روايات وقصص

جوزي حكايات صافي هاني

«يمكن بتحبني بطريقتك، لكن الحب اللي يخليني أعيش طول عمري وأنا مش عارفة الحقيقة، مش الحب اللي أقدر أكمل معاه.»

نزل عينه للأرض.

«هتسيبيني؟»

أخدت نفس طويل.

«أنا هسيب لنفسي فرصة أعيش من غير خوف. أما مستقبل جوازنا، فده هيتحدد بعد ما أفكر كويس وأعرف أنا عايزة إيه.»

ماحاولش يمنعني.

يمكن لأنه فهم إن المرة دي، القرار مش في إيده.

خرجت من البيت ومعايا شنطتي، وصورة قديمة لأبويا كنت محتفظة بيها في درج أوضتي.

قبل ما أقفل الباب، بصيت للبيت مرة أخيرة.

ماحسيتش إني خرجت مهزومة.

حسيت إني أخيرًا بطلت أحارب عشان أحافظ على شكل عيلة، وبدأت أحارب عشان أحافظ على نفسي.

بعد شهر، اتقابلت أنا وشريف في شقتي الجديدة.

كان جايب معاه علبة حلوى من المحل اللي كنت بحبه، وقعدنا نشرب الشاي ونتكلم عن حاجات عادية لأول مرة من فترة طويلة.

حكالي عن شغله، وعن إنه بدأ يخرج مع أصحابه، وإنه رجع يتمرن الصبح زي زمان.

وبعدين سكت شوية.

«ماما، أنا قابلت بابا الأسبوع اللي فات.»

بصيت له.

«وعملتوا إيه؟»

«اتكلمنا عن الشركة. قال لي إنه مستعد يسلمني كل المستندات اللي تخص المشروع، وإنه مش هيضغط عليا أرجع أشتغل معاه.»

«وإنت رديت عليه بإيه؟»

«قلت له إن علاقتنا كأب وابن حاجة، والشغل حاجة تانية، وإن كل واحدة فيهم محتاجة وقت عشان تتصلح.»

ابتسمت له.

«كلام عاقل.»

هز راسه.

«أنا لسه زعلان منه. ومش عارف إذا كنت هقدر أسامحه ولا لأ. بس مش عايز أفضل طول عمري عايش في الغضب.»

مسكت إيده.

«وده أحسن قرار ممكن تاخده لنفسك.»

بص لي وقال:

«وإنتي؟»

فهمت قصده.

«أنا لسه بفكر.»

«في الطلاق؟»

هزيت راسي.

«في حياتي كلها. أنا مش عايزة آخد قرار لمجرد إني مجروحة، ولا عايزة أرجع لمجرد إني خايفة من الوحدة. لما أقرر، هكون عارفة إني اخترت لنفسي، مش هربت من حاجة.»

شريف ابتسم لأول مرة من قلبه من ساعة الليلة دي.

«أنا فخور بيكي يا ماما.»

دموعي نزلت من غير ما أحس.

حضنته، وفضلنا قاعدين شوية في هدوء.

وبعد ما مشي، وقفت في البلكونة وبصيت للشارع.

كنت فاكرة إن أكبر عقاب ممكن يحصل لمراد هو إنه يخسر نفوذه أو فلوسه، لكني اكتشفت إن فيه حاجة أصعب من كل ده.

إن الإنسان يفضل عايش وسط الناس اللي كان بيعتبرهم ملكه، ويكتشف إنهم بقوا قادرين يكملوا حياتهم من غيره.

بعد شهرين، خلصت المراجعة المستقلة جزءًا كبيرًا من شغلها، واتضح إن بعض الإجراءات الإدارية اتعملت بشكل مخالف للسياسات الداخلية، لكن ماكانش فيه دليل قاطع يثبت كل الشكوك اللي ظهرت في البداية. واتوصى بتصحيح السجلات، ومراجعة الصلاحيات، وفصل الموافقات المالية عن بعضها، بحيث مايبقاش شخص واحد قادر يتحكم في كل حاجة.

أما الخلاف القديم، فتم تحويله لمراجعة قانونية مستقلة عشان تتحدد مسؤولية كل طرف بناءً على الأدلة، مش على الكلام.

شريف استلم نسخة كاملة من الأوراق اللي تخصه، وقرر يبعد عن إدارة المشروع لحد ما كل حاجة تستقر.

وجنا بدأت حياتها من جديد بعيد عن شريف، من غير ما ترجع تحاول تقرب منه.

أما أنا، فكنت كل يوم بتعلم حاجة جديدة عن نفسي.

تعلمت أروح مشاويري لوحدي، وأقضي وقت مع صديقاتي، وأرجع أقرأ الكتب اللي كنت بشتريها وأسيبها على الرف. بقيت أخرج أتمشى الصبح، وأقعد في البلكونة بالليل من غير ما أستنى صوت مفتاح الباب.

وفي يوم، مراد اتصل بيا وطلب يقابلني.

وافقت، لكن اخترت كافيه هادي في مكان عام.

لما وصل، كان باين عليه التعب. شعره زاد فيه الأبيض، وملامحه بقت أكثر هدوءًا.

قعد قدامي وقال:

«إنتي شكلك مرتاحة.»

قلت:

«الحمد لله.»

سكت شوية، وبعدين قال:

«أنا بدأت أروح لمستشار أسري.»

استغربت.

«ليه؟»

«عشان أفهم إزاي وصلت لكل ده. وإزاي قدرت أعمل فيكم كده، وأنا طول عمري بقول لنفسي إن العيلة أهم حاجة عندي.»

ماعلقتش.

كمل:

«مش هقول لك إن ده يغير اللي حصل، ولا إني بقيت شخص تاني في يوم وليلة. أنا بس بدأت أفهم إن طول السنين اللي فاتت كنت فاكر إن السيطرة معناها إن كل حاجة تفضل ماشية زي ما أنا عايز. حتى لما كنت بغلط، كنت بفكر إزاي أخبي الغلط بدل ما أصلحه.»

بص لي.

«أنا آسف يا كريمة.»

المرة دي، ماحاولتش أجادله، ولا أطلب منه تفاصيل، ولا أقول له إن كل حاجة انتهت.

قلت بس:

«أنا سمعت اعتذارك يا مراد.»

اتنهد.

«يعني فيه أمل؟»

بصيت له طويلًا.

«الأمل مش معناه إننا لازم نرجع زي الأول. ممكن يكون الأمل إنك تتغير فعلًا، وإن أنا أقدر أعيش بسلام، وإن شريف يقدر يتعافى من اللي حصل. أما جوازنا، فده قرار لسه محتاج وقت.»

هز راسه ببطء.

«هحترم قرارك.»

ولأول مرة، صدقته في حاجة واحدة على الأقل: إنه فهم إن قراري مش ملكه.

خلصنا القهوة، وكل واحد فينا مشي في طريقه.

رجعت شقتي، وفتحت الشباك، ودخل هوا بارد خفيف.

على الترابيزة كانت صورة أبويا.

قعدت قدامها وقلت:

«كنت صح يا بابا. بس أنا مش ندمانة إني حبيته. أنا ندمانة إني نسيت أسمع نفسي وأنا بدافع عنه.»

ابتسمت وسط دموعي.

وبعدين قمت، وحطيت الصورة في إطار جديد، جنب صورة ليا أنا وشريف يوم تخرجه.

ماحطتش صورة مراد جنبهم.

مش عشان أكرهه.

لكن عشان أفهم إن حياتي مش لازم تفضل متعلقة بصورة قديمة، ولا بوعد اتكسر، ولا بخوف من بكرة.

بعد فترة، شريف بدأ يستقر من جديد، وبقى يزورني كل أسبوع. كنا ساعات نتكلم عن اللي حصل، وساعات نتجنب الكلام عنه، لحد ما بقى مجرد فصل مؤلم في حياتنا، مش الحكاية كلها.

أما مراد، ففضل يحاول يصلح علاقته بابنه، لكن شريف حط حدود واضحة، وماسمحش لأي اعتذار إنه يمسح اللي حصل من غير تغيير حقيقي.

وفي يوم عيد ميلادي، لقيت شريف داخل عليا ومعاه تورتة صغيرة، ووردة بيضا.

قال لي:

«كل سنة وإنتي طيبة يا أحلى أم في الدنيا.»

ضحكت ودموعي نزلت.

«ربنا يخليك ليا يا حبيب

ي.»

قعدنا نحتفل سوا، وبعد ما طفى الشموع، شريف بص لي وقال:

«عارفة يا ماما، الليلة اللي خلتنا نعرف الحقيقة كانت أصعب ليلة في حياتي. بس يمكن كانت أول ليلة نبدأ فيها نعيش من غير كدب.»

حضنته وقلت:

«الحقيقة بتوجع يا شريف، بس الكدب بيخلينا نعيش عمرنا كله خايفين من لحظة اكتشافها.»

وبعدها بصيت من الشباك للشارع، وافتكرت نفسي وأنا قاعدة في العربية قدام الفندق، مش قادرة أصدق اللي شايفاه.

ماكنتش أعرف وقتها إن حياتي كلها هتتغير، وإن الخيانة اللي كنت فاكرة إنها هتنهي عيلتي، هتجبرني أواجه نفسي لأول مرة من سنين طويلة.

لكن فيه حاجة واحدة اتعلمتها، ومش هانساها أبدًا.

مش كل بيت واقف يبقى بيت سليم، ومش كل عيلة بتضحك قدام الناس تبقى سعيدة، ومش كل راجل عنده نفوذ يقدر يشتري احترام اللي خسر ثقته.

وأنا، كريمة، بعد واحد وتلاتين سنة جواز، فهمت إن الكرامة مش إنك تستحملي كل حاجة عشان تحافظي على بيتك.

الكرامة إنك تعرفي إمتى تحاولي تصلحي، وإمتى توقفي، وإمتى تختاري نفسك من غير ما تظلمي حد.

أما مراد، ففضل اسمه كبير عند ناس كتير، وفضلت شركاته موجودة، وفلوسه زي ما هي.

لكن بالنسبة لي، الراجل اللي كنت فاكرة إني أعرفه أكتر من نفسي، بقى إنسان محتاج يثبت بأفعاله إنه يستحق أي فرصة جديدة.

وأنا ماعدتش مستنية منه حاجة.

لأن اللي رجع لي في النهاية ماكانش جوزي، ولا بيتي القديم، ولا السنين اللي ضاعت.

اللي رجع لي كان صوتي.

وقدرتي إني أقول «لأ» من غير خوف.

وحبي لنفسي ولابني، اللي فضل موجود حتى في أصعب ليلة عدت علينا.

وفي آخر زيارة ليا لقبر أبويا، وقفت قدامه وقلت:

«أنا سامحت نفسي يا بابا. سامحتها عشان حبت، وعشان وثقت، وعشان كانت بتتمنى الخير. لكن المرة دي، مش هاسمح لأي حد يخليني أتنازل عن نفسي باسم الحب.»

حطيت وردة بيضا على القبر، ومشيت بخطوات هادية.

ولأول مرة من سنين، ماكنتش رايحة لحد، ولا مستنية حد، ولا خايفة من اللي ممكن يحصل.

كنت راجعة لحياتي أنا.

تمت.

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى