روايات وقصص

بنتي والاشعه حكايات صافي هاني

قلت:
“أنا مش بحكم على حد. أنا بس عايزة أعرف ليه فيه معلومات مختلفة عن كل إصابة.”
قرب خطوة.
“عشان إنتي مش موجودة في البيت طول الوقت يا منى! أنا اللي بشيل المسؤولية. أنا اللي بوديها المدرسة، وأنا اللي بذاكر لها، وأنا اللي بجيب لها الأكل واللبس. ولما تقع، إنتي بتيجي آخر اليوم تسألي سؤالين وتفتكري إنك عرفتي كل حاجة.”
الكلام وجعني، لأنه كان فيه جزء من الحقيقة.
أنا فعلًا كنت بشتغل ساعات طويلة، وكنت باعتمد عليه في تفاصيل كتير تخص سارة.
لكن ده ما كانش معناه إنه يحق له يخبي عني إصاباتها.
قلت:
“يمكن أنا قصرت في حاجات، وده شيء هراجعه مع نفسي طول عمري. لكن تقصيري في الشغل مش مبرر إن حد يخوف بنتي أو يخليها تخبي وجعها.”
اتسمر مكانه.
وبعدين بص لسارة، وقال بصوت هادي:
“سارة، يا حبيبتي، بابا هنا.”
سارة اتحركت في نومها، ولما فتحت عينيها وشافته، شدت البطانية لحد رقبتها.
الحركة دي كانت صغيرة، لكنها كانت كفاية تخلي قلبي ينقبض.
أحمد لاحظها.
قال:
“شايفة؟ هي بس تعبانة. إنتي بتخوفيها أكتر.”
الممرضة تدخلت بهدوء:
“يا أستاذ أحمد، البنت محتاجة راحة. لو سمحت، استنى بره لحد ما الدكتور يحدد إمتى الزيارة مناسبة.”
أحمد بص لي نظرة طويلة.
وبعدين قال:
“إنتي مش عارفة إنتي بتعملي إيه. لما الحقيقة تظهر، هتندمي إنك سمحتي للناس دي تدخل بينا.”
خرج وقفل الباب وراه.
بعد ما مشي، سارة فتحت عينيها بالكامل.
قالت بصوت خافت:
“ماما، هو زعلان مني؟”
قعدت جنبها ومسكت إيديها.
“إنتي مش مسؤولة عن مشاعر الكبار يا حبيبتي. إنتي مسؤولة إنك تقولي لما تكوني خايفة أو موجوعة، وإحنا مسؤولين نسمعك ونحميكي.”
سارة فضلت باصة لي، وبعدها قالت:
“طب أنا هفضل هنا الليلة؟”
قلت:
“هنستنى قرار الدكاترة، ومش هنعمل حاجة من غير ما نعرف إنها آمنة ليكي.”
سألتني:
“وإنتي هتنامي جنبي؟”
ابتسمت رغم الدموع.
“هفضل جنبك على قد ما أقدر.”
في اليوم ده، لأول مرة من سنين، حسيت إن كلمة صغيرة زي “هفضل جنبك” ممكن تكون أهم من أي وعد كبير.
عدت الساعات ببطء.
الفحوصات الإضافية اتعملت، واستشاري العظام راجع الصور القديمة والجديدة. أكد إن فيه إصابات متعددة في أوقات مختلفة، لكن سببها النهائي ما ينفعش يتحدد من الصور وحدها. لازم يتراجع التاريخ الطبي كاملًا، ويتعمل تقييم شامل، وتتقارن النتائج بكل اللي اتقال عن ظروف الإصابات.
أما تقرير الأشعة الأخيرة، فكان فيه ملاحظة محتاجة متابعة دقيقة، لأن شكل بعض العظام كان محتاج استبعاد مشكلة طبية ممكن تكون بتأثر على قوتها.
ما كانش فيه حكم نهائي.
ولا اتهام طبي محسوم.
لكن كان فيه شيء واضح: سارة محتاجة رعاية ومتابعة، ومينفعش تتعامل حالتها على إنها مجرد خبطة عابرة من غير ما نفهم الصورة كاملة.
في المساء، دخلت دكتورة مريم عليا وقالت:
“يا مدام منى، إحنا هنخلي سارة تحت الملاحظة الليلة. فريق حماية الطفل هيكمل الإجراءات، وهنطلب استكمال التقييم الطبي بكرة.”
سألتها:
“وأحمد؟”
قالت:
“هيتم التعامل مع الزيارة وفق الإجراءات المعمول بيها. محدش هيمنع أي حد من حقوقه من غير سند، لكن سلامة سارة هي الأولوية دلوقتي.”
حسيت براحة بسيطة، ممزوجة بخوف كبير من اللي جاي.
بعد شوية، الأستاذ شريف رجع واتكلم معايا عن الخطوات القانونية، وطلب مني أحتفظ بكل التقارير والرسائل المتعلقة بإصابات سارة، وألا أحاول أواجه أي حد أو أضغط على بنتي عشان تحكي تفاصيل إضافية.
قال:
“سيبي التقييم للمختصين. أهم حاجة دلوقتي إن سارة تحس إنها مش مطالبة تختار بين أمها وأبوها.”
الجملة فضلت ترن في دماغي.
لأنني كنت أعرف إن أصعب حاجة على بنت عندها تمان سنين إنها تحس إن حبها لأبوها ممكن يبقى سبب في خوفها من الكلام.
في آخر الليل، وأنا قاعدة جنب سريرها، سارة فتحت عينيها وقالت:
“ماما؟”
“عيوني يا حبيبتي.”
“أنا فاكرة حاجة تانية.”
مسكت إيديها.
“لو حابة تحكي، أنا سامعاكي.”
قالت:
“في اليوم اللي رحنا فيه المستشفى من شهرين، بابا كان معاه ورقة في العربية. كان بيقول لحد في التليفون إن الدكتور لازم يكتب نفس الكلام اللي اتكتب المرة اللي فاتت.”
حاولت أحافظ على هدوئي.
“إنتي فاكرة مين كان بيكلمه؟”
هزت راسها.
“مش عارفة. بس لما سألته، قال لي إن دي حاجة تخص الكبار.”
سكتت لحظة، وبعدين أضافت:
“ولما رجعنا البيت، طلب مني ما أقولكيش إننا رحنا المستشفى، عشان قال إنك هتتعصبي وتزعقي.”
سألتها:
“هو قالك كده إمتى؟”
“في العربية.”
فضلت ساكتة، وأنا بحاول ما أظهرش لها حجم الصدمة اللي جوايا.
مشيت كلامها في دماغي، لكنني ما استنتجتش منه حاجة لوحدي. كل اللي كنت أعرفه إن فيه معلومات لازم تتراجع، وإن سارة مش المفروض تتحمل مسؤولية تفسيرها.
قلت لها:
“شكرًا إنك وثقتي فيا وحكيتيلي. دلوقتي ارتاحي، وإحنا هنسيب الكبار يتأكدوا من كل حاجة.”
نامت بعدها بشوية، وأنا فضلت قاعدة جنبها لحد الفجر.
مع أول ضوء للنهار، وصلت أخصائية حماية الطفل، وجابت معاها نسخة من محضر الإجراءات الأولية. قالت إن المستشفى هيتعاون مع الجهات المختصة، وإن أي مقابلات إضافية مع سارة هتتم بطريقة مناسبة لسنها، من غير ضغط أو تكرار مرهق للأسئلة.
وبعدها وصل استشاري العظام، وشرح لي إنهم هيعملوا تحاليل إضافية، وإن بعض أسباب ضعف العظام ممكن تظهر في الفحوصات المعملية والتاريخ الطبي، وإنه لازم يتأكدوا من كل الاحتمالات قبل ما يثبتوا أي تشخيص.
سألته:
“يعني بنتي ممكن تكون عندها مرض؟”
قال:
“ممكن، لكن لسه بدري على الحكم. فيه علامات تستحق المتابعة، وفيه أسباب مختلفة محتملة. هنمشي خطوة خطوة.”
كنت محتاجة أسمع الكلام ده.
لأن الخوف كان بيخليني عايزة إجابة فورية، حتى لو الإجابة مش مؤكدة.
لكن بنتي كانت محتاجة حقيقة، مش تخمين.
بعد الظهر، أحمد جه تاني.
