روايات وقصص

جوزي حكايات صافي هاني

قال لي:

«ردي يا ماما.»

فتحت الخط، وسمعت صوته:

«إنتي فين؟»

«بره.»

«عايزك ترجعي البيت حالًا.»

«ليه؟»

سكت لحظة، وبعدها قال:

«فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما الموضوع يكبر.»

قلبي انقبض.

«إيه هي؟»

قال بصوت منخفض:

«جنا مش هي الشخص الوحيد اللي كان بيخبي عنك الحقيقة.»

وبعدين قفل.

فضلت باصة للتليفون.

شريف سألني:

«قال إيه؟»

حكيت له.

وشه اتغير، لكنه ما اتكلمش.

وبعد لحظات، قال:

«أنا هاجي معاكي.»

لما وصلنا البيت، لقينا مراد قاعد في مكتبه، وقدامه ملف أسود كبير.

كان لابس بدلة كاملة، وكأنه داخل اجتماع مهم، مش قاعد مستني مراته وابنه اللي اكتشفوا خيانته.

رفع عينه لينا.

«اقفلوا الباب.»

شريف دخل الأول، وأنا دخلت وراه.

مراد أشار للكرسيين اللي قدام مكتبه.

«اقعدوا.»

شريف رد بحدة:

«مش جاي أقعد عندك كأن مفيش حاجة حصلت.»

مراد بص له بجمود.

«أنا أبوك.»

شريف قرب من المكتب.

«وأنا ابنك. بس واضح إن الكلمة دي بقت ملهاش معنى عندك.»

مراد شد فكه، لكنه ما ردش.

بدل ما يدخل في جدال، فتح الملف الأسود وطلع منه مجموعة أوراق.

«أنا عارف إنكم شفتوا الصور، وعارف إنكم رحتوا لمحامية.»

بص لي مباشرة.

«إنتي بدأتي تتحركي بسرعة يا كريمة.»

قلت:

«أنا بدأت أحمي نفسي وابني.»

هز راسه ببطء.

«طيب. بما إنكم عايزين الحقيقة، لازم تعرفوا إن اللي حصل بيني وبين جنا مش هو المشكلة الأكبر.»

شريف ضحك بمرارة.

«أيوه طبعًا. الخيانة بالنسبالك مجرد مشكلة صغيرة.»

مراد تجاهل كلامه، وفتح أول ورقة.

«قبل جواز شريف من جنا بشهرين، جالي اتصال من شخص كان شريك قديم ليا. قال لي إن فيه أوراق تخص مشروع كبير، وإن فيه ناس بتحاول تستغل اسم ابني عشان تدخل في ملكية مش من حقها.»

شريف عقد حاجبيه.

«إيه علاقة جنا بالموضوع؟»

مراد سكت لحظة.

وبعدين قال:

«جنا كانت بتشتغل قبل جوازكم مع مكتب محاسبة بيتعامل مع الشركة اللي بنتكلم عنها.»

شريف بص لي، وبعدين رجع بص لأبوه.

«إنت عارف الكلام ده من قبل ما أتجوزها؟»

«عرفته قبل الفرح بفترة قصيرة.»

«وسكت؟»

«كنت بحاول أتأكد.»

شريف ضرب كفه على المكتب.

«كنت بتحاول تتأكد، ولا كنت بتقرب منها؟»

مراد ما ردش.

الصمت اللي حصل كان أقسى من أي اعتراف.

مديت إيدي وخدت الأوراق من قدامه.

كان فيه كشف حساب، وصور لعقود، وخطابات عليها أختام شركات مختلفة.

لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت ورقة فيها اسم شريف، وتحت الاسم توقيع شبه توقيعه.

شريف خطف الورقة من إيدي.

بص للتوقيع، وبعدها هز راسه.

«ده مش توقيعي.»

مراد رفع عينه له.

«متأكد؟»

«طبعًا متأكد! أنا اللي بمضي باسمي من وأنا عندي تمنتاشر سنة.»

نادية كانت محذرانا من إننا نتهم حد قبل مراجعة المستندات، فحاولت أتمالك نفسي.

«الورقة دي جت لك منين يا مراد؟»

«من ملف وصلني من الإدارة المالية.»

«ومين اللي سلّمهولك؟»

تردد لحظة.

«مدير الحسابات.»

شريف قلب الورقة، ولاحظ تاريخها.

«دي معمولة من شهرين ونص.»

رفع عينه لأبوه.

«يعني قبل فرحي بأسبوعين.»

مراد ما ردش.

شريف كمل، وصوته بيترعش من الغضب:

«إنت كنت عارف إن فيه حاجة غلط، ومع ذلك سبتني أتجوزها؟»

مراد قال:

«ماكانش عندي دليل.»

«لكن كان عندك وقت تقابلها في الفندق!»

العبارة نزلت على المكتب زي صفعة.

مراد قام من مكانه.

«خلي بالك من كلامك!»

شريف وقف قصاده.

«إنت اللي خليتني أفقد احترامي ليك، مش أنا اللي ضيعته.»

دخلت بينهم قبل ما الكلام يتحول لخناقة.

«كفاية! إحنا مش هنحل حاجة بالصوت العالي. لو فيه أوراق مزورة، هتتراجع. ولو فيه حقوق اتاخدت من شريف، هترجع بالقانون. أما اللي حصل بينك وبين جنا، فده موضوع تاني مش هيتغطى بأي ملف.»

مراد بص لي طويلًا.

وبعدين قال:

«إنتي لسه مش فاهمة يا كريمة. جنا ماجتش حياتنا بالصدفة.»

شريف اتجمد.

«تقصد إيه؟»

مراد فتح الملف مرة تانية، وطلع صورة قديمة لامرأة واقفة قدام مبنى إداري، وفي إيدها ملف.

حط الصورة على المكتب.

«دي والدة جنا.»

بصيت للصورة.

ماكنتش أعرف الست دي، لكن كان فيه حاجة في ملامحها خلتني أحس إن فيه قصة قديمة ورا الموضوع.

مراد كمل:

«من أكتر من عشرين سنة، حصل خلاف مالي بيني وبين شريك قديم. الخلاف انتهى من الناحية القانونية، لكن فيه مستندات اختفت، وكل واحد فينا كان بيتهم التاني إنه مخبيها.»

شريف سأله:

«وشريكتك القديمة دي كانت أم جنا؟»

«كانت موظفة في الشركة وقتها، مش شريكتي. لكنها كانت مسؤولة عن حفظ بعض الملفات.»

سكت لحظة، وبعدين أضاف:

«وبعد سنين، ظهرت جنا في حياتنا.»

قلت له:

«إنت بتقول إنك شكيت فيها بسبب شغل أمها؟»

رد:

«في البداية، أيوه.»

«وبعدين؟»

بص ناحية الشباك.

«وبعدين الأمور اتعقدت.»

شريف رجع قعد، وحط إيده على وشه.

«يعني إنت كنت شاكك فيها، وفي نفس الوقت خنتني معاها؟»

مراد بص له، وماقدرش يرد.

كنت واقفة قدام الراجل اللي عشت معاه عمري، وبحاول أفهم إزاي الإنسان ممكن يجمع بين كل التناقضات دي. إزاي يبقى خايف على ابنه من خطر محتمل، وفي نفس الوقت يبقى هو بنفسه سبب الوجع اللي كسر ابنه.

قلت له:

«أنا مش عايزة أسمع منك أي كلام تاني قبل ما كل حاجة تتراجع. الملف ده هيتاخد لمحاميتنا، وكل ورقة هتتأكد منها جهة مستقلة.»

مراد مد إيده ناحية الملف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى