
حماتي نوال كانت كل ما تدخل بيتي لازم تلاقي فيه حاجة تنتقدها، حتى لو كنت لسه منظفة المكان قبل ما توصل بدقايق… لكن اللي ماكنتش أعرفه إن جارتي كانت شايفة حاجة بتحصل في بيتي وأنا بكون في الشغل، ولما حكتلي اللي شافته، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
حماتي نوال كانت عندها موهبة غريبة جدًا… إنها تقدر تلاقي أي غلطة في بيتي في أقل من خمس دقايق من أول ما تدخل من الباب.
حتى لو كنت منظفة المكان كويس جدًا، كانت لازم تلاقي حاجة تمسك فيها.
مرة تقول لي:
“إيه البقعة دي على الرخامة يا سارة؟”
ومرة ترفع كيس العيش من على السفرة وتبص تحته وتقول:
“هو إنتوا بتاكلوا هنا ولا إيه؟ بصي الفتافيت عاملة إزاي!”
ومرة تفضل تدور بعينيها في الأرض لحد ما تلاقي حتة صغيرة لازقة في السيراميك وتبص لي بنظرة كلها استنكار:
“إنتِ مش بتلحقي تنظفي البيت ولا إيه؟”
والأغرب من كده إنها كانت دايمًا تختار تعمل كده قدام جوزي كريم.
كانت تستنى أول ما كريم يدخل البيت، وتبدأ تمثل إنها متضايقة ومش عارفة تقول إيه.
“كريم… بص على المطبخ.”
وكان كريم يبصلها باستغراب.
فتكمل هي:
“أنا مش عارفة سارة عايشة إزاي وسط الفوضى دي!”
في الأول كنت بحاول أتجاهل كلامها، وأقول لنفسي إنها مجرد ست كبيرة وبتحب كل حاجة تبقى على مزاجها.
لكن مع الوقت، كلامها بدأ يدخل جوا دماغي.
أمسح الأرض، وأنضف المطبخ، وأرتب الصالون، وألم كل حاجة من على الترابيزات… وأفضل طول الوقت خايفة إنها تلاقي حاجة ناقصة.
وفي يوم حد، كان عندنا غدا عائلي في البيت.
من الصبح وأنا واقفة على رجلي.
نضفت البيت كله، وغسلت المطبخ، ومسحت الأرض كذا مرة، وحتى دواليب المطبخ مسحتها من بره.
قبل ما نوال توصل بدقايق، وقفت في نص الصالة وبصيت حواليّ وأنا مرهقة، لكن كنت راضية.
البيت كان بيلمع.
المطبخ كان مترتب كأنه لسه متجهز.
ولما نوال وصلت، قلت لنفسي:
“المرة دي مش هتلاقي حاجة تقولها.”
لكن بعد حوالي عشرين دقيقة بس، سمعتها بتنادي عليا من المطبخ:
“سارة… تعالي يا حبيبتي، إنتِ عايزة تشوفي حاجة هنا.”
روحت لها وأنا مستغربة.
أول ما دخلت المطبخ، شفت بقعة صلصة كبيرة مرشوشة على جنب دولاب المطبخ.
فضلت باصة عليها كام ثانية وأنا مش مستوعبة.
أنا كنت ماسحة المكان ده بنفسي قبل ما نوال توصل بأقل من ساعة.
بصيت لها وقلت:
“غريبة… أنا كنت منظفة هنا من شوية.”
نوال ابتسمت ابتسامتها المستفزة اللي بقيت أكرهها.
وبصوت مليان شفقة قالت:
“معلش يا سارة… يمكن إنتِ مضغوطة ومش واخدة بالك من حاجات كتير.”
بصيت لكريم، لقيته واقف ساكت ومش عارف يقول إيه.
وبعد لحظات قال:
“ماما، خلاص بقى… سيبي سارة في حالها.”
لكن كلامه ماطمنيش.
لأن بالليل، بعد ما أهله مشيوا، وإحنا قاعدين لوحدنا، كريم بص لي وقال بهدوء:
“إنتِ كويسة؟”
قلت له:
“آه، ليه؟”
سكت شوية وبعدين قال:
“حاسس إنك بقالك فترة مش مركزة ومتوترة على طول.”
الكلمة وجعتني أكتر مما توقعت.
هي كانت بتأثر على صورتي في عينه.
وبدأت أخاف إن كريم فعلًا يصدق إن أنا مهملة ومش بعرف أدير بيتي.
عدى كام يوم وأنا بفكر في كلامه.
وفي يوم رجعت من الشغل متأخرة شوية، ولقيت جارتي هبة واقفة جنب صندوق البريد قدام بيتها.
أول ما شافتني، نادت عليا:
“سارة! استني… ممكن أسألك على حاجة غريبة شوية؟”
ضحكت وقلت لها:
“اسألي طبعًا.”
هبة بصت حوالين منها كأنها مش عايزة حد يسمعها، وبعدها قالت:
“هي حماتك بتيجي عندك وإنتِ مش موجودة؟”
ضحكت تلقائيًا، لأني افتكرت إنها أكيد غلطانة.
