
في اليوم التالي، نادية اتصلت بيا وطلبت أقابلها.
لما وصلت مكتبها، لقيت شريف قاعد، وقدامه ملفين، وعلى وشه ملامح صدمة.
نادية قالت:
«وصلنا لنتيجة أولية بخصوص المستندات. فيه اختلافات فعلًا بين النسخ اللي في ملف الشركة والنسخ اللي عند الأستاذ شريف، لكننا لسه محتاجين فحص فني للتوقيعات ومراجعة سجل التعديلات.»
شريف سألها:
«يعني فيه حد غيّر الأوراق؟»
ردت:
«فيه اختلافات محتاجة تفسير، لكن ما ينفعش نجزم دلوقتي إذا كانت أخطاء إدارية أو تغييرات متعمدة. الأهم إننا طلبنا حفظ السجلات الأصلية، وعدم إجراء أي تعديلات إضافية عليها.»
وبعدين طلعت ورقة تانية.
«فيه كمان خطاب قديم وصل للإدارة القانونية من سنين، بخصوص خلاف بين مراد وشريك سابق. الخطاب ده اتقفل ملفه من غير ما كل المستندات المطلوبة تترفق بيه.»
شريف بص لها.
«ومين اللي قفل الملف؟»
نادية بصت في الورقة.
«التوقيع الموجود عليه باسم والدك.»
فضل شريف ساكت.
ماكانش عايز يصدق إن أبوه ممكن يكون أخفى الحقيقة، لكنه في نفس الوقت ماكانش عايز يتهمه ظلم.
قلت:
«هنطلب كل المستندات، وهنسيب الجهات المختصة تحدد المسؤولية.»
نادية وافقت.
وبعدها قالت إن جنا طلبت تقابلها، وإنها مستعدة تقدم أي مستندات عندها تخص والدها، بشرط إن الموضوع يتعامل معاه بشكل قانوني.
شريف رفض في البداية.
«أنا مش عايز أشوفها.»
لكن بعد شوية تفكير، قال:
«خليها تبعت المستندات للمحامية. مش لازم أشوفها.»
وافقنا.
وبعد يومين، وصل ظرف من جنا.
كان جواه صور لخطابات قديمة، وكشوف استلام وتسليم ملفات، وصورة من خطاب والدها اللي كان مراد محتفظ بيه.
لكن كان فيه ورقة مختلفة عن كل الأوراق التانية.
ورقة مكتوب فيها بخط اليد:
«لو وصلتم للمستندات دي، يبقى لازم تعرفوا إن الشخص اللي أخفى الملف الأصلي مش بالضرورة هو الشخص اللي استفاد منه.»
نادية قرت الجملة أكتر من مرة.
شريف قال:
«مين كتب الكلام ده؟»
كان تحت الجملة توقيع غير واضح.
ماكانش توقيع والد جنا.
وماكانش توقيع مراد.
نادية طلبت مننا ما نستنتجش أي حاجة قبل فحص الخط، وبدأت تجهز طلبات رسمية للحصول على بقية السجلات.
أما أنا، فكنت بفكر في جملة واحدة:
مين الشخص اللي استفاد من اختفاء الملف؟
بعد أيام من الانتظار، وصلنا اتصال من المحاسب القانوني.
قال إن فيه مستندات إضافية ظهرت في أرشيف إلكتروني قديم، وإنه محتاج حضور شريف ونادية لمراجعتها.
أنا أصريت أروح معاهم.
لما وصلنا، عرض المحاسب سلسلة من المستندات اللي بتوضح إن المشروع اللي شريف كان فاكر إنه شريك فيه، اتغيرت بعض بنوده قبل الفرح بأسابيع.
التغييرات دي أثرت على نسبة ملكيته المحتملة، لكن ماكانش فيه ما يثبت إن أي حصة اتنقلت بشكل نهائي باسمه أو من غير علمه.
نادية قالت:
«إحنا محتاجين نعرف مين طلب التعديلات، ومين اعتمدها، وهل شريف كان على علم بيها ولا لأ.»
المحاسب رد:
«الطلبات اتسجلت من حساب إداري داخلي، لكن اسم المستخدم وحده مش كفاية لتحديد الشخص اللي استخدمه. هنحتاج سجلات الدخول الكاملة.»
شريف كان بيبص للشاشة بذهول.
«يعني ممكن أي حد يكون استخدم الحساب؟»
«ممكن، لكن لازم نتأكد من السجلات.»
نادية طلبت حفظ كل البيانات، وبعدها خرجنا.
في العربية، شريف قال:
«أنا كنت فاكر إن أكبر مشكلة في حياتي هي إني اتجوزت واحدة . دلوقتي حاسس إن كل حاجة حواليا محتاجة مراجعة.»
قلت له:
«مش كل الناس كدابة يا شريف. لكن من حقك تسأل وتتحقق، خصوصًا لما الثقة اتكسرت بالشكل ده.»
بص من الشباك.
«أنا مش عارف هقدر أرجع أثق في حد إمتى.»
قلت له:
«مش مطلوب منك تستعجل. خليك صادق مع نفسك، وخد وقتك.»
رجعنا البيت، وكنت فاكرة إن اليوم انتهى.
لكن أول ما دخلت، لقيت مراد واقف في الصالة، مستنينا.
كان وشه متوتر.
قال لشريف:
«عايز أتكلم معاك.»
شريف رد ببرود:
«لو بخصوص الأوراق، كلم المحامية.»
«لأ، بخصوص جنا.»
شريف اتجمد.
مراد كمل:
«هي باعتت لي رسالة من يومين، وقالت إنها مستعدة تعترف بكل حاجة حصلت بينها وبيني.»
شريف ضحك بمرارة.
«بعد ما اتكشفت؟»
«هي قالت إن عندها معلومات عن الملف القديم.»
شريف قرب خطوة.
«إنت لسه بتتكلم معاها؟»
مراد ما ردش بسرعة.
والصمت كان كفاية.
شريف هز راسه، وبعدين قال:
«أنا مش مصدق إنك لسه مش فاهم. الموضوع مش بس إنك خنتني. إنت لسه بتخبي، ولسه بتقرر مين يعرف إيه، ولسه فاكر إنك تقدر تتحكم في كل حاجة.»
مراد قال:
«أنا بحاول أحل المشكلة.»
شريف رد:
«لأ. إنت بتحاول تتحكم في نهايتها.»
وبعدين بص لي.
«ماما، أنا طالع شقتي.»
مشيت معاه لحد الباب.
قبل ما يخرج، حضنني وقال:
«أنا هبقى كويس، بس محتاج أبعد شوية.»
بست راسه.
«خد وقتك يا حبيبي.»
خرج، وأنا رجعت لمراد.
قلت له:
«إنت لازم توقف أي تواصل غير ضروري مع جنا، وكل المعلومات اللي تخص الملف تتسلم للمحامية.»
مراد رد:
«أنا مش هسمح إن الشركة كلها تقع بسبب موضوع شخصي.»
قلت له:
«لو الشركة سليمة، المراجعة مش هتوقعها. ولو فيه مخالفات، فإخفاؤها مش هيصلحها.»
بص لي طويلًا، وبعدها قال:
«إنتي اتغيرتي يا كريمة.»
هزيت راسي.
«لأ. أنا بس بطلت أخاف من زعلك أكتر من خوفي على نفسي.»
مرت أسابيع، وبدأت الحقيقة تظهر حتة حتة.
المراجعة أثبتت إن بعض التعديلات الإدارية اتعملت فعلًا من غير اكتمال المستندات المطلوبة، لكن تحديد المسؤولية احتاج فحصًا إضافيًا. والملف القديم كان فيه نواقص في سجلات التسليم، ما خلاش حد يقدر يجزم إن مراد هو اللي أخفاه أو إن جنا كانت بتخطط من البداية لاستغلال شريف.
أما العلاقة نفسها، فكانت حقيقتها واضحة من الصور والرسائل اللي اتجمعت.
شريف بدأ إجراءات الانفصال عن جنا عن طريق المحامية، من غير تشهير ولا فضايح، وقرر إن أي حقوق مالية أو خلافات تخص الجواز تتحسم بالطريق القانوني.
وجنا قدمت المستندات اللي عندها، ووافقت تجاوب عن الأسئلة المتعلقة بوالدها والملف القديم، لكنها ماقدرتش ترجع الثقة اللي ضيعتها.
في يوم، بعتت لي رسالة أخيرة.
«طنط كريمة، أنا عارفة إن الاعتذار مش هيصلح اللي عملته. أنا مش بطلب منك تسامحيني، بس حبيت أقول لك إني غلطت، وإن شريف ماكانش يستحق اللي حصل.»
قريت الرسالة، وقعدت أفكر شوية.
وبعدين رديت:
«ربنا يهديكي ويصلح حالك. لكن شريف من حقه يختار الطريق اللي يريحه، ومش من حق أي حد يضغط عليه عشان يسامح.»
قفلت التليفون.
ماحسيتش بالانتصار.
حسيت بس إن كل واحد بدأ يتحمل نتيجة قراراته.
أما مراد، فكان بيتغير قدامي بطريقة مختلفة. بقى يقضي وقت أطول في مكتبه، وبدأ يبعد عن بعض الاجتماعات، وطلب من الإدارة مراجعة الإجراءات الداخلية بالكامل.
لكن بالنسبة لي، كل ده ماكانش كفاية عشان أرجع أثق فيه.
في مساء هادي، دخل أوضتي، ولقى شنطة صغيرة على السرير.
بص لها، وبعدين بص لي.
«إنتي رايحة فين؟»
قلت:
«حجزت شقة صغيرة أقعد فيها فترة.»
وشه اتغير.
«يعني إيه؟»
«يعني أنا محتاجة أعيش بعيد عن الضغط ده، وأفكر في حياتي من غير ما كل يوم أصحى ألاقي نفسي في نفس المكان اللي اكتشفت فيه الخيانة.»
قرب مني.
«كريمة، إحنا عشنا واحد وتلاتين سنة مع بعض.»
«عارفة.»
«مش سهل ترمي كل ده.»
بصيت له.
«أنا مش برميه يا مراد. أنا بحاول أفهم إذا كان فيه حاجة من اللي عشناها لسه تستحق إني أتمسك بيها.»
سكت.
وبعدين قال:
«أنا بحبك.»
الجملة اللي كنت زمان مستعدة أعمل أي حاجة عشان أسمعها، ماحركتش جوايا غير وجع قديم.
قلت:



