، بص لسارة النائمة، وبعدها قال:
“أنا عايز أتكلم معاكي.”
وقفت.
“اتفضل.”
بص للممرضة اللي كانت موجودة، وقال:
“ممكن تسيبينا لوحدنا؟”
الممرضة ردت:
“أنا موجودة ضمن فريق الرعاية، ومش هقدر أخرج دلوقتي.”
وش أحمد اتغير.
قال لي:
“إنتي وصلتي الموضوع لحد إنهم مش سايبيني أقعد مع بنتي؟”
رديت:
“أنا ما عملتش حاجة غير إني سمعت بنتي.”
قال:
“سمعتي إيه؟ كلام طفلة عندها تمان سنين؟ الأطفال بتخترع حكايات، وخصوصًا لما يكونوا خايفين من العقاب.”
بصيت له طويلًا.
“هي قالت إن إصابتها القديمة ما حصلتش بالطريقة اللي إنت حكيتها.”
رفع صوته:
“يعني إنتي صدقتيها وكذبتيني؟”