وقلت لها:
“نوال؟ لأ طبعًا… ليه؟ هي هتيجي تعمل إيه وأنا مش موجودة؟”
لكن هبة ما ضحكتش.
بالعكس، ملامحها اتغيرت وقالت:
“أنا شفتها هنا تلات مرات الشهر ده.”
اتجمدت مكاني.
وقلت:
“شوفتيها فين؟”
قالت:
“قدام بيتك.”
حاولت أضحك وأقول لنفسي إن الموضوع أكيد سوء تفاهم.
لكنها كملت:
“والغريب إنها مش بتدخل من الباب الرئيسي.”
بصيت لها باستغراب.
“أمال بتدخل منين؟”
هبة قربت مني وقالت:
“بتلف من جنب البيت وتدخل من ورا… من ناحية باب الحوش.”
حسيت بقشعريرة في جسمي.
وقلت لها:
“إنتِ متأكدة إنها كانت نوال؟”
ردت من غير تردد:
“متأكدة.”
وبعدين سكتت لحظة وقالت:
“وأمس حصل موقف خلاني أشك أكتر.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“إيه اللي حصل؟”
هبة طلعت موبايلها من شنطتها وقالت:
“لما شفتها جاية للمرة التالتة، الموضوع بقى غريب بالنسبة لي، فصورتها.”
مدت الموبايل ناحيتي.
ضغطت على الفيديو.
ظهر قدامي الشارع اللي قدام البيت.
وبعد ثواني ظهرت نوال وهي ماشية بهدوء ناحية بيتنا.
بصت يمين وشمال، وبعدها بدل ما تطلع على السلم وتدخل من الباب الرئيسي، لفت من جنب البيت واختفت ناحية الحوش.
فضلت أتفرج وأنا مش قادرة أتكلم.
وبعد كام ثانية ظهرت تاني في آخر الفيديو وهي بتفتح باب المطبخ الخلفي وتدخل جوه.
بصيت لهبة وقلت بصوت واطي:
“بس… هي معاها مفتاح؟”
هبة ما ردتش.
فضلت ساكتة وهي بتقدم الفيديو لقدام.
وبعدين لمست دراعي وقالت:
“استني… ده مش أهم جزء.”
بصيت لها.
ملامح وشها كانت اتغيرت تمامًا.
قربت الموبايل مني أكتر وقالت:
“سارة… ركزي في اللي هي هتعمله بعد كده.”
رجعت الفيديو ثواني لورا، وضغطت تشغيل.
المرة دي كنت ببص على الشاشة وأنا حاسة إن نفسي بيتسحب مني…
لأن اللي ظهر بعد دخول نوال البيت، كان حاجة عمري ما كنت أتخيل إنها ممكن تعملها.
#انجي_الخطيب
ظهرت نوال في الفيديو وهي واقفة جوة المطبخ، بعد ما اطمنت إن محدش شايفها. فتحت شنطة إيدها الكبيرة وطلعت منها أزازه صغيرة، ومشت بخطوات سريعة ناحية الرخامة… فتحت الأزازة وبمنتهى البرود رشّت شوية صلصة على كابينة المطبخ، ونفس الحركة كررتها عند الحوض لما رمى زبالة صغيرة كانت مجمعاها في كيس في شنطتها!
مش بس كده، طلعت من شنطتها فرشة شعر وقعدت تنفضها فوق كنب الصالون عشان تسيب شعر في كل حته! كانت بتتحرك في البيت بحفظ ودقة غريبة، كأنها بتنفذ خطة متجربة مية مرة قبل كده، وفي الآخر وقفت قدام مراية الصالة، ظبطت طرحتها، وابتسمت ابتسامة خبيثة كأنها بتقول لنفسها “تمام كده”.
إيدي كانت بترتعش وأنا ماسكة الموبايل، ودماغي بتغلي. جارتي هبة طبت على كتفي بصوت واطي: “سارة، أنتِ كويسة؟ أنا لما شفت الفيديو ده إمبارح ما عرفتش أنام.. كان لازم أقولك، دي بتخرب بيتك بدم بارد!”
مسحت دمعة سخنة نزلت من عيني، وبصيت لهبة وقلت بنبرة طالع منها غل وسواد عمره ما كان فيا: “بعتيلي الفيديو ده على الواتساب حالاً يا هبة.. والسر ده يفضل بيني وبينك لحد بكره.”
تاني يوم، استنيت لما كريم ينزل شغله، وعملت نفسي رايحة الشركة عادي، بس لفت ورجعت على البيت من ورا. دخلت من الباب الرئيسي بهدوء تام، وقعدت في الأوضة الجوانية اللي قريبة من باب المطبخ الخلفي… وقعدت أستنى.
ساعة بالظبط وسمعت تكتكة المفتاح في الباب الخلفي. قلبي كان بيدق زي الطبلة بس المرة دي مش من الخوف.. من العيافة والانتقام. سمعت خطواتها وهي بتتسحب، وصوت سوستة الشنطة وهي بتفتح.
طلعت الموبايل وبدأت أسجل فيديو بنفسي وهو حقيقي ومباشر. فتحت باب الأوضة بالراحة وطلعت خطوة بخطوة.. كانت واقفة مدياني ظهرها، وبترش مية متوسخة على سيراميك الصالة اللي أنا لسه مسحاه.
قلت بصوت عالي وثابت هز أركان الشقة: “منورة يا نوال هانم.. مش تعزمي علينا ونعملك واجب الضيافة برضه؟”
نوال اتنطرت من مكانها، الأزازة وقعت من إيدها وأتفركت على الأرض، وشها اتقلب ألوان وأصفرّ كأنها شافت عفريت. بلعت ريقها بالعافية وقالت وهي بتتأتأ وتلملم شنطتها: “سارة؟! إيه.. أنتِ مش في الشغل؟ وبعدين أنتِ بتكلميني كده ليه؟ أنا.. أنا كنت جاية أطمن على البيت واشيل القرف ده!”
قربت منها وأنا ماسكة الموبايل في وشها وبضحك بكسرة وغل: “قرف؟ القرف ده أنتِ اللي جيباه معاكي في شنطتك يا نوال! أنتِ فاكرة إنك ذكية؟ فاكرة إن العقدة دي هتمشي عليا وعلى ابنك للابد؟”
نوال اتعصبت وبدأت تعلي صوتها عشان تداري خيبتها: “أنتِ اتجننتي يا بت أنتِ؟ بتتهمني بإيه؟ أنا أمه! أنا اللي مربياه، وهقوله إنك بتتطاولى عليا وبترميني بالباطل!”
طلعت موبايلي الثاني وفتحت سبيكر وطلبت كريم.. كريم رد فوراً: “أيوة يا سارة في حاجة؟”
رديت عليه بثبات: “كريم.. افتح الواتساب بتاعك حالا وشوف الفيديو اللي بعتهولك، وبعدها أسمع صوت أمك في اللايف ده وهي في بيتنا بتوسخه بإيدها عشان تيجي بالليل تقولك مرتك مقصرة.”
السكوت حل على المكالمة لثواني كانت كفيلة تخلي نوال تبصلي بذعر، ووشها يجيب ألوان الطيف. سمعنا صوت كريم في التليفون ونبرته كانت مرعبة، نبرة واحد اكتشف إن حياته كلها كانت ألعوبة: “أنا جاي حالا يا أمي.. وإياك تحركي خطوة واحدة من البيت ده لحد ما أوصل.”
نوال كتمت نفسها ووشها بقى زي العيش المحروق، يبص للموبايل شوية ويبصلي شوية. السكوت في الشقة بقى حاد زي الموس، مفيش غير صوت نفسها العالي وهي بتحاول تلملم باقي كرامتها اللي اتعجنت على الأرض.
مسكت شنطتها بجامد وقالت وهي بتهددني وصوتها بيموت من الخوف: “أنتِ فاكرة ابنك هيصدق الفيديو ده؟ ده فبركة! أنتِ متفقة مع الجارة الصايعة دي عشان تبوظي علاقتي ببابنه!”
بصت لإيدها ولقيتها فعلاً ملطخة بالصلصة، مسحتها في جلابيتها بسرعة وبدأت تروح وتيجي في الصالة زي الفار المحبوس. حاولت تمشي ناحية الباب، بس وقفت قدامها وسديت السكة: “على فين؟ كريم قالك استني.. ولا خايفة تواجهي عملتك؟”
خلال عشر دقايق بس، الباب الخارجي اتفتح بخبدة هزت الشقة. دخل كريم وهو بيتنفس بسرعة، وشها أسود ومربد، ماسك الموبايل في إيده وايديه التانية بتترعش من الصدمة. أول ما دخل، نوال جرت عليه وبدأت تمثل وتعيط بحرقة: “يا كريم يا بني! الحقني! مرتك نصبتلي كمين وعايزة تعمل بيني وبينك مشكلة! دي بتتهمني إن أنا…”
كريم رفع إيده في وشها بصوت واطي بس يرعب: “بس يا أمي.. خلاص.”
نوال اتسمرت مكانها: “أنت بتبصلي كده ليه يا كريم؟ دي أمك!”
كريم بص للأرض، وبعدين بص للبقع اللي على السيراميك وعلى الكابينة، ونزل بعينيه على أزازه الصلصة المكسورة على الأرض.. بص لأمه بنظرة عمرها ما شافتها منه، نظرة واحد قرفان ومش مصدق.
“ليه يا أمي؟” كريم قالها ونبرة صوته مكسورة جداً.. “ليه تعملي كده؟ أنا كنت بصدقك.. كنت باجي البيت وأحس إن سارة مقصرة، وكنت بزعل منها وبضغط عليها عشان ترضيكِ! تدخلي بيتي في غيابنا وتوسخيه بيدك عشان تخربي بيني وبين مراتي؟”
نوال اتوترت وبدأت تتلجلج: “أنا.. أنا كنت عايزة أعلمها النظافة! كانت مهملة وأنت مش داري بـ…”
كريم قاطعها بصوت زأر في الشقة كلها: “سارة مش مهملة! أنتِ اللي مريضة! أنتِ اللي مش قادرة تشوفينا عايشين مبسوطين!”
التفت كريم ناحية الباب وفتحه على آخره، وبص لأمه وقال بكلام قاطع مفيش فيه رجعة: “المفتاح اللي معاكي يترمي هنا حالاً.. وماشوفش وشك في البيت ده تاني يا أمي. لما تصفى نيتك وتعرفي إن دي مراتي وحرمة بيتي، أبقى أفكر أزورك في بيتك.. لكن هنا، خطوة واحدة مش هتعتبيها.”
نوال أُسقط في إيدها، رمت المفتاح على الترابيزة وهي بتبرطم وتدعي عليا، وخرجت وهي بتطأطأ رأسها لأول مرة من يوم ما دخلت العيلة دي.
أول ما الباب اتقفل، كريم لفلي، وبصلي بنظرة مليانة ندم وآسف، وقرب مني وحضنني بكل قوته وهو بيكرر: “سامحيني يا سارة.. حظك في رقبتي، سامحيني إن صدقتها في يوم.”
رديت عليه وأنا بتنفس براحة لأول مرة من سنين: “المهم إن الحقيقة بانت يا كريم.. والمهم إن بيتي رجع لي تاني.”
من اليوم ده، البيت بقى له طعم تاني خالص. الهدوء اللي حرمت منه سنين رجع يرفرف في الصالة. كريم اتغير 180 درجة، بقى يجي من شغله يدخل المطبخ يساعدني، يجهز معايا الأكل، وكل ما يشوفني بنظف يمسك إيدي ويقولي: “ارتاحي يا سارة، البيت زي الفل ومش محتاج أصلًا.”
بس أنا كنت عارفة إن نوال مش من الستات اللي بيسلموا بسهولة. الستات اللي زيها لما يتكشفوا، الشر جواهم بيكبر زي النار تحت التبن.
عدى شهرين كاملين من غير ما نسمع صوتها ولا حتى مكالمة منها. كريم كان محروق من جواه، مش هينكر إنها أمه، بس كرامته ورجولته قدامي كان لهم التمن. وفي يوم جمعة، وإحنا قاعدين بنشرب الشاي بعد الغدا، تليفون كريم رن.
بصيت للشاشة.. كان رقم حمايا “عم حسين”، الراجل الطيب اللي دايمًا شارب المر وساكت في بيته. كريم رد بلهفة: “أيوة يا بابا.. ألف سلامة عليك، في إيه؟”
ملامح كريم اتغيرت وفجأة قام وقف: “إيه اللي حصل؟ مستشفى إيه دي؟ إحنا جاين حالا!”
قمت أجرى وراه وأنا مرعوبة: “في إيه يا كريم؟ عم حسين جراله حاجة؟”
كريم وهو بيلبس جزمته بإيد ترتعش: “أبويا حصله أزمة قلبية ومحجوز في العناية المركزة.. أمي بتقول إنه وقع من طوله لما عرف باللي حصل بيني وبينها!”
قلبي انقبض. حسيت إن اللعبة دخلت في مرحلة أوسخ وأخطر من الصلصة والشعر على الكنب. دي بتلعب بحياة جوزها عشان تلوى إيد ابنها وترجعه تحت طوعها!
وصلنا المستشفى بسرعة، لقينا عم حسين قاعد على الكرسي بره العناية، وشه أصفر وتعبان بس مش زي ما نوال هيأت لنا في التليفون. ورا منه كانت واقفة نوال، لافة طرحتها وشايلة في عيونها نظرة انتصار مرعبة أول ما شافت كريم داخل يجرى.
كريم جرى على أبوه وحضنه: “بابا! ألف سلامة عليك يا حبيبي.. إيه اللي حصل؟”
عم حسين بص لنوال بقلة حيلة وبعدين بص لكريم وقال بصوت مجهد: “يا بني أنا بخير.. شوية ضغط واكتئاب، بس أمك هي اللي عملت هيصة وضخمت الموضوع.”
نوال قربت بدموع تماسيح، ومسكت في دراع كريم وقالت بصوت مكسور وتمثيل يدرس: “شفت يا كريم؟ شفت اللي جرى لأبوك من يوم ما قطعتنا وطردت أمك؟ الراجل حس بكسرة النفس! أصل العيال لما يكبروا وينسوا الفضل، الأب والأم هم اللي بيدفعوا التمن!”
كريم بصلي ونظرة الحيرة والذنب بدأت ترجع لعينيه تاني. نوال استغلت اللحظة وقربت مني وقالت بصوت واطي ومسموع لكريم بس: “يا بختك يا سارة.. عرفتي تلفي وتدبري وتفرقي بين الراجل وأمه، وبكره تتسقي من نفس الكأس لما ابنك يكبر ويبيعك عشان واحدة غريبة.”
الكلام نزل عليا زي مية النار، بس المرة دي ما سكتش ولا اترعبت زي زمان. بصيت في عينها بثبات وقربت منها خطوة: “أنا مفرقتش حد يا نوال هانم.. أنتِ اللي اخترتي تخسري ابنك يوم ما دخلتي بيتي تخرّبيه. وعم حسين ربنا يشفيه، بس لو كان تعبان بجد، فمن القهر والظلم اللي شافهم معاكي طول عمره، مش من اللي حصل.”
نوال شهقت بصوت عالي: “أنتِ بتعلي صوتك عليا قدام جوزك وفي المستشفى؟”
تفتت لكريم ولقيته واقف ساكت، بس المرة دي ما كانش محتار.. كان بيسجل كل كلمة وكل نظرة خباثة في عين أمه.
كريم مسك إيد أبوه بالراحة وقاله: “بابا، أنا هاجي أطمن عليك كل يوم، وأي مصاريف للمستشفى أنا شايلها.. بس المتاجرة بصحتك دي مش هتمشي عليا.”
وبعدين لف لنوال وقالها بجفاف يوجع: “أنا ما طردتكيس يا أمي.. أنتِ اللي طردتي نفسك من حياتنا يوم ما استرخصتي بيتي وشرف مراتي. وادعي ربنا أبويا يقوم بالسلامة، لأنك لو كملتي في السكة دي، مش هتخسري بيتي بس.. أنتِ هتخسري وجودي في الدنيا كلها.”
شد كريم إيدي ومشينا في طرقة المستشفى الطويلة، وصوت صريخ نوال ورا بيكبر، بس المرة دي.. ولا حتى خطوة واحدة من خطانا اهتزت.
خرجنا من المستشفى والشمس كانت بتبدأ تغرب، والشارع حوالينا زحمة ودوشة، بس جوة عربية كريم كان في سكوت رهيب. كريم كان ماسك الدركسيون بأيديه الاتنين وعروق إيده بارزة من كتر الضغط.
بصيت له بالراحة وقلت له: “كريم.. أنت كويسة؟”
تنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من قعر قفصه الصدري، وبصلي بقلة حيلة: “أنا تعبت يا سارة.. حاسس إني بين نارين. نار إنها أمي وليها حق عليا، ونار إنها مش راضية تسيبنا في حالنا وبتاخد أبويا كبش فداء عشان تذلني.”
مسكت إيده وقلت له بثبات: “أنت ما قصرتش يا كريم.. أنت واقف مع أباك ومتكفل بمل مصاريفه، وبتروح له. الفرق بس إنك حطيت حد لخراب بيتنا.. وده مش عقوق، ده حماية ليا وليك.”
عدى أسبوع، وعم حسين خرج من المستشفى ورجع البيت. كريم كان بيروح يطمن عليه في أوقات عارف إن أمه مش موجودة فيها أو لما تخرج تشتري حاجات، وعلاقته بأبوه بقت أقوى من الأول، لأن عم حسين نفسه اعترف لكريم في قعدة صفو وقال له: “يا بني أنت صح.. أمك طبعها صعب وعمرها ما حبت تشوف حد مرتاح، خليك جنب مراتك وصون بيتك، وأنا مسامحك ودعواتي معاكم.”
في يوم، كنت قاعدة في البيت بالليل، والتليفون رن.. كان رقم غريب.
رديت بالراحة: “ألو؟”
جالي صوت هادي ورزين جداً مش غريب عليا، بس ما توقعتش أسمعه في الوقت ده: “إزيك يا سارة.. أنا هبة جارتك.”
قلت لها بابتسامة: “أهلاً يا هبة.. خير في حاجة؟”
هبة سكتت ثانية وبعدين قالت بنبرة قلقانة: “سارة.. أنا مش عايزة أخوفك، ولا عايزة أعمل مشاكل، بس أنا واثقة إن من حقك تعرفي.”
قلبي اتنفض في مكاني وقلت لها: “في إيه يا هبة؟ شفتي حاجة تاني؟”
قالت لي بصوت واطي: “أنا من شوية كنت نازلة أرمي الزبالة، وسمعت صوت وشوشة في الجنينة اللي ورا بيتك.. ولما بصيت من فوق السور، شفت حماتك واقفة مع راجل غريب، بياخد منها فلوس وبيستلم منها حاجة صغيرة زي مفتاح أو كارت!”
وقفت من على الكرسي وأنا مش مصدقة اللي أسمعه: “راجل غريب؟! راجل مين ده يا هبة؟”
هبة كملت وهي بتترعش: “ما عرفتش وشّه لأن المكان كان ضلمة، بس سمعته وهو بيقولها بالحرف: ‘الموضوع ده هيخلص بكره، والبيت ده هيتقلب رأساً على عقب وما تقلقيش، مش هيعرفوا مين اللي عملها’!”
النفس أتقطع في صدري، ورجلي ما بقتش شايلاني. مسكت في طرف الترابيزة بكل قوتي وقلت لهبة بنبرة مرعوبة: “هبة.. أنتِ متأكدة من الكلام ده؟ شفتيها بنفسك؟”
ردت هبة بثبات يقطع الشك: “سارة، أنا شفت وشها تحت كشاف الشارع وهي بتديله الفلوس وبتاخد منه المفتاح تاني! والراجل ده هيئته غريبة ومش من المنطقة هنا أصلاً!”
قفلت مع هبة ودماغي بقت بتغلي. نوال مش ناوية تجيبها لبر، والمرة دي الموضوع عدى مرحلة الصلصة والشعر والتمثيل.. المرة دي دي جايبة حد يخرب البيت بجد أو يسرقه عشان تلبسهالي أو تدمر حياتنا!
سمعت صوت عربية كريم بره، مسحت وشي بسرعة وحاولت أتمالك نفسي. دخل كريم وشايل كيس فاكهة، وشه كان مجهد بس ابتسامه أول ما شافني: “مساء الخير يا سارة.. عاملة إيه؟”
بصيت له وقلت له بنبرة حاسمة مفيهاش تردد: “كريم.. اسمعني كويس وما تقاطعنيش. الهدوء اللي إحنا فيه ده هدوء ما قبل العاصفة، وأمك بتبخ سم جديد.”
كريم حط الكيس على السفرة وتنهد بضيق: “سارة.. هو إحنا هنفضل في السيرة دي؟”
مسكت إيده وقعدته: “هبة جارتنا شافتها من شوية تحت السور مع راجل غريب، بتديله فلوس وبتقوله ‘الموضوع يخلص بكره’! أمك بتخطط لحاجة كبيرة يا كريم، ولو ما سبقتناش بخطوة، البيت ده هيتخرب بجد!”
كريم بصلي بشرود، وبعدين عينيه لمعت بفظاعة لما بدأ يربط الأحداث. “بكره؟ بكره إحنا الاتنين بنكون في الشغل طول النهار…”
“بالظبط!” قلتها وأنا بقرب منه: “وده الوقت اللي هي بتبقى واثقة إن البيت فيه فاضي. بس المرة دي مش هنستنى لما المصيبة تحصل.. المرة دي هننصب إحنا الكمين.”
تاني يوم الصبح، خرجنا أنا وكريم عملنا نفسنا طالعين على شغلنا عادي جداً. مشينا بالعربية لأول الشارع، وركنّا في مكان بعيد واستنينا. كريم كان مركّب كاميرات مراقبة صغيرة في الصالة والمطبخ بليلتها، وموصلها بتليفونه مباشرة.
قعدنا في العربية، الشاشة قدامنا، وقلبي بيدق زي الطبلة. عدت ساعة.. ساعتين.. وفجأة، شفنا الحركة على شاشة التليفون.
الباب الخلفي للمطبخ اتفتح.. ودخلت نوال، ووراها راجل طوال عريض شايل في إيده شنطة سباكة كبيرة وعتلة!
كريم اتسمر مكانه وعينيه كانت هتطلع من مكانها وهو شايف أمه بتشاور للراجل على محبس المية الرئيسي وعلى لوحة الكهرباء، وبتقوله بصوت طالع من السبيكر: “اكسرلي مواسير المية اللي ورا الحيطة، واعملي قفلة في سلك الكهرباء الرئيسي عشان الشقة تولع وتغرق في نفس الوقت! خليها تعرف إزاي تطرد نوال من هنا!”
الراجل مسك العتلة ورفعها عشان يضرب بيها الحيطة.. وفي لحظتها، كريم دور العربية وطار بيها على البيت زي المجنون.
في أقل من دقيقة، كان كريم كاسر باب الشقة الخارجي وداخل عليهم زي الأسد الجريح. الراجل اتخض ورمى العتلة من إيده، ونوال صرخت صرخة رعب وهي بتشوف كريم واقف قدامها، وشه أحمر وعروقه بارزة، ووراه أنا وموبايله في إيده بيسجل كل ثانية.
“كريم?!” نوال قالتها بصوت طالع بالعافية ووشها اتقلب أبيض زي الملاية.
كريم قرب من الراجل ومسكه من زامور رقابته ورزعه في الحيطة: “أنت مين يا روح أمك؟! وببتعمل إيه في بيتي؟”
الراجل اترعب وقال وهو بيلعثم: “والله ما أعرف يا بيه! الست دي هي اللي أوجرتني وقالتلي الشقة دي بتاعتها وعايزة تهد الحيطة عشان بتوضب! أنا ماليش دعوة!”
كريم زقه بره الشقة وقال له بصوت يزلزل المكان: “غور من هنا قبل ما أدفنك مكانك!”
الراجل جرى بجلده وساب الشنطة والعتلة على الأرض. التفت كريم لنوال.. المرة دي ما كانش فيه عتاب، ولا دموع، ولا حيرة. كان فيه شيطان أخرس واقف بينه وبين أمه.
نوال بدأت تتراجع لورا وهي بتمسك في هدومها وبتبكي بتمثيل رخيص: “يا كريم يا بني.. أنا.. أنا كنت بختبر السباكة! أنا كنت خايفة عليكم من المية والـ…”
“بس!!!” كريم صرخ فيها صرخة هزت أركان العمارة كلها، حتى الجيران طلعوا على الصوت.
قرب منها وحط التليفون في وشها وهو بيعرض الفيديو اللي سجلته الكاميرا بكلامها بالنص. “بتختبري السباكة؟ عايزة تولعي في بيتي وتغرقيه؟ عشان إيه؟ عشان غلك وعقدتك اللي مش راضية تخلص؟”
نوال اتسد حنكها ومفتحتش بقها بحرف، النظرة اللي في عين كريم كانت بتقول إنها خسرت ابنها للأبد.
كريم مسك دراعها بالراحة بس بقوة، ومشي بيها لحد الباب الخارجي. وقف على العتبة وبص لها بنظرة سردت كل الوجع والكسرة اللي جواه، وقال بصوت هادي جداً بس أشد من السكين:
“أنتِ مش أمي.. الأم ما بتخربش بيت ابنها، الأم ما بتدعيش بالحريق على سقف بيحمي ابنها. من اللحظة دي، إنتِ ميتة بالنسبة لي يا نوال هانم. لو شفت وشك هنا تاني، أو قربتي من سارة بأي شكل، الفيديو ده هيتوجه للنيابة بلاغ محاولة إتلاف وشروع في حريق عمد.. وأظن إنتِ عارفة القانون كويس.”
رمى شنطتها تحت رجليها وقفل الباب في وشها بخبدة سمعت في الشارع كله.
التفت لي كريم، ونزل على ركبه في نص الصالة، وحط رأسه بين إيديه وبدأ يعيط بكاء مرير، بكاء واحد بيدفن أمه وهي حية. قربت منه وقعدت جنبه على الأرض، حضنته بكل قوتي.. البيت كان هادي، والظلم اللي عاش معشش في الأركان اتكنس لأول مرة.
فضلت حاضنة كريم وهو بيعيط في نص الصالة، حاسة بضربات قلبه العالية اللي كانت بتدريجي بتهدى مع كل تنهيدة طالعة من حشاشة جوفه. الدموع اللي نزلت من عين كريم اليوم ده ما كانتش دموع ضعف، كانت دموع انكسار القيد اللي كان ربطه بسنين من السيطرة والابتزاز العاطفي.
بعد شوية، رفع رأسه وبصلي، عينيه كانت حمرة بس ملامحه كان فيها ثبات غريب، ثبات الراجل اللي أخد قرار مفيش فيه رجعة. مسح دموعه بأيده وبص حواليه في الشقة، وبعدين مسك إيدي وباسها وقال بصوت واطي بس مليان يقين: “حقك عليا يا سارة.. السقف ده من النهاردة مش هيدخله غير الأمان، وأنا مش هسمح لأي حد في الدنيا، مهما كان مين، إنه يهد اللي بنيناه.”
قومته من الأرض، ولمينا الحاجات اللي الراجل سابها، وقفلنا الباب الخلفي للمطبخ بالضبة والمفتاح، وغيرنا الكوالين كلها في نفس اليوم.
مرت الأيام والأسابيع، ونوال حاولت كذا مرة تبعت قرايب وعمام لكريم عشان يلينوه، كانت بتحاول تلعب كارت “صيانة الرحم” و”الابن البار”، بس كريم كان بيطلع موبايله ويوريهم الفيديو من غير ما يتكلم كلمة واحدة. أول ما كانوا بيشوفوا نوال وهي بتشاور للراجل يكسر لوحة الكهرباء والمواسير، كانت ألسنتهم تتلجم، ويمشوا وهم مكسوفين ومش قادرين يفتحوا بقهم بحرف.
عم حسين صحته تحسنت كتير لما عرف إن كريم بيزوره في دكانه أو في قعدة بره البيت بعيد عن نوال. بقى يجيبلي معاها فاكهة وأكل وهو جاي، ويقول لكريم: “ربنا يسعدك يا بني مع مراتك، إنت عملت الصح اللي أنا ما قدرتوش أعمله من ثلاثين سنة.”
وبعد ست شهور، وقفنا أنا وكريم في نفس الصالة اللي شهدت كل القهر والوجع ده، بس المرة دي كانت الأجواء مختلفة تماماً. الصالة كانت متزينة ببلونات بيضاء وورد، وريح بخور عود مالية المكان.
قرب مني كريم وحط إيده على بطني اللي بدأت تكبر وتبان، وابتسم بضحكة صافية من قلبه وقال: “تفتكري لو طلعت بنوتة، هنسميها إيه؟”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة شالت أخر أثر لخوف قديم، وقلت له وأنا ببص في عينيه بنفس الحب والثبات: “أي اسم في الدنيا يا كريم.. المهم إنها هتتربى في بيت هادي، مفيش فيه صلصة ممسوحة على الكابينة، ولا غل مستخبي تحت السجاد.”
ضمكني كريم ليه، ولأول مرة من يوم ما دخلت الشقة دي، حسيت إن البيت فعلاً بقى بيتي، وإن الستارة اتفلتت على كابوس طويل.. للابد.
عدت سنتين كامليين، والحياة مشيت هادية وسلكت زي الألف. جيبنا “فريدة”، ونوّرت بيتنا، وكريم بقى أب حنين بدرجة تخوف، يدخل من شغله يرمي تعبه بره ويجري عليها يشيلها. البيت بقاله حس وروح، والماضي بقى مجرد ذكريات قديمة بنحكيها وأحنا بنضحك على عبط الأيام دي.
لكن في يوم، وتحديداً في عيد ميلاد فريدة التاني، والبيت مليان ناس، صحابنا وجيراننا، وهبة واقفه معايا في المطبخ بتساعدني نجهز التورتة والحاجة.. سمعنا جرس الباب بيرن رنة طويلة وتفزع.
كريم كان واقف جنب الباب، فتحه بابتسامة فاكر إن حد من قرايبه وصل.. بس الابتسامة أتمحت من على وشه في ثانية.
كانت واقفة على الباب “نوال”.
بس ما كانتش نوال بتاعة زمان.. الست المفترية اللي عينها مليانة كبر وغرور. كانت خسارة نُص وزنها، لابة عباية قديمة ودبلانة، وعينيها مطفية وراضخة للأرض. وراها كان واقف عم حسين، بيبص لكريم بنظرة كلها ترجي ورجاء.
الناس جوة الصالة سكتت، والصوت اتقطع كأن حد داس على زرار الفاصل.
نوال رفعت عينها بالراحة، وبصت لكريم اللي أتجمد مكانه وأيده اتشنجت على الباب. بلعت ريقها بالعافية، ولأول مرة من يوم ما عرفتها، شفت دموع حقيقية نازلة من عينها من غير تمثيل ولا دراما.
قربت خطوة صغيرة، ونزلت على إيد كريم تبوسها وهي بتشهق بصوت مكسور يوجع القلب: “سامحني يا بني.. سامحني يا كريم، أنا أتنقمت مني الدنيا وعرفت إن ربنا حق. أنا كنت مريضة بالغل والغيرة، والرب أخد مني صحتي وهيبتي عشان أعرف إن الظلم ظلمات.”
كريم شد إيده بسرعة وهو مصدوم ومذهول، وبص لأبوه: “بابا.. في إيه؟”
عم حسين اتنهد بوجع وقال: “أمك تعبانة يا كريم.. الكبد عندها خلاص، والأطباء قالوا مالهاش علاج غير مسكنات. وقبل ما تروح لقضاء ربنا، تحايلت عليا أجيبيها لحد هنا.. مش عشان تدخل البيت ولا تفرض نفسها، عشان بس تسمع منها كلمة ‘سامحتك’.”
الهدوء كان سيد المكان. كل الناس كانت بتبص ونفسها مقطوع.. نوال سابت إيد كريم، ولفت بعينها المليانة كسرة وندم ناحيتي.
قربت مني بخطوات مرتعشة، وقفت قدامي وهي بتبص لفريدة اللي كانت ماسكة في جيبيتي وخايفة. نوال نزلت على ركبتها قدامي على سيراميك الباب، ورفعت إيديها الاتنين وهي بتترجاني: “يا سارة يا بنتي.. أنا عارفة إني ما أستاهلش الشفقة، وعارفة إني عملت فيكي اللي ما يترضاهوش بشر.. بس ربنا يعلم أنا بتعذب كل ليلة إزاي من وجع ضميري. سامحيني عشان أعرف أقابل ربنا ونفسي مرتاحة.. سامحيني يا سارة.”
بصيت لكريم.. لقيته بيطالعني بعيون مليانة حزن ووجع، بس كان سايب القرار كله في إيدي. ما كانش هيضغط عليا، ولا كان هيجبرني أسامح اللي هدّت صحتي ونفسيتي سنين.
بصيت لنوال وهي قاعدة تحت رجلي مكسورة، وافتكرت الصلصة، وافتكرت السباك، وافتكرت كل ليلة نمت فيها وأنا بعيط وبشَك في نفسي.. بس في نفس اللحظة، بصيت لفريدة، وبصيت لكريم، ولقيت إن ربنا يعوضني بأكتر مما أستحق، وإن الغل لما بيسكن القلب بياكل صاحبه قبل أي حد تاني.
أخدت نفس طويل، وقربت من نوال.. مسكتها من دراعها وقومتها من على الأرض.
مسحت دموعها بإيدي وقلت بصوت هادي وراسي: “أنا سامحتك يا نوال هانم.. لوجه الله، وعشان خاطر كريم وعم حسين، وعشان بنتي تبدأ حياتها في بيت مفيش فيه نقطة كره ولا غل لحد.”
نوال شهقت بالبكاء وحضنتني بكل قوتها، وكانت بتدعيلي بدموع نازلة زي المطر. كريم قرب منا، وأخد أمه في حضنه لأول مرة من سنين طويلة، والدموع نزلت من عينه وهو بيطبّطب على ظهرها.
دخلوا قعدوا معانا، وأكلت معانا من تورتة فريدة، واليوم ده ما كانش مجرد عيد ميلاد لبنتي.. ده كان عيد ميلاد لصفحة جديدة مقفولة بالكامل، اتعلمت فيها إن الحق دايمًا بيظهر، وإن التسامح مش ضعف.. التسامح هو القفلة الحقيقية لأي كابوس!
تمت
حكايات انجى الخطيب




