
بصلي شوية، وبعدين قال:
«طيب نعمل إيه؟»
طلعت من شنطتي ظرف صغير كنت مجهزاه قبل ما أخرج من البيت.
حطيته في إيده.
«دي نسخة من الصورة والفيديو، ودي ورقة فيها اسم الفندق ورقم الحجز اللي ظهر في الإشعار على التابلت. بكرة الصبح، هنروح لمحامي مستقل، مش محامي أبوك، وهنعرف حقوقنا إيه بالضبط. مش هنعمل أي حاجة تضرنا، ومش هنهدد حد. كل حاجة هتتم بالقانون.»
بص للظرف، وبعدها بص لي.
«وإنتي؟»
«أنا هواجه أبوك.»
شهق شريف.
«لوحدك؟»
ابتسمت ابتسامة باهتة.
«أنا عشت معاه واحد وتلاتين سنة. أظن من حقي أسمع منه الحقيقة بعينيه.»
هز راسه ببطء، وبعدين وقف.
«أنا مش هسيبك لوحدك يا ماما.»
حضنته، وفضلنا واقفين في صمت، لحد ما بدأ الوجع يتحول لحاجة تانية.
مش انتقام أعمى.
لكن قرار إن محدش فينا هيسمح لمراد وجنا إنهم يتحكموا في مستقبلنا زي ما تحكموا في اللي حصل.
وقبل ما نمشي، شريف وقف قدام قبر جده، وبص للاسم المحفور على الرخام.
«يا جدي، أنا آسف إني ماعرفتش أحمي أمي من الراجل اللي إنت كنت خايف عليها منه.»
مسكت إيده.
«إنت مش مطلوب منك تحميني من كل حاجة يا ابني. إنت بس مطلوب منك ماتخليش الغلط يكسر اللي فاضل مننا.»
خرجنا من المقابر، وكل واحد فينا شايل وجعه بطريقته.
لكننا ماكناش نعرف إن الليلة دي كانت مجرد بداية، وإن مراد نفسه كان عنده سر أكبر بكتير من خيانته.
سر لو اتكشف، مش هيخسر بيه مراته وابنه بس.
ده ممكن يخسر كل حاجة بناها في عمره.
رجعت البيت بعد منتصف الليل.
البيت كان هادي، والخدم مشيوا، والنور في الصالة كان لسه مفتوح. دخلت أوضتي، وخلعت الطرحة، وقعدت قدام المراية.
بصيت لوشي.
ست عندها ستة وخمسين سنة، ظهر في ملامحها تعب السنين، لكن عينيها لسه فيهم قوة.
افتكرت أول يوم دخلت فيه البيت ده عروسة. كنت عندي خمسة وعشرين سنة، وكنت فاكرة إن أكبر مشكلة ممكن تواجهني هي اختلاف الطباع بيني وبين مراد.
ماكانش في بالي إن الراجل اللي كنت بختاره عشان أكمل معاه عمري، ممكن يبقى يومًا هو الشخص اللي هحتاج أحمي نفسي وابني منه.
سمعت صوت مفتاح الباب.
مراد رجع.
سمعت خطواته في الصالة، وبعدها صوته وهو بينادي:
«كريمة؟»
قمت من مكاني، وعدلت هدومي، وخرجت له.
كان داخل مبتسم، وفاكك زرار قميصه الأول، وحاطط مفاتيحه على الترابيزة.
«لسه صاحية؟»
بصيت له بهدوء.
«كنت مستنياك.»
قرب مني، ومد إيده يمسك إيدي.
«مالك؟»
سحبت إيدي برفق.
«عايزة أتكلم معاك.»
ابتسامته اختفت للحظة، لكنه حاول يخفي ده.
«في إيه؟»
مشيت ناحية السفرة، وقعدت.
«اقعد يا مراد.»
فضل واقف شوية، وبعدين قعد قصادي.
بصيت له مباشرة.
«إنت كنت فين النهارده الساعة تمانية؟»
رفع حاجبه.
«في اجتماع.»
«في أنهي مكان؟»
«كريمة، هو تحقيق؟»
«لأ. سؤال عادي من مراتك.»
اتنهد، وسند ضهره للكرسي.
«كنت في الفندق اللي جنب الشركة. عندي مقابلة مع ناس من بره البلد.»
حركت راسي كأني بصدقه.
وبعدين فتحت تليفوني، وحطيت الصورة قدامه.
في أول ثانية، ملامحه اتجمدت.
ما اتكلمش.
ما سألنيش الصورة دي منين.
ما حاولش حتى ينكر إنه هو.
فضل باصص لها، وبعدين رفع عينه لي.
«إنتي كنتي بتراقبيني؟»
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
«ده أول سؤال جه في بالك؟ مش هتسألني أنا شفت إيه؟ مش هتحاول تقنعني إن اللي شايفاه مش حقيقي؟»
مد إيده للتليفون، لكني سحبته.
«الفيديو معايا يا مراد. والصور متحفظة في أكتر من مكان.»
وشه اتغير.
«إنتي فاهمة إنتي بتعملي إيه؟»
«لأ، يا مراد. أنا اللي عايزة أفهم. عايزة أعرف إزاي قدرت تبص في عيني كل يوم، وإنت بتروح تقابل مرات ابنك من ورا ضهره.»
ضرب بإيده على الترابيزة.
«وطي صوتك!»
بصيت له باستغراب.
«إنت خايف حد يسمعنا؟ ولا خايف من الكلام اللي هقوله؟»
قام من مكانه وبدأ يتمشى في الصالة.
«الموضوع مش زي ما إنتي متخيلة.»
«أمال زي إيه؟»
«في تفاصيل إنتي ماتعرفيهاش.»
«قولها.»
سكت.
استنيت.
وبعدين كررت:
«قول يا مراد. أنا قاعدة قدامك، وبسمعك. عندك فرصة تقول الحقيقة بدل ما تفضل تلف وتدور.»
بص ناحية الشباك، وبعدها قال:
«جنا هي اللي قربت مني.»
حسيت ببرودة غريبة تسري في جسمي.
«يعني إيه؟»
«هي اللي كانت بتكلمني، وهي اللي طلبت تقابلني.»
ضحكت بمرارة.
«والإيد اللي على وسطها كانت بتاعة مين؟ إيدي أنا؟»
لف لي بعصبية.
«أنا ماقولتش إني ملاك!»
«وأنا ماطلبتش منك تبقى ملاك. أنا طلبت منك تبقى راجل عند كلمته، وأب لابنه، وجوز لمراته.»
قرب مني.
«كريمة، إحنا كبار، ومش عايز الموضوع يكبر. نقدر نحل الحكاية دي بينا.»
رفعت عيني له.
«إنت فاكر إن الموضوع صور وفيديوهات وبس؟»
سكت.
قلت:
«أنا كلمت شريف.»
اللون انسحب من وشه.
«إيه؟»
«ورّيته كل حاجة.»
فضل واقف مكانه كأنه مش قادر يستوعب.
«إنتي عملتي إيه؟»
«اللي كان لازم أعمله. ابنك من حقه يعرف.»
قرب مني، وصوته بقى أخفض وأخطر.
«إنتي مش فاهمة إنتي دخلتي ابنك في إيه.»
قمت من الكرسي.
«لأ، يا مراد. إنت اللي دخلت ابنك في حاجة عمره ما كان لازم يشوفها. إنت اللي حطيت نفسك في المكان ده، وإنت اللي لازم تتحمل النتيجة.»
فضل باصص لي شوية، وبعدين رجع خطوتين.
ولأول مرة في حياتي، شفت في عينيه خوف مش قادر يخبيه.
مش خوف إنه يخسرني.
ولا خوف إنه يخسر ابنه.
كان خايف من حاجة تانية.
حاجة أنا لسه ماعرفهاش.
تاني يوم الصبح، اتقابلت أنا وشريف في مكتب محامية اسمها نادية، واحدة كنت أعرفها من سنين، وماكانش بينها وبين مراد أي شغل أو مصالح.
سمعتنا للآخر، وشافت الصور والفيديو، وبعدها طلبت مننا نهدى.
قالت لشريف:
«أول حاجة، ماتواجهش مراتك وإنت منفعل. لازم تعرف وضعك القانوني والمالي، وأي مستندات تخص شغلك أو ممتلكاتك تكون معاك بطريقة قانونية. وماتمضيش على أي ورقة جديدة قبل ما تقراها كويس.»
وبعدين بصت لي.
«وبالنسبة لحضرتك، لازم نفصل بين الخيانة وبين أي حقوق مالية أو ممتلكات مشتركة. مش كل حاجة باسم الزوج تبقى بالضرورة من حق الزوجة، ومش كل حاجة اتبنت أثناء الجواز مالهاش حقوق. هنراجع المستندات حسب القانون.»
هزيت راسي.
«أنا مش عايزة أطلع من الجواز بفلوس مراد. أنا عايزة أطلع منه بكرامتي.»
ردت بهدوء:
«وده حقك إنك تسعي له، بس لازم نحمي حقوقك كمان. الكرامة والحقوق مش ضد بعض.»
شريف كان قاعد ساكت، بيبص على إيديه.
بعد شوية، رفع راسه وسألها:
«ولو اكتشفنا إن فيه فلوس أو أملاك باسمي اتنقلت من غير علمي؟»
نادية بصت له باهتمام.
«عندك سبب يخليك تشك في حاجة زي دي؟»
تردد لحظة.
وبعدين طلع تليفونه، وفتح رسالة قديمة وصلته من موظف الحسابات في الشركة قبل الفرح بأسبوعين.
«الرسالة دي كانت بتقول إن فيه أوراق ناقصة بخصوص حصة باسمي في مشروع جديد. وقتها بابا قال لي إنه هيتصرف، وإن الموضوع مجرد إجراءات.»
نادية طلبت منه يوريها الرسالة.
قرتها مرتين، وبعدين قالت:
«لازم نعرف تفاصيل أكتر. عندك نسخة من عقد الشراكة؟»
شريف هز راسه.
«نسخة إلكترونية عندي. بابا قال لي إن الأصل في الإدارة المالية.»
نادية طلبت منه يبعت النسخة على بريده، وبدأت تراجع البنود.
كل ما كانت بتقلب صفحة، ملامحها كانت بتتغير.
بعد حوالي عشرين دقيقة، رفعت راسها.
«شريف، الورقة دي مش عقد ملكية نهائي. دي اتفاقية مبدئية، وفيها شرط بيخلي نقل الحصة مرتبط بموافقة جهة تانية. لازم نشوف باقي المستندات قبل ما نحكم.»
شريف قرب منها.
«يعني إيه؟»
«يعني فيه احتمال إن الوضع اللي إنت فاكره مش هو الوضع الحقيقي. بس مش هقول لك إن فيه تزوير أو سرقة من غير ما نراجع الأصول والتوقيعات وسجل الشركة.»
أنا كنت قاعدة بسمع، وحاسة إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي للمرة التانية في أقل من يوم.
يمكن كمان كان مخبي عنه حاجات تخص مستقبله.
خرجنا من مكتب نادية بعد الظهر، واتفقنا إننا مانعملش أي مواجهة قبل ما نعرف كل التفاصيل.
لكن أول ما ركبت العربية، تليفوني رن.
كان رقم مراد.
بصيت لشريف.