المرة دي ما خبطش بعنف، لكنه وقف عند الباب وقال للممرضة إنه عايز يطمن على سارة.
الفريق المسؤول سمح بزيارة قصيرة تحت الإشراف، بعد التأكد من ملاءمتها لظروف الحالة.
دخل أحمد، وفي إيده كيس فيه شوكولاتة وكتاب تلوين كانت سارة بتحبه.
قال بابتسامة متوترة:
“جبتلك الحاجات اللي بتحبيها يا حبيبتي.”
سارة بصت للكيس، لكنها ما مدتّش إيدها.
أحمد حطه على الترابيزة.
“مالك يا سارة؟ مش هتقولي لبابا سلامتك؟”
سارة سكتت.
قال:
“أنا زعلان إنك تعبانة، والله. وعايزك تعرفي إن بابا بيحبك.”
رفعت سارة عينيها له.
“طب ليه بتقول للدكاترة إني وقعت، وأنا ما وقعتش؟”
الصمت اللي نزل على الأوضة كان تقيل.
أحمد بص لها، وبعدها بص لي.
قال:
“إنتي فاهمة غلط يا حبيبتي.”
سارة شدت البطانية.
“أنا مش فاهمة غلط. أنا فاكرة.”
قرب خطوة، لكن الممرضة طلبت منه يفضل في مكانه.
قال بصوت متوتر:
“إنتي كنتي صغيرة، وممكن تكوني نسيتي.”
سارة هزت راسها.
“أنا فاكرة.”
أحمد سكت، وبعدها قال:
“خلاص. مش هنتكلم في الموضوع ده دلوقتي.”
بص لي وقال:
“ممكن نتكلم بره؟”
الممرضة وضحت إن الزيارة انتهت، وإنه يقدريتواصل مع الفريق المسؤول بخصوص أي أسئلة أو معلومات تخص الحالة.
قبل ما يخرج، بص لسارة وقال:
“بابا مستنيكي ترجعي البيت.”
سارة ما ردتش.
ولما الباب اتقفل، بصت لي وسألت:
“ماما، هو ممكن يزعل مني لو ما رجعتش معاه؟”
قعدت جنبها.
“يا حبيبتي، مفيش حد من حقه يخوفك عشان ترجعي مكان إنتي مش حاسة فيه بالأمان. وقرار خروجك هيتاخد بعد ما الدكاترة والجهات المختصة يتأكدوا إنك بخير.”
سارة فضلت باصة لي شوية، وبعدها قالت:
“أنا بحب بابا، بس بخاف لما يبقى متعصب.”
ضممتها لحضني.
“ممكن تحبي حد، وفي نفس الوقت تكوني خايفة من تصرفاته. مش مطلوب منك تختاري بين مشاعرك. المطلوب إننا نلاقي طريقة تخليكي آمنة.”
كانت دي أول مرة أشوف بنتي بتتكلم عن خوفها من غير ما تعتذر عنه.
وفي الأيام اللي بعدها، بدأت الصورة تتضح بالتدريج.
التحاليل استبعدت بعض الأسباب المرضية، لكن الفريق الطبي احتاج وقتًا أطول لتقييم حالة العظام والتاريخ الصحي. ما أعلنوش تشخيص نهائي من أول يوم، وما اعتبروش كل إصابة دليلًا منفردًا على سبب واحد.
وفي المقابل، التقارير القديمة اتراجعت، واتسجلت التناقضات بين روايات الإصابات في الزيارات المختلفة.
اتطلبت مستندات الزيارة اللي حصلت من غير علمي، واتراجع سجل المستشفى وتفاصيل الحضور والتوقيعات المتاحة.
أما أنا، فكنت بروح من مكتب لمكتب، ومن دكتور لدكتور، وكل ما أفتكر إن فيه حاجة جديدة لازم أعملها، أرجع أبص على سارة وأقول لنفسي إن أهم حاجة دلوقتي إنها تتعالج وتحس بالأمان.
ما حاولتش أستجوبها.
ما طلبتش منها تعيد الكلام اللي قالته.
وما قلتلهاش إنها لازم تختار تعيش مع مين.
كنت بسمعها لما تحب تحكي، وبسيبها تلعب أو ترسم لما تحب تسكت.
وفي يوم، وهي بترسم في كراسة التلوين، لقيتها راسمة بيت صغير، وشباك مفتوح، وشجرة جنب الباب.
سألتها:
“دي رسمة إيه يا سارة؟”
قالت:
“ده البيت اللي بحب أعيش فيه.”
ابتسمت.
“شكله جميل.”
قالت:
“فيه أوضة ليا، وبابا وماما بيخبطوا قبل ما يدخلوا.”
الكلام وجعني، لكنني ابتسمت لها.
“ومن حقك يكون عندك مساحة خاصة يا حبيبتي.”
كملت تلوين الشجرة، وبعدها قالت:
“ومحدش يزعق لما أغلط في الواجب.”
مسحت على شعرها.
“هنحاول نخلي بيتنا مكان تتعلمي فيه من غير خوف.”
ما وعدتهاش إن كل حاجة هتبقى مثالية.
لكن وعدتها إني هسمعها.
بعد حوالي أسبوع، طلب مني الأستاذ شريف أقابله في مكتبه، وقال إن فيه تطور مهم في مراجعة المستندات.
روحت وأنا قلبي بيدق بسرعة.
حط قدامي مجموعة أوراق.
“دي سجلات الزيارات اللي طلبنا مراجعتها. فيه زيارة اتسجلت باسم والد سارة، واترفق بيها تقرير فيه وصف مختلف للإصابة عن اللي اتقال في الزيارة اللاحقة.”
سألته:
“يعني إيه؟”
قال:
“يعني إن فيه تناقض محتاج تفسير. إحنا مش هنقفز لاستنتاج، لكن التناقض ده لازم يتراجع رسميًا.”
قلبت الأوراق، ولقيت توقيع أحمد في آخر صفحة.
كان التوقيع واضحًا.
لكن اللي شد انتباهي كان اسم الشخص اللي كتب التقرير الأول.
دكتور اسمه حسام.
أنا أعرف الاسم ده.
مش معرفة شخصية، لكن أحمد كان ذكره قبل كده، وقال إنه دكتور عظام شاطر، وإنه ممكن يساعدنا لو سارة احتاجت متابعة.
سألته المحامي:
“هو الدكتور ده اللي شاف سارة من شهرين؟”
رد:
“ده اللي ظاهر في السجل. هنحتاج نتأكد من تفاصيل الكشف، ومن مين قدم المعلومات الطبية وقتها.”
خرجت من المكتب وأنا بفكر في كل مرة أحمد قال لي فيها إن الموضوع بسيط، وإن مفيش داعي نرجع للدكاترة.
وفي نفس الوقت، كنت عارفة إن وجود اسمه في التقرير مش دليل على إنه عمل حاجة غلط.
ما كنتش عايزة أظلم حد.
كنت عايزة أعرف الحقيقة كاملة.
بعد يومين، اتحدد موعد لمراجعة الملف مع الفريق الطبي والجهة المختصة.
روحت المستشفى بدري، ولقيت دكتورة مريم مستنياني.
قالت:
“سارة حالتها مستقرة، ونتائج الفحوصات الأولية مطمئنة من بعض النواحي، لكن لسه محتاجين متابعة. وبالنسبة للإصابات القديمة، إحنا بنراجع كل واحدة في سياقها.”
سألتها:
“هل فيه احتمال إن بعض الإصابات تكون حصلت بسبب مرض؟”
قالت:
“أيوه، وده سبب إننا ما بنعتمدش على الأشعة وحدها. لكن وجود احتمال طبي ما يلغيّش ضرورة مراجعة الظروف اللي حصلت فيها الإصابات، والعكس صحيح. لازم كل جزء يتفهم بشكل مستقل، وبعدها نربط المعلومات ببعض.”
هزيت راسي.
كانت دي أول مرة أحس إن حد بيفصل بين خوفي على بنتي وبين رغبتي في معرفة الحقيقة.
بعد الاجتماع، دخلت على سارة.
كانت واقفة جنب الشباك، بتبص على الأطفال اللي بيلعبوا في الحديقة الصغيرة تحت المستشفى.
قالت أول ما شافتني:
“ماما، هو إحنا هنرجع البيت؟”
قعدت جنبها.
“هنشوف أنسب مكان ليكي بعد ما نخلص الإجراءات. ممكن نقعد فترة عند تيتة، لو ده مناسب وآمن، لحد ما الأمور تستقر.”
وشها نور شوية.
“عند تيتة نادية؟”
“أيوه.”
قالت:
“هي عندها القطة البيضاء اللي بتخاف من المكنسة.”
ضحكت لأول مرة من أيام.
“أيوه، ولسه بتستخبى تحت الكنبة كل ما تسمع صوتها.”
سارة ضحكت، وبعدها رجعت هادية.
“ماما، أنا كنت فاكرة إن لو حكيت، كل حاجة هتبوظ.”
مسكت إيديها.
“الحقيقة ممكن تكون صعبة، وممكن تاخد وقت عشان نفهمها، لكن مش إنتي اللي بوظتي حاجة لما اتكلمتي. إنتي طلبتي المساعدة، وده حقك.”
في اليوم اللي بعده، اتصلت بيا أخت أحمد، هبة.
كانت علاقتنا عادية، لكننا ما كناش قريبين قوي.
قالت بصوت مرتبك:
“منى، ممكن أشوفك؟ فيه حاجة لازم أقولها لك.”
اتفقنا نتقابل في مكان عام، بعيد عن المستشفى وعن الأطفال.
وصلت هبة وهي ماسكة شنطتها بإيديها الاتنين، ووشها باين عليه القلق.
قعدت قدامي، وفضلت ساكتة شوية.
قلت:
“خير يا هبة؟”
رفعت عينيها وقالت:
“أنا مش عارفة أبدأ منين.”
“ابدئي من أي حتة.”
خدت نفس طويل.
“أنا كنت موجودة يوم سارة اتعورت أول مرة.”
اتجمدت مكاني.
“إنتي كنتي موجودة؟”
هزت راسها.
“أيوه. اليوم اللي أحمد قال فيه إنها وقعت من السلم.”
حسيت إن قلبي بيدق في وداني.
“طب ليه ما قلتيليش؟”
بصت للأرض.
“كنت خايفة.”
“خايفة من إيه؟”
قالت بصوت واطي:
“من أحمد. هو أخويا، وأنا عارفة إنه ساعات بيتعصب بطريقة صعبة. في اليوم ده، سارة كانت بتلم حاجات من على الأرض، وهو كان متوتر من مشكلة في الشغل. حصلت خناقة على حاجة بسيطة، وبعدها سارة اتصابت.”
سألتها:
“إنتي شفتي اللي حصل؟”
هبة سكتت لحظة، وبعدها قالت:
“شفت جزء من اللي حصل، وسمعت الباقي. ولما سارة اتصابت، أحمد قال لي ما أتكلمش، وإنه هيتصرف. وأنا بدل ما أطلب مساعدة، سكت.”
كانت عينيها مليانة دموع.
“أنا غلطت يا منى. وأنا عارفة إن سكوتي ما كانش صح.”
ما قدرتش أقول لها إني مسامحاها، ولا قدرت أصرخ فيها.
كل اللي قدرت أقوله:
“سارة كانت محتاجة حد كبير يتكلم.”
هبة غطت وشها بإيديها.
“عارفة.”
سألتها:
“ليه جيتي دلوقتي؟”
قالت:
“لما عرفت إن الموضوع وصل للمستشفى، فهمت إن السكوت مش هيحمي حد. وأنا مستعدة أقول اللي أعرفه للجهات المختصة، من غير ما أزود ولا أنقص.”
طلبت منها تتواصل مع المحامي والجهة المختصة مباشرة، وإنها ما تحاولش تكلم سارة عن الموضوع أو تطلب منها تغير كلامها.
وافقت.
وقبل ما تمشي، قالت:
“منى، فيه حاجة تانية. أحمد كان بيحتفظ بملف فيه تقارير سارة القديمة، وكان دايمًا يقول إنه لازم يفضل عنده.”
سألتها:
“فين الملف؟”
قالت:
“مش عارفة. آخر مرة شفته كان في درج مكتبه في البيت.”
رجعت البيت وأنا بفكر في الملف.
لكنني ما دخلتش أفتش ورا أحمد، وما حاولتش آخد أوراق من غير إذن. كلمت الأستاذ شريف، وهو وضح لي إزاي أبلغ عن المعلومة بالطريقة القانونية، من غير ما أعرض نفسي أو سارة لأي مشكلة.
في اليوم التالي، اتعملت مراجعة رسمية للمعلومات المتاحة، واتطلبت نسخ من التقارير من مصادرها الأصلية.
ومع كل خطوة، كنت بتعلم إن الحقيقة مش دايمًا بتظهر في لحظة واحدة، وإن حماية طفل مش معناها إننا نندفع وراء أول تفسير، لكن معناها إننا ما نتجاهلش أي علامة تستحق الاهتمام.
بعد فترة من المتابعة الطبية والإجراءات، اتسمح لسارة تخرج من المستشفى إلى مكان إقامة آمن، وفق الترتيبات اللي اتفق عليها الفريق المختص.
رحنا عند تيتة نادية.
أول ما دخلت سارة، جريت القطة البيضاء واستخبت تحت الكنبة، فضحكت سارة وقالت:
“هي لسه فاكراني!”
تيتة نادية حضنتها بحنان، وبعدها بصت لي من غير ما تسأل أسئلة كتير.
كانت عارفة إننا محتاجين هدوء.
في أول ليلة، سارة نامت في أوضة صغيرة جنب أوضة تيتة.
قبل ما أنزل أطفي النور، نادتني.
“ماما.”
رجعت لها.
“نعم يا حبيبتي؟”
قالت:
“الباب هيفضل مفتوح؟”
بصيت للباب، وبعدها ابتسمت.
“زي ما تحبي.”
قالت:
“خليه مفتوح شوية.”
سيبت الباب موارب، وقعدت جنبها لحد ما نامت.
وفي الأيام اللي بعدها، بدأنا نرجع لحاجات بسيطة.
الفطار على الترابيزة.
الواجب المدرسي.
رسمة جديدة كل يوم.
ومواعيد المتابعة الطبية اللي ما كناش بنفوت منها حاجة.
كانت سارة ساعات بتصحى من النوم مفزوعة، وساعات ترفض تحكي عن يوم معين، وساعات تسألني إذا كنت زعلانة منها.
وفي كل مرة، كنت بكرر لها إن الكلام عن الخوف مش غلط، وإنها مش مطالبة تحمي الكبار من نتائج أفعالهم.
أما أحمد، فالإجراءات كانت مستمرة، والتقييمات الطبية والقانونية لسه بتتراجع. ما كانش فيه حكم نهائي، ولا كنت هقدر أختصر كل اللي حصل في كلمة واحدة.
لكن حاجة واحدة اتغيرت للأبد.
أنا ما بقيتش أسمع تفسيرًا لإصابة بنتي وأعتبره نهاية السؤال.
بقيت أسأل عن الكشف، وعن التقرير، وعن المتابعة، وعن اللي شاف الإصابة، وعن اللي محتاج يتعمل عشان نتأكد إنها بخير.
مش بدافع الشك في كل الناس، لكن لأن سلامة طفل محتاجة اهتمام حقيقي، مش مجرد جملة مطمئنة.
بعد حوالي شهر، كنا قاعدين أنا وسارة في البلكونة عند تيتة نادية.
كانت بتلون رسمة فيها بيت وشجرة وشمس كبيرة.
سألتها:
“إيه رأيك نعلقها في أوضتك؟”
ابتسمت وقالت:
“بس المرة دي هعلقها بإيدي.”
ضحكت وقلت:
“طبعًا، وإنتي تختاري المكان.”
سكتت شوية، وبعدها قالت:
“ماما، أنا عايزة أقولك حاجة.”
قلبي اتقبض للحظة، لكنني بصيت لها وقلت:
“اتفضلي يا حبيبتي.”
قالت:
“أنا كنت فاكرة إنك لما تعرفي الحقيقة، هتكرهيني عشان أنا كنت ساكتة.”
حطيت القلم من إيدي، وقربت منها.
“ليه يا سارة؟”
قالت:
“عشان كنت كل مرة بقول حاضر ومش بتكلم. كنت بخاف، وبعدين أقول لنفسي يمكن أنا اللي غلطانة.”
حضنتها وقلت:
“إنتي كنتي طفلة بتحاول تتصرف في موقف أكبر منها. مش مطلوب منك تعرفي تتعاملي مع كل حاجة، ومش مطلوب منك تكوني شجاعة طول الوقت. كان المفروض الكبار هما اللي يسمعوكي ويحموكي.”
سارة حطت راسها على كتفي.
“أنا دلوقتي بقيت أقل خوفًا.”
غمضت عيني وأنا بحضنها.
ما كنتش عارفة إذا كان الخوف هيختفي تمامًا، ولا إذا كانت الأيام الجاية هتبقى سهلة.
لكنني كنت عارفة إن بنتي بدأت تفهم إن صوتها له قيمة، وإن وجعها مش حاجة لازم تخبيها، وإن البيت الآمن مش هو البيت اللي مفيهوش مشاكل، لكنه البيت اللي تقدر تتكلم فيه من غير ما تخاف.
وبعد شوية، رفعت سارة راسها وقالت:
“ماما، ممكن أحكيلك عن يوم تاني؟”
مسكت إيديها، وبصيت في عينيها.
“طبعًا يا حبيبتي. أنا سامعاكي.”
وبدأت تحكي.
المرة دي، ما كانتش بتبص ناحية الباب كل شوية.
ما كانتش بتعتذر قبل كل جملة.
وما كانتش بتسألني إذا كنت هصدقها.
كانت بتحكي، وأنا بسمع.
ولما خلصت، حضنتها وقلت لها:
“شكرًا إنك وثقتي فيا.”
ابتسمت، ورجعت تكمل تلوين البيت اللي رسمته.
أما أنا، ففضلت جنبها، وأنا عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن فيه أسئلة هتحتاج إجابات، وفحوصات هتحتاج متابعة، وإجراءات لازم تكمل للنهاية.
لكن الليلة اللي دكتورة مريم قفلت فيها باب أوضة الأشعة بالمفتاح، وفتحت قدامي الصور الست، ما كانتش نهاية حياتنا.
كانت اللحظة اللي بدأت فيها أشوف بنتي بجد.
مش مجرد طفلة بتقع وتقوم.
ولا طفلة بتشتكي من الوجع.
لكن إنسانة صغيرة كان عندها كلام كتير محبوس جواها، وكانت محتاجة حد يسمعها من غير ما يخوفها، ويصدق إن خوفها يستحق الاهتمام، حتى لو لسه الحقيقة الكاملة ما ظهرتش.
وفي آخر اليوم، لما دخلت أطمن عليها قبل النوم، لقيتها حاطة رسمة البيت جنب السرير.
الشمس كانت كبيرة، والشجرة مليانة ورق أخضر، والباب مفتوح.
وتحت الرسمة، كانت كاتبة بخطها الصغير:
“هنا أقدر أتكلم.”
وقفت قدام الرسمة وقت طويل.
وبعدين طفيت النور، وسيبت الباب موارب زي ما بتحب.
لأول مرة من شهور، سمعت صوتها وهي بتقول من جوه الأوضة:
“تصبحي على خير يا ماما.”
رديت عليها وأنا واقفة عند الباب:
“وإنتي من أهل الخير يا قلب ماما.”
وبعد لحظات، سمعتها بتضيف بصوت هادي:
“ماما؟”
رجعت أبص لها.
“عيون ماما.”
ابتسمت وقالت:
“أنا مش خايفة أحكي بكرة.”
ابتسمت لها، وقلت:
“وأنا هفضل أسمعك.”
قفلت الباب بهدوء، مش بالمفتاح، ومش عشان أمنع حد يدخل، لكن عشان أسيب لها المساحة اللي طلبتها، وأنا مطمنة إنها عارفة إن لو احتاجتني، هتلاقيني.
وفي اللحظة دي، فهمت إن حماية بنتي مش معناها إني أقدر أمنع عنها كل وجع في الدنيا، لكن معناها إني ما أسيبهاش تواجه وجعها لوحدها، ولا أخليها تعتقد إن الصمت هو تمن الأمان.
أما الحقيقة الكاملة، فكان ليها طريقها، ولها ناس مختصين هيتابعوها، ولها وقت لازم يمر عشان كل شيء يتراجع صح.
لكن سارة، أخيرًا، كانت بتنام من غير ما تضطر تخبي خوفها.
وده كان أول انتصار حقيقي لينا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى