عام

وانا شايله بنتي حكايات صافي هاني

وأنا شايلة بنيتي اللي لسه مولودة من أسبوعين، وقفت قدام خمسمائة ضيف، وكلهم تقريبًا كانوا بيبصوا لي بنظرات مليانة سخرية وشفقة، وطليقي زياد واقف في نص المسرح، لابس روب التخرج الأسود، ورافع راسه كأنه ملك الدنيا، وقال بصوت عالي خلّى آخر واحد في القاعة يسمعه:

 

«اتفرجوا كويس على الساقطة الفاشلة! دي البنت اللي كانت فاكرة إنها هتقدر تنافسني، وفي الآخر معرفتش حتى تحافظ على جوازها!»

 

ضحكات متفرقة خرجت من بين الحاضرين، وواحد من زمايلنا في الكلية قال بصوت مسموع:

 

«طب ما هي جاية بالبيبي ليه؟ هو حفل التخرج بقى حضانة؟»

 

ضحكوا أكتر، وأنا فضلت واقفة مكاني، حاضنة بنتي بإيدي الشمال، وبإيدي اليمين ماسكة ظرف أبيض مختوم بالشمع الأحمر.

 

بنتي كانت نايمة بسلام، مش عارفة إن أمها واقفة في أكتر لحظة مهينة في حياتها، ولا عارفة إن الراجل اللي كان المفروض يكون أبوها وسندها هو نفسه اللي بيحاول يكسر أمها قدام خمسمائة شخص.

 

لكن اللي محدش كان يعرفه، لا زياد ولا زمايله ولا حتى معظم أعضاء هيئة التدريس، إن الظرف اللي في إيدي كان كفيل يقلب حياة كل واحد في القاعة دي رأسًا على عقب.

 

والأغرب من كده، إن زياد نفسه كان واحد من الناس اللي هيكتشفوا بعد دقائق إن كل اللي اتريق عليه النهارده كان السبب الوحيد في إنه يوصل للمكانة اللي بيتباهى بيها.

 

أنا اسمي مريم عادل، عندي سبعة وعشرين سنة، وكنت لحد وقت قريب طالبة في كلية الحقوق بجامعة خاصة من أكبر الجامعات في مصر.

 

دخلت الجامعة دي بمنحة كاملة، وكنت معروفة وسط الدكاترة إني البنت الهادية اللي بتقعد في أول صف، وبتسجل كل كلمة، ومش بتتكلم إلا لما تكون متأكدة من إجابة السؤال.

 

ماكنتش من عيلة غنية، ولا كان عندي عربية فخمة أو هدوم من ماركات مشهورة، ولا كنت بقدر أخرج مع زمايلي كل أسبوع لمطعم غالي.

 

أبويا مات وأنا عندي تسع سنين، وسابني أنا وأمي لوحدنا.

 

أمي كانت خياطة بسيطة في شقة صغيرة في شبرا، بتشتغل من الصبح لحد نص الليل عشان تقدر تصرف عليا وتخليني أكمل تعليمي.

 

كانت دايمًا تقول لي:

 

«يا مريم، الناس ممكن تاخد منك فلوسك، وممكن تحرمك من حاجات كتير، لكن طول ما عقلك في راسك وشرفك في إيدك، محدش يقدر يقول إنك أقل منه.»

 

كنت بحفظ كلامها زي اسمي، وكل ما الدنيا تضيق بيا، أفتكر صوتها وهي قاعدة قدام ماكينة الخياطة، وعينيها الحمرا من السهر، وإيديها اللي مليانة آثار الإبر.

 

عشان كده، لما دخلت كلية الحقوق، حلفت إني هكون من الأوائل.

 

مش عشان أبقى مشهورة، ولا عشان أشتغل في مكتب محاماة كبير، لكن عشان أقدر في يوم من الأيام أشتري لأمي شقة صغيرة فيها أوضة نوم مريحة، بدل الكنبة اللي كانت بتنام عليها وهي تعبانة.

 

وفي أول سنة ليا في الجامعة، قابلت زياد.

 

كان ابن رجل أعمال معروف، ووالده عضو في مجلس أمناء الجامعة، ووالدته سيدة بتظهر في المناسبات الكبيرة، وعيلته من النوع اللي الناس بتغير طريقة كلامها أول ما تسمع اسمهم.

 

زياد كان وسيم، واثق من نفسه، بيعرف يتكلم بطريقة تخلي أي حد قدامه يحس إنه أهم شخص في المكان.

 

في البداية، ماكنتش مهتمة بيه.

 

هو كان بيقعد في آخر المدرج مع أصحابه، وأنا كنت بقعد قدام.

 

لكن في يوم، الدكتور سأل سؤال صعب عن قضية ميراث، والقاعة كلها سكتت.

 

زياد رفع إيده وقال إجابة طويلة، مليانة مصطلحات قانونية، لكن الدكتور هز راسه وقال له:

 

«الإجابة مش دقيقة يا أستاذ زياد.»

 

وقبل ما الدكتور يكمل، أنا رفعت إيدي وشرحت وجهة النظر القانونية الصحيحة.

 

الدكتور ابتسم وقال:

 

«أحسنتِ يا مريم. ده بالضبط التحليل اللي كنت مستنيه.»

 

لما المحاضرة خلصت، كنت بجمع كتبي، وفجأة لقيت زياد واقف قدامي.

 

قال بابتسامة غريبة:

 

«إنتِ دايمًا كده؟»

 

بصيت له باستغراب.

 

«كده إزاي؟»

 

قال:

 

«بتحبي تحرجي الناس قدام بعض؟»

 

اتصدمت من سؤاله.

 

«أنا جاوبت على سؤال الدكتور، ماكنتش أعرف إنك هتزعل.»

 

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

 

«أنا مزعلتش. بالعكس، أنا معجب بثقتك.»

 

وبعدين مد إيده وقال:

 

«زياد فؤاد.»

 

صافحته وقلت:

 

«مريم عادل.»

 

ومن اليوم ده، بدأ يظهر في حياتي بشكل ماكنتش أتوقعه.

 

كان يستناني بعد المحاضرات، ويسألني عن المذاكرة، ويبعت لي ملاحظات عن المواد، وفي أوقات كتير كان يصر يوصلني لحد محطة المترو.

 

في البداية كنت برفض، لكنه كان يقول:

 

«أنا مش بعمل لك معروف يا مريم، أنا بعمل حاجة أنا عايز أعملها.»

 

وبعد شهور، اعترف لي إنه معجب بيا.

 

ماكنتش مصدقة إن شاب من عيلته ممكن يفكر يتجوز بنت زيي، لكنه أقسم لي إنه مش فارق معاه الفلوس ولا المستوى الاجتماعي.

 

قال لي في يوم وإحنا قاعدين في كافيتريا الجامعة:

 

«أنا مش عايز واحدة من عيلتي، أنا عايز واحدة أقدر أتكلم معاها وأنا مطمن إنها مش بتضحك عليا.»

 

بصيت له وسألته:

 

«ولو أهلك رفضوا؟»

 

رد من غير تردد:

 

«هتجوزك حتى لو كل الناس وقفت ضدي.»

 

الكلام ده صدقته.

 

ويمكن دي كانت أول غلطة كبيرة عملتها في حياتي.

 

بعد سنتين، اتجوزنا.

 

أهله ماكانوش راضيين، خصوصًا أمه، لكن زياد أصر، ووالده وافق في النهاية بشرط إن الجواز يتم بعيد عن أي مظاهر كبيرة، وإن حياتنا تفضل مستقلة عن العيلة.

 

أنا ماكنتش عايزة منهم حاجة.

 

أمي عملت لي فستان بسيط، وفضلت تصلح فيه لحد قبل الفرح بساعات، وأنا كنت فرحانة لدرجة إني حسيت إن كل تعب السنين انتهى.

 

اتجوزت زياد في شقة صغيرة، وفرشناها على قد إمكانياتنا، وكنت بشتغل ساعات قليلة في مكتب ترجمة قانونية بجانب دراستي عشان أساعد في مصاريف البيت.

 

في أول شهور الجواز، كان زياد مختلف تمامًا عن الشخص اللي عرفته بعد كده.

 

كان يرجع من الجامعة، يجيب معاه أكل من المكان اللي بحبه، ويقعد جنبي وأنا بذاكر، وأوقات كان ينام على الكنبة وهو مستنيني أخلص مذاكرة.

 

كنت أفتكر إننا هنفضل كده طول العمر.

 

لكن مع الوقت، بدأ يتغير.

 

أول حاجة اتغيرت كانت نظرته ليا.

 

لما أصحابه كانوا ييجوا البيت، كان يطلب مني أجهز لهم القهوة، ولما أقعد معاهم يتكلموا عن السفر والعربيات والاستثمارات، كنت أفضل ساكتة.

 

وفي مرة، واحد من أصحابه سألني:

 

«مريم، إنتِ ناوية تشتغلي بعد التخرج؟»

 

قلت له:

 

«طبعًا، نفسي أبقى محامية.»

 

ضحك وقال:

 

«محامية؟ يعني هتسيبي زياد يروح شغله وتروحي تقفي في المحاكم طول النهار؟»

 

كنت لسه هرد، لكن زياد سبقني وقال:

 

«يا عم سيبك منها، دي لسه بتحلم.»

 

ضحكوا كلهم.

 

بصيت له، مستنية إنه يوضح إنه بيهزر، لكنه كمل كلامه عادي كأن اللي قاله ماكانش فيه أي إهانة.

 

بعد ما أصحابه مشيوا، واجهته.

 

قلت له:

 

«إنت ليه بتقلل مني قدامهم؟»

 

رد وهو بيفك ساعة إيده:

 

«إنتِ حساسة زيادة عن اللزوم.»

 

قلت له:

 

«أنا مش حساسة، أنا بس مش بحب جوزي يضحك الناس عليا.»

 

قال بحدة:

 

«طب ما تبطليش تتصرفي كأنك أحسن من الناس عشان درجاتك!»

 

سكت.

 

كانت أول مرة يكلمني بالطريقة دي.

 

ومع ذلك، سامحته.

 

قلت لنفسي إنه مضغوط، وإن اختلاف البيئة اللي اتربى فيها عن البيئة اللي اتربيت فيها ممكن يكون السبب.

 

لكن الحقيقة كانت إن زياد بدأ يحس إن نجاحي بيهدد الصورة اللي رسمها لنفسه.

 

هو كان متعود إنه يبقى الأذكى في أي مكان، والأغنى، والأكثر اهتمامًا من الناس.

 

ولما لقى إني مش محتاجة فلوسه عشان أثبت نفسي، وإن الدكاترة بيشكروا في مستوايا، وإن ترتيبي بيتقدم كل سنة، بدأ يتعامل معايا كأني منافس لازم يهزمه، مش زوجة المفروض يفرح بنجاحها.

 

وفي السنة الأخيرة من الكلية، اكتشفت إني حامل.

 

كنت في غاية السعادة.

 

رجعت البيت ومعايا اختبار الحمل، ولقيته قاعد بيذاكر على المكتب.

 

قربت منه وقلت:

 

«زياد، عندي خبر حلو.»

 

رفع عينه من الكتاب.

 

«إيه؟»

 

حطيت الاختبار قدامه.

 

فضل باصص له ثواني، وبعدين رفع عينه ليا.

 

«إنتِ حامل؟»

 

هززت راسي وأنا بضحك من الفرحة.

 

«أيوه.»

 

بدل ما يبتسم أو يحضني، قفل الكتاب بعصبية وقال:

 

«إنتِ إزاي يحصل ده دلوقتي؟»

 

ضحكتي اختفت من على وشي.

 

«إيه؟»

 

قال وهو بيقوم من مكانه:

 

«إحنا داخلين على التخرج، وعندي تدريب، وأبويا مستنيني أبدأ معاه في المكتب، وإنتِ قررتي تجيبي طفل في الوقت ده؟»

 

حطيت إيدي على بطني من غير ما أحس.

 

«هو إحنا مش متجوزين يا زياد؟ ده ابننا.»

 

رد ببرود:

 

«أنا عارف إننا متجوزين، بس مش معنى كده إن كل حاجة تحصل من غير تفكير.»

 

قلت له بصوت مكسور:

 

«أنا ماكنتش مخططة للحمل، لكنه رزق من ربنا.»

 

ضحك بسخرية.

 

«الرزق مش هو اللي هيصرف على الطفل.»

 

كانت الجملة دي أول مرة أحس فيها إني غريبة في بيتي.

 

حاولت أتكلم معاه أكتر من مرة، لكنه كان بيتهرب، ويرجع متأخر، ويقفل على نفسه الأوضة بالساعات.

 

ولما قلت له إننا لازم نبدأ نجهز للبيبي، قال لي:

 

«اتصرفي مع أمك. هي أكيد هتعرف تعمل لك اللي إنتِ عايزاه.»

 

ما رديتش.

 

كنت لسه بحاول أصدق إن الشخص اللي وعدني إنه هيقف قدام الدنيا كلها عشاني بقى بيكلمني كأني حمل تقيل على كتفه.

 

وبعد أسبوعين، حصلت المواجهة اللي غيرت حياتي.

 

كنت راجعة من الجامعة، ولقيته قاعد في الصالة، وقدامه شنطة سفر صغيرة.

 

بصيت للشنطة وبعدين بصيت له.

 

«إنت مسافر؟»

 

قال:

 

«أنا ماشي يا مريم.»

 

ما فهمتش قصده في البداية.

 

«ماشي فين؟»

 

رفع عينه ليا وقال ببرود:

 

«من البيت. أنا مش قادر أكمل الجواز ده.»

 

حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.

 

«عشان الحمل؟»

 

قال:

 

«عشان كل حاجة. إنتِ بقيتي بتفكري في نفسك وبس، وأنا عندي مستقبل مش هضيعه.»

 

قربت منه وأنا بحاول أتمالك نفسي.

 

«زياد، إحنا نقدر نحل أي مشكلة. أنا مش هطلب منك تسيب دراستك، ولا هعطلك عن شغلك. إحنا ممكن نجيب مساعدة بعد الولادة، وأنا هكمل مذاكرتي زي ما أنا.»

 

هز راسه.

 

«أنا أخدت قراري.»

 

قلت له وأنا بعيط:

 

«طب وبنتنا؟»

 

رد من غير ما يبص لي:

 

«لما تتولد، ابقي اتصرفي.»

 

وبعدين شال شنطته، وخرج من البيت.

 

سمعت صوت الباب وهو بيتقفل، وفضلت واقفة مكاني لحد ما رجلي ما بقتش قادرة تشيلني.

 

وقعت على الكنبة، وحطيت إيدي على بطني، وقلت بصوت مخنوق:

 

«متخافيش يا حبيبتي، ماما معاكي.»

 

ماكانش عندي غير أمي.

 

رجعت بيتها وأنا حامل في شهري الرابع، ومعايا شوية هدوم وكتب الجامعة.

 

أمي فتحت لي الباب، ولما شافت عيني الحمرا، ما سألتنيش عن أي حاجة.

 

حضنتني وبكت معايا.

 

وبعد ما هديت، قالت:

 

«اللي يمشي يا بنتي بإرادته، ما تجريش وراه. بس حقك وحق بنتك ما تسيبيهوش.»

 

بدأت شهور الحمل الصعبة.

 

كنت بصحى بدري، أروح الجامعة، وأرجع أذاكر، وأساعد أمي في شغلها لما أقدر.

 

في أيام كتير، كنت بحس إن جسمي مش قادر يتحرك من التعب، لكن كنت ببص لبطني وأكمل.

 

زياد ما سألش عليا مرة واحدة.

 

ولا حتى لما عرف من أحد معارفنا إن الحمل قرب يكتمل.

 

وبعد فترة، بعت لي ورق الطلاق عن طريق محاميه.

 

وقّعت بعد ما تأكدت إن كل حقوقي القانونية محفوظة، واحتفظت بنسخة من كل ورقة.

 

ما كنتش عايزة أعيش في حرب معاه، لكني ما كنتش هسمح له يحرمني من حقي أو حق بنتي.

 

وفي الليلة اللي وقّعت فيها، رجعت أوضتي، وطلعت صورة قديمة لينا من درج المكتب.

 

فضلت باصة ليها شوية، وبعدها حطيتها في ظرف وقفلت عليه.

 

ما حرقتهاش، وما مزقتهاش.

 

بس قررت إني مش هرجع أعيش في الماضي.

 

في الشهر الأخير من الحمل، كنت بذاكر قضية مهمة في القانون المدني، وبطني كبيرة لدرجة إني ما بقيتش أعرف أقعد على المكتب أكتر من نص ساعة.

 

أمي كانت كل شوية تدخل عليا وتقول:

 

«كفاية يا مريم، ريحي شوية.»

 

وأنا أضحك وأرد:

 

«فاضل جزء صغير وأخلص.»

 

كانت تبص لي بحنان، وتقول:

 

«ربنا يعوض قلبك يا بنتي.»

 

وجاء يوم الولادة.

 

دخلت المستشفى في الفجر، وأمي كانت ماسكة إيدي طول الوقت.

 

بعد ساعات من الألم والتعب، سمعت صوت بنتي لأول مرة.

 

صوت صغير، لكنه كان بالنسبة لي أكبر من الدنيا كلها.

 

الدكتورة حطتها على صدري، وأنا فضلت أبص لوشها الصغير وأعيط.

 

سميتها ليلى.

 

ليلى عادل، بنت مريم اللي قررت إنها مهما اتكسرت مش هتسمح للدنيا تكسر بنتها.

 

زياد ما جاش المستشفى.

 

ما اتصلش.

 

ما سألش حتى عن اسم البنت.

 

لكن بعد أسبوعين بالضبط من ولادتها، وصلتني رسالة من إدارة الجامعة.

 

كانوا بيبلغوني إن حفل التخرج السنوي اتحدد موعده، وإن اسمي موجود ضمن قائمة الطلاب المتفوقين اللي هيتم تكريمهم.

 

وفي آخر الرسالة، كان فيه سطر غريب:

 

«يرجى من الطالبة مريم عادل الحضور شخصيًا لاستلام خطاب رسمي خاص بملف المنحة والوقف الخيري.»

 

وقفت عند كلمة الوقف الخيري.

 

أنا كنت عارفة إن الجامعة فيها وقف خيري بيمول المنح الدراسية، لكن ماكنتش أعرف تفاصيله.

 

كل اللي أعرفه إن منحتي كانت كاملة، وإن الجامعة كانت بتتكفل بمصاريف الكتب والتدريب القانوني لعدد من الطلاب المتفوقين.

 

اتصلت بإدارة شؤون الطلاب، وسألتهم عن الخطاب.

 

الموظفة قالت لي:

 

«الأستاذ الدكتور رئيس الجامعة طلب إن الخطاب يتسلم لك في الحفل بنفسه.»

 

استغربت، لكن ما كانش عندي وقت أسأل أكتر.

 

في نفس الأسبوع، اتصل بيا رقم غريب.

 

رديت، فسمعت صوت راجل كبير بيقول:

 

«أستاذة مريم عادل؟»

 

قلت:

 

«أيوه، مين معايا؟»

 

قال:

 

«أنا المستشار فؤاد عبد الرحمن، المحامي المسؤول عن إدارة وقف خيري مرتبط بالجامعة. محتاج أقابلك في موضوع مهم يخص المرحوم جدك.»

 

اتجمدت مكاني.

 

«جدي؟»

 

أنا ما كنتش أعرف عن جدي من ناحية أبويا غير إنه مات قبل ما أكبر، وإنه كان قليل الظهور في حياتنا.

 

سألته:

 

«حضرتك تقصد جدي عادل منصور؟»

 

قال:

 

«أيوه. وأنا عارف إن عندك أسئلة كتير، لكن الأفضل نتقابل في وجود رئيس الجامعة، لأن الموضوع متعلق بأوراق رسمية ووصية قديمة.»

 

اتفقنا على مقابلة في مكتب الجامعة.

 

لما رحت، لقيت المستشار فؤاد قاعد جنب رئيس الجامعة، وقدامهم ملف كبير.

 

رئيس الجامعة رحب بيا، وطلب مني أقعد.

 

المستشار فتح الملف، وبدأ يتكلم بهدوء.

 

قال إن جدي، قبل وفاته بسنين طويلة، أسس وقفًا خيريًا لدعم التعليم، وإن الوقف كان بيمول منح الطلاب المتفوقين في الجامعة، بالإضافة إلى مشروعات تدريب مجانية لطلاب الحقوق.

 

كنت بسمع وأنا مش فاهمة إيه علاقتي بكل ده.

 

لحد ما المستشار قال:

 

«جدك كان عنده بنت واحدة، وولد واحد هو والدك. وبعد وفاة والدك، فضلتِ إنتِ حفيدته الوحيدة اللي تنطبق عليها شروط الوصية.»

 

سألته:

 

«يعني إيه؟»

 

طلع ورقة من الملف، وحطها قدامي.

 

«يعني إن جدك كتب وصية قانونية بتحدد إن السيطرة على الجزء المخصص للعائلة من الوقف، بعد استيفاء الشروط القانونية، تنتقل ليكي باعتبارك المستفيدة الوحيدة. والوقف دلوقتي أصوله وقيمته الإجمالية بتوصل لحوالي عشرين مليون دولار.»

 

حسيت إني مش قادرة أستوعب الكلام.

 

عشرين مليون دولار؟

 

أنا اللي كنت بحسب ثمن كل كتاب قبل ما أشتريه، واللي كنت بخيط أزرار هدومي بإيدي عشان ما أصرفش على هدوم جديدة؟

 

المستشار كمل:

 

«لكن الموضوع مش معناه إنك تقدري تسحبي أموال الوقف لنفسك. الوقف له غرض خيري ملزم، وإدارته محكومة بالوصية والقانون. حقك الأساسي هو الحق اللي نصت عليه الوثائق في إدارة المستفيدين والإشراف على الالتزامات، وده محتاج مراجعة نهائية من الجهات المختصة.»

 

بصيت لرئيس الجامعة.

 

«طب ليه أنا ماعرفتش ده قبل كده؟»

 

رد بهدوء:

 

«لأن ملف الوصية كان تحت مراجعة قانونية من سنين، وكان فيه نقص في بعض المستندات القديمة. بعد ما ظهرت المستندات الأصلية واتعملت المراجعة، تم التأكد من هويتك ومن استيفائك للشروط. وكان قرارنا إننا نبلغك بنفسنا، بعيدًا عن أي ضغط أو تدخل من أي طرف.»

 

وبعدين أضاف:

 

«وفي حاجة تانية يا مريم. جدك كان حاطط شرط مهم جدًا في الوصية، وهو إن المستفيدة الأساسية تكون أتمت تعليمها الجامعي بتفوق، وإنها توافق على استمرار تمويل المنح للطلاب المحتاجين.»

 

بصيت للورقة اللي قدامي، وبدأت أفهم ليه طلبوا حضوري في حفل التخرج.

 

المستشار قال:

 

«باقي خطوة أخيرة، وهي إعلان النتيجة النهائية للمراجعة وتسليمك نسخة من المستندات. رئيس الجامعة شايف إن ده أنسب وقت، لأنك هتكوني خلصتي دراستك، وحقك في التكريم ثابت.»

 

خرجت من المكتب وأنا شايلة ملف صغير، وعقلي مليان أسئلة.

 

ماكنتش عايزة الفلوس.

 

ولا كنت عايزة أنتقم من زياد.

 

كل اللي كنت عايزاه إني أعيش أنا وبنتي في أمان، وأكمل طريقي من غير ما حد يذلني.

 

لكن ماكنتش أعرف إن زياد هيكون موجود في الحفل، وإنه هيحاول يحول يوم تخرجي إلى فضيحة.

 

في صباح الحفل، أمي كانت بتساعدني ألبس فستان كحلي بسيط، وتظبط لي شعري، بينما ليلى نايمة في سريرها الصغير.

 

قلت لها:

 

«ماما، أنا خايفة.»

 

بصت لي من المراية.

 

«من إيه؟»

 

«من الناس. من نظراتهم. من إن حد يفضل يفكرني باللي حصل.»

 

أمي قربت مني، وحطت إيديها على كتفي.

 

«يا بنتي، الناس اللي بتضحك النهارده مش هي اللي شالت عنك وجعك. ولا هي اللي سهرت معاكي لما كنتِ بتعيطي. ولا هي اللي كانت بتدعي ربنا يحفظ بنتك. يبقى ليه تخافي من حكمهم؟»

 

نزلت دموعي.

 

أمي مسحتها بطرف صباعها وقالت:

 

«خلي راسك مرفوعة. إنتِ رايحة تستلمي تعبك، مش رايحة تطلبي رضا حد.»

 

لبست ليلى ملابس بيضاء صغيرة، ولفيتها في بطانية ناعمة، وحطيتها في حضني.

 

وبعدين خرجنا.

 

وصلنا الجامعة قبل بداية الحفل بنصف ساعة.

 

كانت القاعة ضخمة، متزينة بالورود، وفيها شاشات كبيرة بتعرض أسماء الخريجين، وصفوف من الكراسي المخصصة لأعضاء هيئة التدريس والضيوف.

 

خمسمائة شخص تقريبًا كانوا موجودين.

 

رجال أعمال، وأسر الطلاب، ومحامين، وقضاة سابقين، وأساتذة جامعيين، وصحفيين جايين يغطوا الحفل.

 

أول ما دخلت، حسيت إن كل العيون اتجهت ناحيتي.

 

مش كلهم كانوا يعرفوني، لكن وجود طفلة صغيرة في حضني وسط حفل تخرج رسمي كان كفاية يخلي بعض الناس تستغرب.

 

مشيت بهدوء لحد الموظفة المسؤولة عن الخريجين.

 

قالت لي:

 

«أستاذة مريم، حضرتك هتطلعي على المسرح في فقرة تكريم الأوائل، وبعدها رئيس الجامعة هيسلمك الخطاب الخاص.»

 

هززت راسي.

 

«تمام، شكرًا.»

 

وقبل ما أتحرك، سمعت صوتًا مألوفًا ورايا.

 

«مريم؟»

 

لفيت.

 

كان زياد.

 

واقف وسط مجموعة من زملائه، لابس روب التخرج، وحواليه أصحابه اللي طول عمرهم بيحاولوا يثبتوا إنهم أحسن من غيرهم.

 

بص لي، وبعدين بص للبنت اللي في حضني.

 

وشه اتغير للحظة، لكنه رجع رسم ابتسامة ساخرة.

 

قال:

 

«إنتِ جايبة البنت هنا ليه؟»

 

رديت بهدوء:

 

«جايّة أحضر حفل تخرجي.»

 

ضحك.

 

«تخرجك؟ إنتِ لسه فاكرة إنك هتتخرجي؟»

 

قلت:

 

«اسمي موجود في قائمة الأوائل، ولو عندك أي اعتراض تقدر تراجع الإدارة.»

 

واحد من أصحابه ضحك وقال:

 

«يا عم سيبها، شكلها جاية تعمل مشهد مؤثر.»

 

زياد قرب خطوة وقال بصوت منخفض:

 

«اسمعي يا مريم، أنا مش عايز مشاكل. اقعدي في آخر القاعة، ولما يخلص الحفل امشي. مش ناقصة فضايح.»

 

بصيت له مباشرة.

 

«أنا مش جاية أعمل فضيحة. أنا جاية آخد حقي في يوم تعبت عشانه.»

 

ابتسامته اختفت للحظة.

 

وبعدين قال:

 

«حقك؟ هو إنتِ لسه فاكرة إنك تستحقي حاجة؟»

 

ما رديتش.

 

مشيت من قدامه، وأنا حاضنة بنتي.

 

كنت فاكرة إن الموضوع انتهى عند كده، لكن زياد ما كانش مستعد يسيبني أعيش اللحظة اللي استنيتها سنين.

 

بدأ الحفل.

 

المذيع رحب بالضيوف، ورئيس الجامعة ألقى كلمته، وبعدها بدأوا يعلنوا أسماء الطلاب المتفوقين.

 

زياد كان من الأوائل، وكان واضح إنه مستني لحظة إعلان اسمه بفارغ الصبر.

 

ولما المذيع نطق اسمه، القاعة كلها صفقت.

 

طلع المسرح، واستلم شهادته، ووقف قدام الكاميرات بابتسامة عريضة.

 

والده كان قاعد في الصف الأول، بيبص له بفخر.

 

أما أنا، فكنت قاعدة في الصف الجانبي، وبنتي نايمة على صدري.

 

كنت سعيدة وأنا بسمع أسماء زملائي، رغم كل حاجة.

 

لحد ما المذيع قال:

 

«والآن ننتقل إلى تكريم صاحبة المركز الأول على دفعة كلية الحقوق، والحاصلة على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، الطالبة مريم عادل.»

 

اتجمدت للحظة.

 

كنت عارفة إني من الأوائل، لكني ما كنتش أعرف إن اسمي هيُعلن في المركز الأول قبل تسليم الخطاب الرسمي.

 

أمي، اللي كانت قاعدة جنبي، ضغطت على إيدي.

 

«قومي يا مريم.»

 

قمت ببطء، وشلت ليلى بحذر، ومشيت ناحية المسرح.

 

كل خطوة كانت بتفكرني بليالي المذاكرة، وبالأيام اللي رجعت فيها من الجامعة وأنا تعبانة، وبالمرة اللي وقعت فيها من شدة الإرهاق وأنا بحاول أخلص بحث التخرج.

 

وصلت لأول درجة في المسرح.

 

وفجأة، سمعت صوت زياد من الناحية التانية.

 

«استنوا بس! قبل ما تكرموها، لازم الناس تعرف الحقيقة!»

 

القاعة سكتت.

 

زياد مد إيده وخطف الميكروفون من المذيع، ووقف في منتصف المسرح.

 

كان واضح إنه مستمتع بالاهتمام اللي أخده.

 

بص لي، وابتسم ابتسامة قاسية.

 

«يا جماعة، اتفرجوا كويس على دي!»

 

وبعدين أشار ناحيتي.

 

«أدي الساقطة الفاشلة اللي ضيعت مستقبلها، وجاية تشيل بيبي لسه مولود عشان تصعب عليكم وتلم تعاطفكم! دي عار بجد!»

 

ضحكات متفرقة خرجت من القاعة.

 

واحد من الطلبة قال:

 

«هو ينفع حد يجيب طفل في حفل زي ده؟»

 

وست من الضيوف همست للي جنبها:

 

«مسكينة، شكلها حياتها اتبهدلت.»

 

زياد رفع صوته أكتر.

 

«دي كانت مراتي، وأنا عارفها كويس. كانت فاكرة إنها هتعيش على حسابي، ولما اكتشفت إني مش هضيع مستقبلي عشانها، فضلت لوحدها. ودلوقتي جاية تمثل دور الضحية قدام الناس!»

 

كنت واقفة على أول درجة من المسرح.

 

إيدي كانت بتترعش، مش من الخوف، لكن من الغضب.

 

بصيت لليلى.

 

كانت لسه نايمة، ووشها الصغير هادي، وصوابعها مقفولة حوالين طرف بطانيتها.

 

وفجأة، افتكرت كل ليلة قضيتها لوحدي.

 

افتكرت لما كنت برجع من الجامعة وألاقي أمي مستنياني بأكلة بسيطة، رغم إنها كانت تعبانة.

 

افتكرت لما كنت بذاكر وأنا حاسة بحركة بنتي في بطني، وأوعدها إني مش هسيب حد يهينها.

 

وافتكرت زياد وهو بيقفل باب البيت ويمشي، من غير ما يسأل إذا كنت هقدر أواجه الدنيا لوحدي ولا لأ.

 

رفعت راسي.

 

ما بكيتش.

 

وما طلبتش منه يسكت.

 

قلت له بصوت ثابت:

 

«خلصت يا زياد؟»

 

اتغيرت ملامحه، لأنه كان متوقع إني أنهار.

 

قال بسخرية:

 

«لسه. أنا عايز الناس تعرف إنك مش قد المسؤولية، وإن اللي زيك ما ينفعش يتكرم قدام ناس محترمة.»

 

بصيت له وقلت:

 

«أنا مش هرد على إهانتك، لأن بنتي أكبر من إنها تسمع أمها بتتخانق مع أبوها على مسرح الجامعة.»

 

ضحكات قليلة اختفت.

 

القاعة بدأت تسكت.

 

كملت:

 

«لكن عايزاك تعرف حاجة واحدة. أنا ما جيتش هنا عشان أطلب منك حاجة، ولا عشان أثبت لك إني أحسن منك. أنا جيت عشان أستلم نتيجة تعبي، واللي بيني وبينك انتهى من يوم ما خرجت من بيتنا بإرادتك.»

 

زياد احمر وشه.

 

«إنتِ بتتكلمي معايا بالطريقة دي قدام الناس؟»

 

رديت:

 

«إنت اللي بدأت الكلام قدام الناس.»

 

في اللحظة دي، رئيس الجامعة قام من مكانه.

 

كان راجل في أواخر الستينات، معروف بهدوئه وحزمه، ووشه كان متغير من شدة الغضب.

 

طلع المسرح ببطء، ووقف جنب زياد.

 

مد إيده وأخذ الميكروفون منه.

 

زياد حاول يضحك وقال:

 

«دكتور، أنا بس كنت بوضح لحضراتكم—»

 

رئيس الجامعة قاطعه بصوت قوي:

 

«كفاية يا أستاذ زياد.»

 

القاعة سكتت تمامًا.

 

رئيس الجامعة بص ناحيتي، وبعدين بص للحاضرين.

 

وقال:

 

«أعتقد إن من واجبي، قبل ما نكمل حفل التكريم، إني أصحح معلومة اتقالت هنا بطريقة مهينة وغير مقبولة.»

 

زياد وقف مبتسم ابتسامة متوترة.

 

رئيس الجامعة كمل:

 

«الطالبة مريم عادل مش مجرد خريجة متفوقة. دي صاحبة المركز الأول على دفعتها كلها، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، ونتيجتها اتراجعت رسميًا، ومافيش أي خلاف على استحقاقها للتكريم.»

 

بدأت الهمسات تنتشر.

 

لكن رئيس الجامعة ما وقفش.

 

رفع الملف اللي كان في إيده وقال:

 

«وفي موضوع تاني، مهم جدًا إن الحضور يعرفوه، لأن الأستاذ زياد اختار يتكلم عن ظروفها الشخصية، ويحكم عليها قدام الجميع، من غير ما يعرف أي حاجة عن حقيقتها.»

 

بص ناحية زياد.

 

«مريم عادل هي المستفيدة الوحيدة المحددة في وصية مؤسس الوقف الخيري التعليمي المرتبط بالجامعة، المرحوم عادل منصور، بعد استيفاء الشروط القانونية ومراجعة المستندات الأصلية.»

 

القاعة كلها بقت ساكتة.

 

رئيس الجامعة أخذ نفسًا، ثم قال الجملة اللي قلبت المشهد كله:

 

«الوقف اللي أسسه جدها، واللي بتمول أصوله منحًا دراسية ومشروعات تعليمية في الجامعة دي، تقدر قيمته الإجمالية بحوالي عشرين مليون دولار. ومريم هي صاحبة الحق الوحيد في الاستفادة والإشراف على الجزء المخصص لها وفقًا لشروط الوصية والقانون.»

 

في اللحظة دي، وش زياد فقد لونه.

 

الابتسامة اختفت من على شفايفه، وإيده اللي كان ماسك بيها طرف روب التخرج بدأت ترتعش.

 

واحد من أعضاء هيئة التدريس قام من مكانه وصفق.

 

وبعده قام رجل أعمال كان قاعد في الصف الأول، ثم تبعه عدد من الضيوف.

 

وفي ثواني، القاعة كلها تقريبًا كانت واقفة.

 

لكن أنا ما كنتش ببص لهم.

 

كنت ببص لزياد.

 

الرجل اللي سابني وأنا حامل، وقال لي إني مش هقدر أتحمل مسؤولية نفسي، كان واقف قدامي مش قادر ينطق بكلمة.

 

رئيس الجامعة قرب مني وقال بابتسامة هادية:

 

«اتفضلي يا أستاذة مريم. دي لحظتك، ومحدش له حق يسلبها منك.»

 

طلعت المسرح، وحطيت ليلى في حضني بشكل مريح، ومديت إيدي أستلم الشهادة.

 

لكن قبل ما أستلم الظرف، زياد اندفع بالكلام.

 

«استنى! الكلام ده مش ممكن يكون صحيح!»

 

رئيس الجامعة التفت له.

 

«إيه اللي مش صحيح؟»

 

قال زياد وهو بيحاول يستعيد توازنه:

 

«مريم بنت موظفة بسيطة! أنا كنت متجوزها، وأنا أعرف ظروفها كويس. عمرها ما قالت إنها من عيلة عندها وقف بالملايين!»

 

المستشار فؤاد، اللي كان قاعد في الصف الأول، قام وطلع المسرح.

 

فتح الملف وقال:

 

«الموضوع مش مرتبط بظروفها المعيشية الحالية، ولا بالمعلومات اللي حضرتك تعرفها عنها. الحقوق دي مثبتة في وصية رسمية ومستندات تم التحقق منها. والأستاذة مريم نفسها ما كانتش على علم بالتفاصيل الكاملة إلا مؤخرًا.»

 

زياد هز راسه بعنف.

 

«أنا لازم أشوف الأوراق دي!»

 

المستشار رد بهدوء:

 

«الأوراق خضعت للمراجعة القانونية، ومش من حق أي شخص يطلع على تفاصيلها لمجرد إنه كان زوجًا سابقًا للمستفيدة.»

 

كلمة زوج سابق نزلت على زياد كأنها صفعة.

 

والده قام من مكانه، وطلع المسرح بسرعة.

 

مسك ذراع ابنه وقال له بصوت منخفض، لكنه كان مسموعًا للي واقفين قريب:

 

«إنت عملت إيه؟»

 

زياد حاول يبرر.

 

«بابا، أنا ما كنتش أعرف!»

 

والده بص له بغضب.

 

«ما كنتش تعرف إيه؟ إنك ما تهينش أم بنتك قدام خمسمائة شخص؟ ولا إنك ما تحكمش على الناس من فلوسهم؟»

 

زياد سحب ذراعه.

 

«أنا كنت بهزر!»

 

والده قال بحدة:

 

«الهزار ما بيبقاش بإهانة الناس، خصوصًا لما تكون عارف إنك جرحتها قبل كده.»

 

الجملة الأخيرة خلتني أرفع عيني ناحية والد زياد.

 

كان واضح إنه عرف جزءًا من الحقيقة، ويمكن لأول مرة بدأ يشوف ابنه بعيدًا عن الصورة اللي رسمها لنفسه.

 

رئيس الجامعة سلمني الشهادة، ثم أشار للمصورين.

 

«اتفضلوا، صورة للطالبة الأولى على الدفعة.»

 

وقفت في منتصف المسرح، وبنتي في حضني، والشهادة في إيدي.

 

الفلاشات بدأت تلمع.

 

وفي اللحظة دي، سمعت تصفيق أمي من الصفوف الجانبية.

 

كانت واقفة وبتعيط، وبتصفق بكل قوتها.

 

بصيت لها، وابتسمت.

 

الابتسامة دي كانت أغلى عندي من كل التصفيق اللي في القاعة.

 

بعد انتهاء فقرة التكريم، طلب مني رئيس الجامعة أقابله في المكتب الملحق بالقاعة، ومعايا المستشار فؤاد.

 

قبل ما أتحرك، زياد وقف في طريقي.

 

كان وشه شاحب، وعينيه بتتحرك بيني وبين ليلى.

 

قال بصوت منخفض:

 

«مريم، ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟»

 

بصيت له بهدوء.

 

«مش دلوقتي.»

 

قال بسرعة:

 

«أنا لازم أوضح لك إن اللي حصل كان سوء تفاهم.»

 

سألته:

 

«أنهي جزء؟ إنك سبتني وأنا حامل؟ ولا إنك ما سألتش على بنتك؟ ولا إنك وصفتني قدام الناس بألفاظ مهينة؟»

 

فتح بقه، لكنه ما عرفش يرد.

 

كملت:

 

«ولا قصدك إنك ما كنتش تعرف إن جدي أسس وقفًا خيريًا؟»

 

خفض عينيه.

 

«أنا كنت متعصب.»

 

قلت:

 

«وأنا كنت حامل، وخايفة، ووحيدة. ومع ذلك ما طلعتش على مسرح الجامعة عشان أفضحك.»

 

حاول يقرب خطوة.

 

«أنا غلطت.»

 

قلت له:

 

«أيوه، غلطت.»

 

وبعدين عديت من جنبه.

 

ما كانش عندي استعداد أسمع اعتذاره في اللحظة دي، لأن الاعتذار الحقيقي مش جملة بتتقال لما الواحد يكتشف إن الشخص اللي أذاه بقى أقوى منه.

 

دخلت المكتب مع رئيس الجامعة والمستشار فؤاد.

 

هناك، شرح لي المستشار تفاصيل أكتر عن الوقف.

 

قال إن قيمة الأصول الإجمالية تقارب عشرين مليون دولار، لكنها موزعة بين عقارات واستثمارات وأموال مخصصة لمشروعات تعليمية، وإن مافيش مبلغ ضخم متاح للسحب الشخصي.

 

الوصية بتضمن استمرار المنح الدراسية، وإن أي قرار يخص إدارة الوقف لازم يلتزم بالقانون وشروط المؤسس.

 

وقال لي إن من حقي، وفقًا للمستندات وبعد اكتمال الإجراءات، أشارك في الإشراف على تنفيذ شروط الوصية، وأتابع وصول المنح للطلاب المستحقين، وأضمن إن الأموال ما تتصرفش بعيدًا عن الهدف اللي اتأسس الوقف عشانه.

 

سألته:

 

«يعني أقدر أساعد الطلبة اللي ظروفهم زي ظروفي؟»

 

ابتسم.

 

«ده بالضبط اللي جدك كان عايزه.»

 

بصيت لليلى، اللي بدأت تتحرك في حضني وتفتح عينيها الصغيرة.

 

قلت:

 

«أنا موافقة. بس عندي شرط.»

 

رئيس الجامعة سألني:

 

«إيه هو؟»

 

قلت:

 

«عايزة نراجع نظام المنح كله. مش عايزة طالب يتعرض للإهانة عشان ظروفه، ولا بنت تتمنع من فرصة تعليمية عشان خلفيتها الاجتماعية. عايزة يبقى فيه دعم للطلبة اللي بيشتغلوا جنب الدراسة، وللأمهات اللي بيكملوا تعليمهم رغم المسؤولية.»

 

المستشار فؤاد ابتسم، ودوّن كلامي.

 

أما رئيس الجامعة، فقال:

 

«أعتقد إنك هتكوني إضافة مهمة جدًا للوقف.»

 

خرجت من المكتب بعد حوالي ساعة، وأنا حاسة إن حياتي بتبدأ من جديد، لكن مش بالطريقة اللي كنت أتخيلها.

 

ماكنتش بقيت فجأة أميرة، ولا الفلوس حلت كل مشاكلي.

 

أنا لسه أم لطفلة صغيرة، ولسه قدامي تعب وتربية وشغل ومسؤوليات.

 

لكن لأول مرة من شهور، حسيت إن عندي فرصة حقيقية أغير بيها حياتي وحياة ناس تانية.

 

ولما رجعت للقاعة، لقيت أمي مستنياني.

 

حضنتني وقالت:

 

«مبروك يا بنتي.»

 

قلت لها وأنا بعيط:

 

«إحنا نجحنا يا ماما.»

 

هزت راسها وقالت:

 

«إنتِ اللي نجحتي. أنا كنت بس بدعيلك.»

 

في اللحظة دي، قربت مني زميلة اسمها نادين.

 

كانت واحدة من البنات اللي كانوا بيذاكروا معايا قبل الجواز، لكنها بعد ما اتجوزت زياد، بدأت تبعد عني تدريجيًا.

 

وقفت قدامي، وعينيها مليانة دموع.

 

قالت:

 

«مريم، أنا آسفة.»

 

سألتها:

 

«على إيه؟»

 

قالت:

 

«أنا ضحكت مع الناس لما زياد اتكلم. ماكنتش أعرف أعمل إيه، وخفت أواجهه. بس أنا عارفة إن ده مش مبرر.»

 

سكت شوية، وبعدين قلت لها:

 

«اللي حصل حصل يا نادين. المهم إنك تعرفي إن السكوت وقت الإهانة بيوجع أحيانًا أكتر من الكلام نفسه.»

 

هزت راسها.

 

«عندك حق.»

 

ما طلبتش منها تبرر أكتر، ولا وعدتها إن كل حاجة هترجع زي الأول.

 

سامحتها من جوايا، لكن كنت عارفة إن الثقة مش بترجع في ثانية.

 

بعدها، بدأت الناس تقرب مني.

 

بعضهم كان بيهنيني بصدق، وبعضهم كان واضح إنه اتغير بسبب خبر الوقف.

 

واحدة من السيدات قالت لي:

 

«يا حبيبتي، إحنا كنا متضايقين من طريقة زياد في الكلام. إنتِ قوية جدًا.»

 

ورجل أعمال قال:

 

«لو احتجتي أي دعم في مشروعات الوقف، أنا تحت أمرك.»

 

شكرتهم باحترام، لكن ما دخلتش في أي نقاش عن الفلوس.

 

كنت عايزة أخرج من القاعة، وأروح البيت، وأحط بنتي في سريرها، وأرتاح.

 

لكن قبل ما أوصل للباب، سمعت صوت زياد ورايا مرة تانية.

 

«مريم، استني.»

 

وقفت، لكني ما لفيتش فورًا.

 

كان صوته مختلفًا عن الأول.

 

ما بقاش فيه غرور ولا سخرية.

 

كان فيه خوف.

 

لفيت له.

 

وقف قدامي، وحواليه ما بقاش فيه أي حد من أصحابه.

 

قال:

 

«أنا عارف إنك مش عايزة تسمعيني، بس اديني فرصة واحدة.»

 

قلت:

 

«اتفضل.»

 

بلع ريقه وقال:

 

«أنا غلطت في حقك.»

 

فضلت ساكتة.

 

كمل:

 

«أنا ماكنتش فاهم إنتِ كنتِ بتمري بإيه، وكنت فاكر إنك هترجعي لي بعد شوية. لما عرفت إنك حامل، خفت من المسؤولية، وخفت من كلام أهلي، وخفت إن حياتي تتغير.»

 

قلت له:

 

«وأنا؟ ما فكرتش أنا هخاف من إيه؟»

 

خفض رأسه.

 

«أنا كنت أناني.»

 

قلت:

 

«أيوه.»

 

رفع عينه ليا وقال:

 

«أنا عايز أشوف بنتي.»

 

قلبي اتحرك للحظة، رغم كل اللي حصل.

 

ليلى كانت بنته فعلًا، ومهما كان اللي بيني وبينه، ما كنتش عايزة أحرمها من حقها في معرفة أبوها لو كان مستعد يتحمل مسؤوليته.

 

لكن ده ما كانش معناه إني هسمح له يدخل حياتها بالطريقة اللي تعجبه.

 

قلت له:

 

«بنتك ليها حق في أبوها، لكن الحق ده مش معناه إنك تظهر يوم وتختفي شهور. ولا معناه إنك تستخدمها عشان تصلح صورتك قدام الناس.»

 

قال بسرعة:

 

«أنا مش هعمل كده.»

 

رديت:

 

«الكلام سهل يا زياد. اللي هيحدد ده هو تصرفاتك.»

 

هز راسه.

 

«أنا مستعد أعمل أي حاجة.»

 

قلت له:

 

«ابدأ بأنك تتحمل مسؤوليتك القانونية والأبوية، وتلتزم بكل واجباتك تجاهها. وأي تواصل بينك وبينها هيكون بشكل واضح ومحترم، وبما يضمن مصلحتها. مش هسمح إن بنتي تبقى ورقة في أي خلاف بيننا.»

 

قال:

 

«موافق.»

 

بصيت له للحظة، ثم قلت:

 

«والنهارده مش وقت الكلام ده. النهارده يوم تخرجي، واليوم اللي بدأت فيه حياتي الجديدة.»

 

ومشيت.

 

في الطريق للبيت، أمي كانت ساكتة، وأنا كنت ببص من شباك العربية على الشوارع.

 

بعد شوية، سألتني:

 

«إنتِ حاسة بإيه؟»

 

فكرت طويلًا قبل ما أرد.

 

«مش عارفة يا ماما. كنت فاكرة إني لما أشوفه مكسور هحس إني انتقمت، لكن أنا مش حاسة بكده.»

 

ابتسمت أمي.

 

«لأنك مش شبهه يا مريم. إنتِ كنتِ عايزة حقك، مش وجعه.»

 

وصلنا البيت، وبدلت هدومي، وحطيت ليلى في سريرها.

 

قعدت جنبها، أتأمل وشها الصغير، وفكرت في كل اللي حصل.

 

كنت عارفة إن اليوم ده مش نهاية الحكاية، لكنه كان بداية مرحلة جديدة.

 

مرحلة لازم أتعلم فيها إزاي أحافظ على حقي، وأربي بنتي، وأتعامل مع مسؤولية كبيرة زي الوقف الخيري من غير ما أخلي الفلوس تغيرني.

 

وفي الأيام اللي بعدها، بدأت حياتي تتغير فعلًا.

 

أول قرار أخدته كان إني أرجع أقدم على تدريب قانوني في مكتب متخصص في قضايا الأسرة والحقوق المدنية.

 

ما كنتش عايزة أعيش على اسم جدي، ولا أستخدم الوقف عشان أضمن لنفسي مكانة.

 

كنت عايزة أتعلم، وأشتغل، وأثبت لنفسي قبل أي حد إني أقدر أبني مستقبلي بمجهودي.

 

قبلوني في مكتب كبير بعد مقابلة طويلة، والمدير قال لي:

 

«إحنا محتاجين ناس فاهمة إن القانون مش مجرد مواد محفوظة، لكنه حقوق ناس حقيقية.»

 

الجملة دي فضلت في بالي.

 

بدأت أروح التدريب ومعايا ليلى أحيانًا، وأمي كانت تساعدني في الأيام اللي بتكون فيها مشغولة.

 

كانت ساعات طويلة، لكنها كانت مختلفة عن الأيام اللي فاتت.

 

ما بقيتش بذاكر عشان أهرب من وجعي، ولا بشتغل عشان أثبت لزياد إنه غلط.

 

بقيت بعمل كل ده عشان أنا عندي حلم، وعندي بنت محتاجة تشوف أمها بتبني حياتها بثبات.

 

أما الوقف، فبدأت أراجع ملفاته مع المستشار فؤاد وفريق من المتخصصين.

 

اكتشفت إن فيه منح بتتصرف من سنين، وإن فيه طلاب ظروفهم صعبة جدًا، لكنهم بيحاولوا يكملوا تعليمهم.

 

كان فيه طالب اسمه يوسف، والده سائق، ووالدته بتبيع أكل من البيت.

 

وكان فيه بنت اسمها سلمى، بتربي أخواتها الصغيرين بعد وفاة والدتها، وبتدرس في كلية الصيدلة.

 

وفيه شاب اسمه كريم، كان بيشتغل بالليل في مخزن، وبيروح الجامعة الصبح، ورغم كده كان من المتفوقين.

 

لما قعدت معاهم، حسيت إني بشوف نفسي فيهم.

 

ما سألتهمش عن حاجات تجرحهم، ولا طلبت منهم يحكوا تفاصيل حياتهم قدام الناس.

 

كنت بس بسألهم:

 

«إيه اللي ممكن يساعدكم تكملوا تعليمكم من غير ما تضطروا تختاروا بين الأكل والمواصلات والكتب؟»

 

ومن هنا، بدأنا نراجع نظام الدعم.

 

اقترحت إننا نعمل صندوقًا للطوارئ التعليمية، يساعد الطلاب اللي بيتعرضوا لظروف مفاجئة، وإننا نوسع برامج التدريب القانوني المجاني، ونوفر دعمًا خاصًا للطلاب اللي عندهم أطفال أو مسؤوليات أسرية.

 

كل ده كان لازم يتم وفقًا لشروط الوقف والإجراءات القانونية، لكن المستشار فؤاد شجعني على إعداد خطة متكاملة.

 

قال لي:

 

«جدك كان مؤمن إن التعليم هو الطريق اللي بيغير حياة الإنسان. وإنتِ بتكملي الفكرة دي بطريقة عملية.»

 

كنت كل ما أسمع الكلام ده، أفتكر أمي وهي قاعدة على ماكينة الخياطة، وأفتكر نفسي وأنا بحاول أوفر ثمن كتاب جديد.

 

بعد شهر من التخرج، بدأت الشائعات تنتشر عني.

 

ناس قالت إني بقيت غنية فجأة، وناس قالت إن زياد طلقني لأنه ما كانش يعرف حقيقة عيلتي، وناس بدأت تنشر تفاصيل مش دقيقة عن الوقف.

 

ما كنتش برد على الكلام.

 

لكن في يوم، اتفاجئت باتصال من رئيس الجامعة.

 

قال لي:

 

«مريم، محتاجين نتقابل. فيه موضوع لازم تعرفيه.»

 

قلبي انقبض.

 

«خير يا دكتور؟»

 

قال:

 

«المستشار فؤاد اكتشف إن فيه طلب رسمي اتقدم للحصول على معلومات تخص الوقف، والطلب مقدم من جهة مرتبطة بمكتب والد زياد.»

 

سكتُّ للحظة.

 

وبعدين سألت:

 

«هو زياد له علاقة بالموضوع؟»

 

رد رئيس الجامعة:

 

«لسه ما عندناش دليل على إنه هو اللي طلب ده بنفسه. لكن بما إنك صاحبة الحق المحدد في الوصية، فمن واجبنا نبلغك ونراجع الإجراءات بحذر.»

 

قفلت المكالمة، وحسيت إن الماضي بيحاول يرجع من باب جديد.

 

ما كنتش خايفة على نفسي بس.

 

كنت خايفة إن الخلاف الشخصي يتحول لمعركة على الوقف، وإن الطلاب اللي بيعتمدوا على المنح يتضرروا من أي محاولة للضغط أو التشكيك.

 

اتصلت بالمستشار فؤاد، وطلبت منه مراجعة كل المستندات المتعلقة بالإدارة والملكية والاختصاصات.

 

قال لي:

 

«إحنا هنتعامل مع الموضوع بالقانون، ومش هنسمح لأي حد يستخدم الوقف لتحقيق مصلحة خاصة.»

 

وفي اليوم التالي، رحت المكتب.

 

كان فيه ملف جديد على الطاولة، ومعاه خطاب رسمي.

 

المستشار فتحه قدامي وقال:

 

«الطلب المقدم مش طلب استيلاء على الأموال، لكنه طلب مراجعة بعض القرارات الإدارية القديمة. وده في حد ذاته ممكن يكون إجراء قانوني مشروع. المشكلة إن بعض المعلومات اللي استند عليها الطلب غير دقيقة.»

 

سألته:

 

«زي إيه؟»

 

قال:

 

«فيه ادعاء إن تعيينك للإشراف على الوقف اتعمل بسبب علاقتك برئيس الجامعة، وإن الإجراءات ما كانتش مستقلة.»

 

اتصدمت.

 

«ده مش حقيقي!»

 

قال بهدوء:

 

«إحنا عارفين، وعشان كده جمعنا كل المستندات اللي تثبت تسلسل الإجراءات، وتقرير المراجعة، ومحاضر الاجتماعات، والوصية الأصلية.»

 

فضلت باصة للملف.

 

كنت عارفة إن اسمي ممكن يتحول لموضوع كلام جديد، لكن المرة دي ما كنتش هسمح للخوف يتحكم في قراراتي.

 

قلت له:

 

«عايزة كل حاجة تتراجع من جهة مستقلة، حتى لو المراجعة هتأخر بعض القرارات. مش عايزة حد يقدر يقول إننا خبينا حاجة.»

 

المستشار ابتسم.

 

«ده أفضل قرار ممكن تاخديه.»

 

خرجت من المكتب وأنا مقتنعة إن المعركة الحقيقية مش إني أثبت إن زياد غلطان، لكن إني أحافظ على نفسي وعلى الأمانة اللي وصلت لي.

 

وبعد أيام، تلقيت رسالة من زياد.

 

«مريم، محتاج أقابلك. الموضوع مهم ومالوش علاقة برجوعنا لبعض.»

 

ترددت في الرد، لكني كتبت له:

 

«لو الموضوع يخص ليلى، أو التزاماتك تجاهها، ابعت التفاصيل. ولو يخص الوقف، فالتواصل يكون عن طريق المحامين.»

 

رد بسرعة:

 

«الموضوع يخص الوقف، وأنا عارف حاجة لازم تعرفيها.»

 

ما رديتش.

 

بعدها بساعتين، بعت رسالة تانية:

 

«أنا ما كنتش أعرف حاجة عن الوصية، لكن والدي عنده مستند قديم يخص جدك. وأنا شفته بالصدفة، ومعتقدش إن المستشار فؤاد شافه.»

 

قلبي دق بسرعة.

 

اتصلت بالمستشار فؤاد، وبلغته بالرسالة.

 

قال لي:

 

«ما تقابليهوش لوحدك، وما تبعتيش أي مستندات. لو فيه ورقة فعلًا، لازم نشوفها ونتحقق من مصدرها.»

 

اتفقنا على لقاء رسمي في مكتب المحاماة، بحضور ممثل قانوني من كل طرف.

 

وفي اليوم المحدد، دخل زياد المكتب ومعاه ملف بني قديم.

 

كان شكله مرهق، ووشه فقد جزءًا كبيرًا من ثقته المعتادة.

 

قعد قدامي، وطلع ورقة مطوية.

 

قال:

 

«أنا لقيت الورقة دي في مكتب أبويا، وسط ملفات قديمة. ما كنتش أعرف معناها، لكن لما سمعت اسم جدك في الحفل، افتكرت إني شفت الاسم قبل كده.»

 

المستشار فؤاد مد إيده وأخذ الورقة.

 

فتحها، وفضل يقرأها في صمت.

 

كل ثانية كانت بتعدي ببطء.

 

وأخيرًا، رفع عينه وقال:

 

«الورقة دي محتاجة فحص فني وقانوني، ومش هنقدر نعتبرها دليلًا صحيحًا لمجرد إنها قديمة.»

 

زياد هز راسه.

 

«أنا مش بطلب حاجة. أنا بس حسيت إن من حق مريم تعرف.»

 

بصيت له.

 

«ليه؟»

 

سكت.

 

قلت:

 

«ليه دلوقتي يا زياد؟ بعد كل اللي حصل، ليه قررت تساعدني؟»

 

فضل باصص للأرض، وبعدها قال:

 

«لأن يوم الحفل، لما شفتك واقفة قدام الناس، وأنا بتكلم بالطريقة دي، افتكرت إنك كنتِ دايمًا أقوى مني في الحاجة اللي أنا كنت بخاف منها.»

 

ما رديتش.

 

كمل:

 

«أنا كنت فاكر إن القوة إن الناس تخاف مني، وإن اسمي وفلوس أبويا يخلوني أقدر أعمل اللي أنا عايزه. لكن لما شفتك، وإنتِ مش بتعيطي ولا بتطلبي مني حاجة، حسيت إني صغير جدًا.»

 

قال الكلام ده من غير ما يبص لي.

 

وبعدين أضاف:

 

«أنا مش بطلب منك تسامحيني النهارده. أنا عارف إن ده مش كفاية.»

 

المستشار فؤاد أنهى المقابلة بعد ما سجل تفاصيل تسليم الورقة، وبدأ فريق متخصص يفحصها.

 

ما كانش فيها دليل قاطع على أي تغيير في الوصية، لكن كان فيها إشارة إلى مراسلات قديمة بين جدّي وإدارة الجامعة.

 

وبعد أسابيع من الفحص، اتضح إن الورقة مجرد نسخة من مراسلة إدارية قديمة، وإنها ما بتغيرش أي حق من الحقوق المثبتة في الوصية.

 

لكنها كشفت عن شيء مهم.

 

جدّي كان قد طلب قبل وفاته إنشاء برنامج مستقل لدعم الأمهات اللي بيكملوا تعليمهم الجامعي، وكان المشروع اتأجل لسنوات بسبب صعوبات إدارية.

 

لما عرفت، حسيت إن قلبي بيتحرك بطريقة غريبة.

 

كأن جدّي، اللي ما عرفتش عنه كتير، ساب لي رسالة من الماضي.

 

رحت الجامعة، وقعدت مع رئيس الجامعة والمستشار فؤاد، وقلت لهم:

 

«أنا عايزة نرجع ندرس المشروع ده. مش عايزة نعمله باسمي، ولا عايزة صورتي تبقى على كل إعلان. عايزة الأمهات اللي عندهم أطفال يلاقوا فرصة يكملوا تعليمهم من غير ما يحسوا إنهم مضطرين يختاروا بين مستقبلهم وولادهم.»

 

رئيس الجامعة قال:

 

«هنبدأ إعداد خطة تنفيذية، مع مراجعة ميزانية الوقف وشروطه.»

 

وبعد فترة من الدراسة، اتوافق على إطلاق برنامج جديد باسم «فرصة ليلى»، بعد التأكد من توافقه مع شروط الوقف والضوابط المالية.

 

البرنامج كان هدفه دعم الطالبات الأمهات، وتوفير منح للمواصلات والكتب، وتنظيم ساعات مرنة للتدريب، والتعاون مع جهات توفر رعاية آمنة للأطفال خلال بعض الأنشطة التعليمية.

 

لما شفت أول مجموعة من الطالبات في يوم الإعلان، واحدة منهم قربت مني وقالت:

 

«أنا كنت هسيب الكلية السنة دي. جوزي انفصل عني، ومعايا طفل، وماكنتش عارفة هعمل إيه. لما سمعت عن البرنامج، قررت أجرب.»

 

بصيت لها، وحسيت إن الكلام مش محتاج رد كبير.

 

قلت لها:

 

«كملي تعليمك. ما تخليش ظروف النهارده تقرر شكل حياتك كلها.»

 

في اللحظة دي، فهمت إن اللي حصل لي ما كانش لازم ينتهي عندي.

 

ممكن يتحول لفرصة لحد تاني، حد واقف دلوقتي في نفس المكان اللي كنت واقفة فيه من شهور، وبيفكر إنه خلاص خسر كل حاجة.

 

لكن حياة زياد ما كانتش اتصلحت بمجرد إنه اعتذر.

 

كان لازم يثبت إنه فهم غلطه، وإنه قادر يتحمل مسؤولية بنته من غير ما يحاول يشتري مكانته في حياتها.

 

بعد شهرين من حفل التخرج، تقدم بطلب رسمي لتنظيم مواعيد رؤية ليلى والتزاماته تجاهها.

 

أنا ما رفضتش لمجرد إنه طليقي، وما وافقتش لمجرد إنه أبوها.

 

طلبت إن كل شيء يتم وفقًا للقانون، وبما يحافظ على استقرار الطفلة.

 

وفي أول مرة جه يشوفها، وصل قبل الموعد بعشرين دقيقة.

 

كان واقف قدام باب البيت، وفي إيده حقيبة صغيرة فيها ملابس أطفال وألعاب بسيطة.

 

فتحت له الباب.

 

بص لي، ثم بص ناحية ليلى اللي كانت نايمة في حضني.

 

قال بهدوء:

 

«صباح الخير.»

 

رديت:

 

«صباح النور.»

 

دخل بعد ما اتفقنا على التفاصيل، وقعد على الكرسي اللي جنب الشباك.

 

فضل يبص لبنته فترة طويلة، كأنه بيحاول يتعرف عليها لأول مرة.

 

وبعدين سألني:

 

«هي بتنام كتير؟»

 

قلت:

 

«لسه صغيرة.»

 

هز راسه.

 

«أنا ضيعت أول أسبوعين من حياتها.»

 

ما جاوبتش.

 

قرب بحذر، ومد إيده، لكنه تردد قبل ما يلمسها.

 

قلت له:

 

«لو عايز تشيلها، اغسل إيدك الأول، وخلي بالك من رقبتها.»

 

قام فورًا وغسل إيده، ورجع وقف جنبي.

 

ناولته ليلى بحذر، وهو قعد ماسكها وكأنه شايل حاجة أغلى من حياته.

 

بعد ثواني، بدأت البنت تتحرك، فارتبك.

 

«هي بتعيط ليه؟»

 

قلت:

 

«يمكن جعانة، أو محتاجة تتغير.»

 

رجعتها لحضني، وجهزت لها اللي محتاجاه، بينما هو فضل واقف ساكت.

 

بعد شوية، قال:

 

«أنا ما كنتش أعرف إن المسؤولية صعبة كده.»

 

بصيت له.

 

«المسؤولية مش صعبة بس، هي مستمرة. مش بتخلص لما تمشي من البيت أو تقفل الباب.»

 

هز راسه.

 

«أنا فاهم.»

 

قلت:

 

«أتمنى تكون فاهم فعلًا.»

 

خلصت الزيارة في موعدها، ومشي زياد من غير ما يطلب مني أي شيء تاني.

 

ما حسيتش بالانتصار.

 

حسيت بس إن بنتي بدأت تاخد حقها بطريقة منظمة، وإنني مش مضطرة أسمح لمشاعري تجاه أبوها تتحكم في مستقبلها.

 

مرت الشهور، وبدأت أحقق تقدمًا في شغلي.

 

كنت بشتغل في مكتب المحاماة، وبشارك في اجتماعات الوقف، وبحاول أوازن بين كل ده وبين تربية ليلى.

 

ما كانش الأمر سهلًا.

 

في أيام كنت برجع البيت منهكة، وفي أيام كنت أضطر أعتذر عن اجتماعات عشان بنتي تعبانة.

 

لكن أمي كانت دايمًا جنبي.

 

وفي كل مرة كنت أحس إني مش قادرة أكمل، كانت تقول:

 

«إنتِ مش مطالبة تبقي قوية كل دقيقة. ارتاحي، وبعدين قومي تاني.»

 

أما زياد، فبدأ يلتزم بمواعيده تدريجيًا.

 

كان بيسأل عن ليلى، ويتابع احتياجاتها، ويدفع ما عليه من التزامات.

 

ما حاولش يستخدم اسمي أو اسم الوقف، وما رجعش يطلب مني أرجع له.

 

لكن علاقته بوالده بدأت تتوتر بعد اللي حصل في الجامعة.

 

عرفت من نادين إن والده كان غاضبًا جدًا من تصرفه في الحفل، وإنه طلب منه يراجع طريقته في التعامل مع الناس.

 

زياد كان طول عمره بيعتبر نجاحه امتدادًا لاسم عيلته، لكنه بدأ يكتشف إن الاسم وحده ما بيكفيش، وإن احترام الناس مش حاجة بتتفرض عليهم.

 

في إحدى الزيارات، قال لي:

 

«أنا سجلت في برنامج تدريب قانوني بعيد عن مكتب أبويا.»

 

بصيت له باستغراب.

 

«ليه؟»

 

قال:

 

«عايز أتعلم من غير ما كل حد يوافقني عشان عارف أنا ابن مين.»

 

قلت:

 

«دي خطوة كويسة لو إنت مقتنع بيها.»

 

هز راسه.

 

«أنا مقتنع.»

 

ما شجعتهوش أكتر من اللازم، ولا حاولت أحكم على مستقبله.

 

كان لازم يثبت لنفسه الأول إنه قادر يتغير.

 

وبعد سنة كاملة من يوم التخرج، رجعت الجامعة تاني.

 

المرة دي، ماكنتش طالبة واقفة على باب القاعة خايفة من نظرات الناس.

 

كنت رايحة أحضر حفل إطلاق دفعة جديدة من برنامج «فرصة ليلى»، ومعايا بنتي اللي بقت أكبر شوية، وبتضحك كل ما تشوف أي حاجة ملونة.

 

أمي كانت جنبي، لابسة فستان بسيط، ووشها منور بالفخر.

 

قبل بداية الحفل، رئيس الجامعة قرب مني وقال:

 

«البرنامج حقق نتائج ممتازة في أول سنة. عدد من الطالبات قدروا يكملوا تعليمهم، وفيه حالات كانت هتسيب الدراسة نهائيًا ورجعت تاني.»

 

ابتسمت.

 

«الحمد لله.»

 

قال:

 

«جدك كان هيكون فخور بيكي.»

 

بصيت ناحية القاعة، وشفت طالبات قاعدين مع أطفالهم، وبعضهم بيحاول يهدي طفل صغير قبل بداية الكلمات الرسمية.

 

حسيت إن المكان اللي شهد إهانتي بقى مكانًا مختلفًا بالنسبة لي.

 

ما بقاش مسرحًا للحكم على الناس، لكنه بقى مساحة بتدي فرصة للي ظروفهم صعبة.

 

وقبل بداية الحفل بدقائق، شفت زياد داخل القاعة.

 

كان لابس بدلة بسيطة، وما كانش حواليه مجموعة من الناس بتحاول تلفت الانتباه ليه.

 

قرب مني، ووقف على مسافة محترمة.

 

قال:

 

«مبروك يا مريم.»

 

قلت:

 

«الله يبارك فيك.»

 

بص لليلى، اللي كانت ماسكة لعبة صغيرة.

 

قال:

 

«كبرت.»

 

رديت:

 

«أيوه، بسرعة.»

 

سكت شوية، ثم قال:

 

«أنا عارف إنك مش مطالبة تسمعيني، لكن فيه حاجة نفسي أقولها.»

 

بصيت له.

 

«اتفضل.»

 

قال:

 

«في يوم التخرج، أنا ما أذيتكيش بس لما سبتك. أنا حاولت أقنع الناس إنك أقل مني، عشان كنت خايف يكتشفوا إني أنا اللي كنت ضعيف.»

 

فضلت ساكتة.

 

كمل:

 

«كنت فاكر إن لو الناس ضحكت عليكي، ده هيخليني أحس إني كسبت. لكن أنا اللي خسرت احترامي لنفسي. ومهما عملت بعد كده، مش هقدر أغير اللي حصل في اليوم ده.»

 

خفض رأسه.

 

«أنا آسف يا مريم. مش عشان الوقف، ولا عشان الناس عرفت حقيقتي. أنا آسف عشانك كنتِ تستاهلي مني أفضل من كده.»

 

لأول مرة، حسيت إن اعتذاره مش محاولة يفتح بابًا قديمًا، ولا وسيلة يطلب بيها حاجة.

 

كان مجرد اعتراف.

 

قلت له:

 

«أنا سمعت اعتذارك يا زياد.»

 

رفع عينه ليا.

 

«وده معناه إنك سامحتيني؟»

 

فكرت للحظة.

 

«معناه إني مش هفضل عايشة في اليوم ده. لكن الثقة حاجة تانية، ودي بتتبني بالأفعال، مش بالكلام.»

 

هز راسه.

 

«فاهم.»

 

قلت:

 

«خلينا نركز على ليلى، ونخليها تكبر وهي عارفة إن أبوها وأمها ممكن يختلفوا، لكن محدش فيهم له حق يهين التاني أو يستخدمها ضد التاني.»

 

قال بهدوء:

 

«أوعدك إني هحاول أعمل ده.»

 

دخلنا القاعة، كل واحد في مكانه، وبدأ الحفل.

 

وفي آخر اليوم، وأنا خارجة من الجامعة، بصيت للمبنى الكبير اللي كنت فاكرة في يوم إنه هيحتفظ بأسوأ ذكرى في حياتي.

 

لكن الحقيقة إن المكان ده احتفظ بأكتر من ذكرى.

 

احتفظ باليوم اللي كنت فيه حاضنة بنتي ومش عارفة المستقبل مخبي لي إيه، واليوم اللي استلمت فيه شهادة تعبي، واليوم اللي بدأت فيه أساعد بنات تانية ما يضطروش يواجهوا نفس الطريق لوحدهم.

 

بعد كام سنة، ليلى كبرت، ودخلت الحضانة، وبعدها المدرسة.

 

كانت كل ما تشوف شهاداتي معلقة على الحيطة، تسألني:

 

«ماما، إنتِ كنتِ شاطرة في المدرسة؟»

 

أضحك وأقول لها:

 

«كنت بحاول أبقى شاطرة.»

 

فتسألني:

 

«طب ليه بتعيطي لما تحكي عن الجامعة؟»

 

كنت أضمها لحضني وأقول:

 

«عشان الجامعة علمتني حاجات كتير، مش بس القانون. علمتني إن الإنسان ممكن يتوجع جدًا، لكنه يقدر يقوم تاني.»

 

ما كنتش بحكيلها تفاصيل إهانة زياد، لأنها لسه صغيرة، ولأنها مش محتاجة تحمل وجع الكبار.

 

لكن كنت حريصة إنها تتعلم إن قيمتها مش مرتبطة بفلوس، ولا باسم عيلة، ولا برأي حد فيها.

 

أما أنا، فكملت شغلي، واتدرجت في المجال القانوني، وشاركت في قضايا بتدافع عن حقوق الأمهات والطلاب اللي ظروفهم صعبة.

 

والوقف استمر في أداء رسالته، تحت رقابة قانونية وإدارية مستقلة، والمنح زادت تدريجيًا، والبرنامج بقى معروفًا في الجامعة.

 

وفي إحدى حفلات التخرج التالية، كنت قاعدة في الصف الأول، بصفتي واحدة من المسؤولين عن متابعة البرامج التعليمية.

 

المذيع أعلن اسم طالبة من خريجات برنامج «فرصة ليلى».

 

اسمها سلمى.

 

طلعت المسرح، وكانت حاضنة طفلها الصغير، وبتحاول تمسك الشهادة بإيد، وتثبت الطفل بالإيد التانية.

 

القاعة صفقت لها بحرارة.

 

وقفت أنا وصفقت معاهم.

 

بعد الحفل، سلمى قربت مني وهي بتعيط.

 

قالت:

 

«أنا كنت فاكرة إني مش هقدر أكمل. كنت كل يوم أصحى وأقول خلاص، أنا تعبت، ومش هقدر أوازن بين ابني ودراستي. لكن لما شفت قصتك، حسيت إن فيه أمل.»

 

حضنتها وقلت:

 

«إنتِ اللي عملتي كل ده. إحنا بس ساعدناكي تلاقي الطريق.»

 

بصيت ناحية المسرح، وشفت ليلى واقفة جنب أمي، وبتلوح لي بإيديها الصغيرة.

 

ابتسمت لها، وافتكرت اليوم اللي كنت واقفة فيه في نفس المكان، والناس بتضحك عليا، وأنا مش عارفة إذا كنت هقدر أخرج من القاعة مرفوعة الرأس.

 

ما كنتش محتاجة أرجع لزياد عشان أثبت إني نجحت.

 

وما كنتش محتاجة أخليه يندم عشان أحس إن لي قيمة.

 

نجاحي الحقيقي كان إني بنيت حياة ما بقاش فيها رأيه هو اللي يحدد أنا مين.

 

وفي المساء، وأنا قاعدة في البيت مع أمي وليلى، رن جرس الباب.

 

فتحت، ولقيت زياد واقف ومعاه ملف صغير.

 

قال:

 

«مساء الخير. آسف إني جيت من غير ما أبلغك، لكن فيه حاجة تخص ليلى.»

 

اتوترت للحظة.

 

«خير؟»

 

مد لي الملف.

 

«ده ملف طبي ليها، ونسخة من كل التطعيمات اللي دفعتها الشهر ده. الدكتور قال إننا لازم نتابع موعد معين، وأنا حبيت أديكي الأوراق بنفسي.»

 

أخذت الملف وراجعته.

 

كل شيء كان مرتبًا.

 

رفعت عيني له.

 

«شكرًا.»

 

هز راسه.

 

«أنا عارف إن دي مسؤوليتي، مش معروف.»

 

الجملة دي خلتني أبص له للحظة أطول.

 

ما كانش الراجل اللي وقف على المسرح من سنين، بيحاول يكسرني قدام الناس.

 

كان شخصًا بدأ يتعلم، ولو متأخرًا، إن الأبوة مش لقب، وإن الاحترام مش ضعف، وإن الاعتراف بالغلط أول الطريق، مش نهايته.

 

سأل عن ليلى، وقعد معاها شوية في وجودي، وبعدها استأذن ومشي.

 

قفلت الباب، ورجعت للصالة.

 

أمي كانت بتبص لي بابتسامة هادية.

 

قالت:

 

«شايفة يا بنتي؟ ربنا ما ضيعش تعبك.»

 

قعدت جنبها، وحطيت راسي على كتفها.

 

«الحمد لله يا ماما.»

 

في الليلة دي، بعد ما ليلى نامت، فتحت درج مكتبي، وطلعت الظرف القديم اللي كنت حطيت فيه صورتي مع زياد يوم الجواز.

 

فضلت أبص للصورة شوية.

 

ما حسيتش بالغضب اللي كنت بحسه زمان، ولا بالرغبة إني أمزقها.

 

حطيتها في ملف قديم، وقفلت عليه.

 

مش لأن الماضي كان جميلًا، ولا لأن اللي حصل اتنسى، لكن لأن الماضي بقى جزءًا من حكايتي، مش السجن اللي عايشة جواه.

 

وبعدين فتحت دفتر جديد، وكتبت على أول صفحة:

 

«مش كل اللي بيخسر شخصًا بيكون خسر حياته، ومش كل اللي بيكسب تصفيق الناس بيكون كسب احترامهم. أحيانًا، أصعب لحظة في حياتك بتكون هي اللحظة اللي بتبدأ فيها تعرف قيمتك الحقيقية.»

 

قفلت الدفتر، وطفيت النور.

 

وقبل ما أنام، سمعت صوت ليلى من أوضتها بتناديني.

 

دخلت لها بسرعة، لقيتها بتفرك عينيها وبتقول:

 

«ماما، إنتِ هنا؟»

 

حضنتها وقلت:

 

«أنا هنا يا حبيبتي.»

 

اتعلقت في رقبتي وهمست:

 

«ما تمشيش.»

 

بست راسها، وقلت لها:

 

«مش همشي. أنا معاكي.»

 

فضلت حضناها لحد ما نامت تاني، وأنا حاسة إن كل التعب اللي عديت بيه كان يستحق اللحظة دي.

 

لأن يوم ما وقفت قدام خمسمائة شخص، وأنا شايلة بنتي اللي لسه مولودة من أسبوعين، ما كنتش محتاجة حد يعلن إني غنية، ولا إن جدي ساب لي وقفًا بالملايين، عشان أثبت إني مش فاشلة.

 

كنت محتاجة بس أصدق نفسي.

 

والحقيقة اللي اتعلمتها بعد كل السنين دي، إن الإنسان ممكن يخسر بيتًا، وجوازًا، وأحلامًا كان فاكر إنها هتعيش العمر كله، لكنه يقدر يبدأ من جديد، ويبني لنفسه ولأولاده مستقبلًا أفضل.

 

أما زياد، ففضل جزءًا من حياة ليلى بقدر ما التزم بمسؤوليته تجاهها، لكن ما بقاش صاحب القرار في حياتي، ولا بقيت مستنية منه اعترافًا بقيمتي.

 

والوقف الخيري فضل أمانة لازم أحافظ عليها، مش وسيلة أتباهى بيها، ولا سلاح أستخدمه ضد حد.

 

وفي كل مرة كنت أشوف طالبة جديدة بتستلم منحتها، أو أمًا بتكمل دراستها وهي حاضنة طفلها، كنت أفتكر نفسي في أول درجة من المسرح.

 

كنت أفتكر الضحكات، والكلمات القاسية، ونظرة زياد اللي كانت مليانة غرور.

 

وبعدين أبص للوجوه اللي قدامي، وأقول لنفسي إن أجمل رد على الإهانة مش إنك تهين اللي أذاك، ولا إنك تستنى يوم ضعفه عشان تشمت فيه.

 

أجمل رد إنك ما تسمحش له يحولك لشخص شبهه.

 

وإنك تخرج من التجربة أقوى، وأرحم، وأقدر على مساعدة غيرك.

 

وفي يوم من الأيام، لما ليلى تكبر وتسألني عن أصعب يوم في حياتي، هحكيلها عن يوم التخرج.

 

هحكيلها إني كنت خايفة، وإني اتوجعت، وإن ناس كتير ضحكت عليا، وإن أبوها أخطأ في حقي.

 

لكن هحكيلها كمان إني ما احتجتش أنتقم منه، ولا احتجت أرجع له، ولا احتجت أعيش عمري كله عشان أثبت له إنه خسرني.

 

هقول لها إن اليوم ده كان بداية الطريق اللي خلاني أفهم إن كرامة الإنسان مش بتتحدد بوجود شخص في حياته أو غيابه، وإن الأمومة مش عارًا، وإن الظروف الصعبة مش دليل فشل، وإن اللي بيحكم على الناس من مظهرهم أو ظروفهم ممكن يكتشف يومًا إنه كان أجهلهم بالحقيقة.

 

وهقول لها إن جدها، رغم إنها ما عرفتهوش، ساب لها ولناس كتير فرصة للتعليم، وإن الأمانة دي علمتني إن المال الحقيقي مش في الأرقام اللي مكتوبة في الحسابات، لكنه في الخير اللي تقدر تسيبه وراك.

 

أما أنا، فهفضل فاكرة نفسي في اللحظة اللي رفعت فيها راسي وسط القاعة، وضميت بنتي لحضني، وقررت إن محدش تاني هيكتب نهايتي بدل مني.

 

لأن يومها، وسط الضحكات والإهانات، كنت فاكرة إن كل الأبواب اتقفلت في وشي.

 

لكن الحقيقة إن بابًا جديدًا كان بيتفتح، بابًا ما كنتش محتاجة أدخله باسم عيلتي، ولا بمساعدة طليقي، ولا بتصفيق الناس.

 

دخلته بتعبي، وبعلمي، وبإصراري، وببنتي اللي كانت نايمة في حضني من غير ما تعرف إن وجودها وحده كان أكبر سبب خلاني أقف تاني.

 

ومن يومها، بقيت كل ما أقابل إنسانًا مكسورًا أو طالبًا حاسس إن الدنيا حكمت عليه بالفشل، أفتكر إننا ما نعرفش أبدًا إيه اللي بيحصل جوه قلوب الناس، ولا إيه اللي مستنيهم بعد آخر لحظة وجع.

 

يمكن شخص يكون واقف قدامك النهارده وهو في أضعف حالاته، لكن بكرة يكون هو اللي بيمد إيده لغيره، ويفتح له بابًا كان فاكره مستحيل يتفتح.

 

وده كان أجمل شيء خرجت بيه من حكايتي.

 

إني ما بقيتش مجرد مريم اللي سابها جوزها وهي حامل، ولا مريم اللي الناس ضحكت عليها في حفل التخرج، ولا حتى مريم اللي بقت مسؤولة عن وقف خيري كبير.

 

بقيت مريم اللي عرفت تقوم بعد ما وقعت، وتربي بنتها بكرامة، وتحافظ على الأمانة اللي وصلت لها، وتساعد غيرها من غير ما تطلب منهم مقابلًا.

 

وبقيت عارفة إن في أوقات كتير، الحياة مش بتدينا اللي كنا بنحلم بيه، لكنها بتدينا فرصة نكتشف إننا أقوى من الصورة اللي رسمناها لنفسنا.

 

أما ليلى، فكانت بتكبر يومًا بعد يوم، وكنت كل ليلة أبص لوشها وهي نايمة، وأدعي ربنا يحفظها من كل شر، ويجعل قلبها رحيمًا وعقلها واعيًا، ويبعد عنها الغرور اللي أعمى بصيرة ناس كتير.

 

كنت أتمنى لها حياة ما تضطرش فيها تدافع عن كرامتها قدام جمهور، ولا تقف وحدها في مواجهة قسوة حد، لكني كنت عارفة إن الدنيا مش دايمًا بتمشي زي ما نتمنى.

 

عشان كده، علمتها إن القوة مش في الصوت العالي، وإن النجاح مش في إنك تبقى أغنى من غيرك، وإن الاعتذار الحقيقي مش كلمة، لكنه تغيير بيظهر في التصرفات.

 

وفي آخر كل يوم، كنت أقفل باب البيت، وأبص حواليا.

 

الشقة الصغيرة اللي كنت زمان بحس إنها أضيق من أحلامي، بقت بالنسبة لي مكانًا آمنًا، مليان بذكريات أمي وضحكة بنتي، وكتب القانون اللي تعبت فيها، والأوراق اللي بتفكرني إن حقي لازم يتحافظ عليه بالقانون، مش بالصراخ.

 

ما كانش عندي قصر، ولا كنت محتاجة قصر.

 

ما كانش عندي رغبة أظهر في الصحف، ولا كنت محتاجة الناس كلها تعرف اسمي.

 

كنت عندي حياة ببنيها كل يوم، وبنت بتحبني من غير شروط، وأم دعمتني وقت ما الدنيا كلها كانت ضدي، وهدف أكبر من أي خلاف شخصي.

 

وده كان كفاية.

 

وفي يوم التخرج اللي بدأ بإهانة، وانتهى بتصفيق، اتعلمت إن تصفيق الناس ممكن يعلو ويهدأ، وإن كلامهم ممكن يتغير من يوم للتاني، لكن اللي بيفضل هو اللي الإنسان بيبنيه بإيده، واللي بيقدمه للناس من غير ما ينتظر منهم مقابلًا.

 

أما الجملة اللي قالها زياد يومها، وهو بيشير لي قدام خمسمائة ضيف ويصفني بالفاشلة، فمع الوقت فقدت كل قدرتها على وجعي.

 

لأنني عرفت إن الفشل الحقيقي مش إنك تتعب، ولا إن جوازك ينتهي، ولا إنك تربي طفلك وحدك فترة من الزمن.

 

الفشل الحقيقي إنك تجرح إنسانًا عشان تحس إنك أكبر منه، وإنك تعتبر ضعف غيرك فرصة تتباهى بقوتك، وإنك ترفض تعترف بغلطك حتى بعد ما الحقيقة تبقى واضحة قدام عينيك.

 

أما النجاح، فهو إنك تقدر تقوم، وتكمل، وتحافظ على إنسانيتك، وتبقى سببًا في إن حد تاني يقوم معاك.

 

وده اللي اخترت أعمله.

 

مش عشان أثبت لزياد إنه خسر، لكن عشان أثبت لنفسي إنني، رغم كل اللي حصل، ما خسرتش مريم اللي كنت عايزة أبقى عليها.

 

وكل ما كنت أشوف ليلى بتضحك، كنت أفتكر إن الحياة أحيانًا بتاخد منك حلمًا قديمًا، عشان تديك فرصة تبني حلمًا جديدًا، أكثر نضجًا وأقرب لقلبك.

 

وهكذا انتهت حكاية الزوجة اللي اتسابت وهي حامل، واتعرضت للإهانة قدام الناس، لكنها رفضت تنكس راسها.

 

ما انتهتش برجوعها لطليقها، ولا بانتقامها منه، ولا باستعراض ثروتها.

 

انتهت بامرأة عرفت قيمتها، وأم اختارت تربي بنتها على الكرامة، وأمانة خيرية استمرت في فتح أبواب التعليم لناس كانوا محتاجين فرصة واحدة بس عشان يغيروا حياتهم.

 

وفي كل مرة كان باب الجامعة بيتفتح لاستقبال دفعة جديدة، كنت أفتكر اليوم اللي دخلته وأنا حاضنة ليلى، والظرف المختوم في إيدي، والخوف مالي قلبي.

 

وأبتسم.

 

لأنني يومها ما كنتش أعرف إن اللحظة اللي ظننتها نهاية كرامتي، هتبقى بداية الطريق اللي هعيش باقي عمري فخورة بيه.

 

تمت

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى