
«الأوراق دي تخص الشركة.»
سحبت الملف من قدامه.
«واللي فيها اسم ابني، من حقه يعرفه.»
شريف وقف جنبي.
«من النهارده، أي حاجة تخصني هتكون من خلال المحامية. وأي تواصل بيني وبينك هيبقى بخصوص الشغل الضروري بس، لحد ما أعرف الحقيقة.»
مراد بص لابنه، ولأول مرة بان عليه إنه مش عارف يقول إيه.
خرجنا من المكتب، لكن قبل ما أوصل للباب، سمعته بيناديني:
«كريمة.»
وقفت من غير ما ألف.
قال بصوت خافت:
«إنتي لو عرفتي كل اللي حصل، ممكن تندمي إنك فتحتي الموضوع ده.»
لفيت له ببطء.
«الندم الحقيقي إني فضلت واحد وتلاتين سنة أدافع عن راجل كان بيخبي عني الحقيقة. إنما معرفتها مش هتكون غلطة.»
وخرجت.
الأيام اللي بعدها كانت من أصعب أيام حياتي.
شريف بقى يقضي أغلب وقته في شقته، ومابقاش يرد على مكالمات جنا إلا لو فيه حاجة ضرورية. وهي من ناحيتها كانت بتحاول توصله بكل الطرق.
في الأول، بعتت له رسائل طويلة، بتقول فيها إنها بتحبه وإن اللي حصل كان غلطة، وإنه لازم يسمع منها قبل ما يحكم عليها.
وبعدين بدأت تتصل بيا أنا.
في أول مكالمة، ما رديتش.
في التانية، بعتت رسالة:
«طنط كريمة، أرجوكي ماتحكميش عليا من غير ما تسمعيني. أنا عارفة إن اللي حصل صعب، بس فيه حاجات إنتي ماتعرفيهاش.»
قريت الرسالة، وما رديتش.
بعد ساعة، بعتت رسالة تانية:
«أنا مش عايزة أخسر شريف.»
ساعتها، رديت عليها بكلمتين:
«كان لازم تفكري في ده قبل ما تخسري ثقته.»
ماعدتش بعتت بعدها.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب.
نادية كلمتنا، وقالت إنها تواصلت مع محاسب قانوني مستقل لمراجعة المستندات، وإن فيه بعض العمليات المالية محتاجة تفسير، لكن مفيش دليل نهائي على جريمة أو تزوير لحد اللحظة دي.
طلبت من شريف ما يواجهش أي موظف في الشركة، وما يحاولش ياخد مستندات من غير إذن.
وافق.
وفي نفس الوقت، بدأت أنا أراجع أوراق البيت والحسابات المشتركة بيني وبين مراد. كنت طول عمري بسيب له إدارة الفلوس والاستثمارات، لأني كنت واثقة فيه، لكن نادية قالت لي إن الثقة مش بديل عن المعرفة، وإن من حقي أفهم الوضع المالي اللي يخصني.
ولما بدأت أراجع الأوراق، اكتشفت إن فيه حساب مشترك اتغيرت صلاحيات التعامل عليه من حوالي ستة شهور.
اتصلت بالبنك من خلال القنوات الرسمية، وطلبت نسخة من المستندات اللي تخصني، وبعدها سلمتها لنادية.
ماكانش فيه حاجة تثبت إن مراد سرق فلوسي، لكن التغيير حصل في وقت كان فيه بيجهز أمور مالية كبيرة من غير ما يقول لي.
وده وحده كان كفاية يخليني أفهم إني لازم أوقف الاعتماد الأعمى عليه.
في اليوم السادس، شريف اتصل بيا.
«ماما، جنا عايزة تقابلني.»
سكت لحظة.
«وإنت عايز تقابلها؟»
«مش عارف. جزء مني عايز يسمعها، وجزء تاني خايف أسمع حاجة تخليني أكره نفسي إني حبيتها.»
قلت له:
«لو قررت تقابلها، يبقى في مكان عام، ولفترة محددة، ومن غير أي ضغط عليك إنك تسامحها. اسمع لو إنت عايز تسمع، مش عشان هي عايزة تبرر.»
وافق.
واتفقوا يتقابلوا في كافيه هادي قريب من بيتنا.
في اليوم المحدد، شريف لبس قميص بسيط، وقعد قدام المراية فترة طويلة، كأنه بيحاول يرجع الشخص اللي كان عليه قبل ما يعرف الحقيقة.
قبل ما يخرج، بص لي وقال:
«ماما، إنتي فاكرة إن الواحد ممكن يحب حد ويكتشف إنه مايعرفوش أصلًا؟»
قربت منه وعدلت ياقة قميصه.
«أيوه يا حبيبي. وده مش معناه إن حبك كان كدب. معناه إنك كنت صادق، لكن الشخص التاني ماكانش صادق معاك.»
هز راسه، وخرج.
رجع بعد ساعتين.
كان وشه مرهق، لكنه هادي.
قعد في الصالة، وطلب مني أقعد جنبه.
«جنا اعترفت إنها قابلت بابا أكتر من مرة.»
حسيت بوجع في صدري، لكني سكت.
كمل:
«قالت إنها كانت بتروح له في البداية عشان تسأله عن موضوع شغل قديم يخص أمها، وإنها كانت عايزة تعرف إذا كان عنده أوراق ممكن تساعدها تفهم اللي حصل زمان. وبعدين قالت إن الكلام بينهما اتغير، وإنها غلطت لما سمحت للعلاقة دي تكمل.»
سألته:
«صدقتها؟»
فكر شوية.
«صدقت إنها كانت بتخبي عني. لكن مش عارف إذا كانت حكت كل الحقيقة.»
«وقالت لك إيه عن الجواز؟»
بص للأرض.
«قالت إنها كانت بتحبني، وإنها ماكنتش متوقعة إنها توصل لكده.»
مسح وشه.
«أنا مش قادر أستوعب إن الإنسان ممكن يقول لحد إنه بيحبه، وفي نفس الوقت يعمل فيه كده.»
مسكت إيده.
«المشاعر لوحدها مش كفاية يا شريف. الحب من غير أمان واحترام بيبقى كلام مالوش قيمة وقت الجد.»
سكت طويلًا، وبعدين قال:
«أنا طلبت منها ما تتصلش بيا لحد ما المحامية تراجع كل حاجة. وقلت لها إن موضوع الجواز هيتحسم بهدوء، بعيد عن ضغط أهلنا.»
هزيت راسي.
«ده قرارك، وأنا هقف جنبك فيه.»
لكن شريف كان لسه عنده سؤال.
«ماما، إنتي هتعملي إيه مع بابا؟»
بصيت ناحية صورة زفافنا القديمة اللي كانت معلقة في الصالة.
الصورة اللي كنت فيها بضحك من قلبي، ومراد واقف جنبي، حاطط إيده على كتفي، وكأنه عمره ما هيسيبني.
قلت:
«أنا كمان لسه بحسم قراري.»
بعد أسبوع، وصلت لنا رسالة من نادية.
كانت المستندات الأولية خلصت مراجعتها، وفيه اجتماع لازم نحضره مع محاسب الشركة ومحاميها، عشان نعرف مصدر الأوراق اللي عليها توقيع شريف.
دخلت الاجتماع وأنا متوقعة إننا هنكتشف خلاف مالي عادي، أو خطأ إداري محتاج يتصلح.
لكن من أول عشر دقايق، فهمت إن الموضوع أكبر من كده.
المحاسب فتح ملف إلكتروني، وعرض سلسلة من التحويلات المالية بين شركتين تابعتين لمجموعة مراد.
التحويلات كانت قانونية في ظاهرها، لكن بعضها اتسجل تحت بند مصروفات تشغيلية، بينما المستندات الداعمة ليها ناقصة.
نادية سألت:
«مين وافق على العمليات دي؟»
المحاسب رد:
«الموافقات الأساسية كانت من الإدارة العليا، لكن فيه عمليات اتسجلت باستخدام بيانات تفويض باسم الأستاذ شريف.»
شريف اعتدل في كرسيه.
«أنا ما اديتش تفويض لأي حد.»
المحاسب هز راسه.
«عشان كده إحنا بنراجع الأصول. لحد دلوقتي، ما نقدرش نحدد مين استخدم البيانات، ولا إذا كانت الموافقات صحيحة أو لا.»
نادية أكدت إنهم محتاجين مراجعة مستقلة كاملة، وإن أي شك في صحة التوقيعات لازم يتعامل معاه من خلال الإجراءات الرسمية.
بعد الاجتماع، شريف كان ساكت طول الطريق.
ولما وصلنا البيت، قال لي:
«ماما، أنا مش عارف إذا كان بابا بيحميني ولا بيستخدم اسمي.»
حطيت إيدي على كتفه.
«هنعرف الحقيقة، بس مش هنحكم من غير دليل.»
«ولو طلع هو اللي عمل كده؟»
بصيت له، وقلت بصعوبة:
«ساعتها هتكون الحقيقة موجعة، لكن على الأقل مش هنفضل عايشين في وهم.»
في نفس الليلة، مراد طلب يقابلني لوحدنا.
دخلت مكتبه، ولقيته قاعد من غير جاكيت، وقدامه كوب قهوة بارد.
قال:
«أنا عارف إنكم راجعتوا الحسابات.»
«أيوه.»
«وفيه حاجات شكلها غلط، لكن ده مش معناه إني سرقت أو زورت حاجة.»
«أنا ما اتهمتكش بحاجة. أنا بس بطلب إن كل حاجة تتراجع.»
هز راسه.
«أنا بنيت الشركة دي على مدار سنين. فيه قرارات اتاخدت بسرعة، وفيه معاملات ورقية اتعملت بالطريقة اللي كانت متبعة وقتها. لكن عمري ما كنت محتاج أسرق من ابني.»
بصيت له طويلًا.
مراد سند ضهره للكرسي.
«أنا غلطت في حقك.»
كانت أول مرة أسمع منه اعتراف واضح من ساعة ما واجهته.
لكن الاعتراف جه متأخر.
قلت:
«غلطت في حقي، وحق شريف، وحق البيت اللي فضلت أعتبره أمان طول عمري.»
قال:
«أنا مش طالب منك تسامحيني دلوقتي.»
«كويس.»
بص لي باستغراب.
كملت:
«لأن السماح مش زرار بندوس عليه عشان نريح اللي غلط. أنا محتاجة وقت، ومحتاجة أشوف أفعال، ومحتاجة أعرف إذا كان فيه أي حاجة تانية مستخبية.»
سكت شوية.
وبعدين قال:
«فيه حاجة لازم أقولها لك.»
حسيت إن قلبي اتقبض.
«إيه؟»
فتح درج مكتبه، وطلع ظرف قديم لونه أصفر.
حطه قدامي.
«ده خطاب من والد جنا، كان وصلني من سنين.»
استغربت.
«والدها؟»
«أيوه. قبل ما يموت بفترة، بعت لي الخطاب ده. كان فيه كلام عن مستندات قديمة تخص الشركة، وعن خلاف حصل بيني وبين شريك سابق.»
فتحت الظرف بحذر، وطلعت الخطاب.
الخط كان باهت، لكن الكلام كان واضح.
الراجل كان بيقول إنه اكتشف وقتها إن بعض الملفات اختفت من الأرشيف، وإنه خايف إن اختفاءها يظلم ناس مالهاش ذنب. وطلب من مراد إنه يحتفظ بنسخة من الخطاب لحد ما تظهر الحقيقة.
رفعت عيني.
«وإنت مخبي الخطاب ده ليه؟»
مراد اتنهد.
«لأني كنت فاكر إن الموضوع انتهى، وإن فتحه من جديد ممكن يضر ناس كتير.»
«ولا لأنك كنت خايف الحقيقة تطلع؟»
ما ردش.
رجعت الخطاب للظرف.
«ده هيتراجع مع باقي الأوراق.»
مراد قرب بجسمه للأمام.
«كريمة، أنا عارف إنك مش هتصدقي كلامي دلوقتي، لكن فيه حاجة لازم تفهميها. جنا ما دخلتش حياتنا من فراغ. هي كانت بتدور على إجابة تخص أبوها، وشريف كان بالنسبة لها طريق تدخل منه لعيلتنا.»
حسيت بغضب شديد.
«وإنت بتقول لي ده دلوقتي ليه؟ عشان تحط كل الذنب عليها وتطلع نفسك ضحية؟»
«لأ.»
«أمال إيه؟»
بص لي مباشرة.
«عشان أقول لك إن اللي حصل بيني وبينها كان غلطة مني، لكن فيه جزء من القصة أكبر من العلاقة دي، ولازم نعرفه.»
وقفت.
«يبقى نعرفه بالقانون وبالمستندات، مش بالحكايات اللي كل واحد بيحكيها على مزاجه.»
خرجت من المكتب وأنا حاسة إن كل إجابة بتفتح عشرة أسئلة.
لكن المرة دي، ماكنتش هسمح للخوف يوقفني.




