كنت راجع للبيت في عربيتي الجيب الفخمة، وفوق الكوبري، لقيت طليقتي بتنبش في صفايح تدور على إزازات فاضية. نزلت الإزاز وقعدت أتمنظر عليها وأرمي الفلوس في التين وأقول لها بسخرية: “هاه، المليونير اللي اخترتيه سابك في الآخر؟”
مدت إيدهاش ولا بصت للفلوس حتى، دي بصت لي نظرة خلتني غصب عني أنزل وراها، واللي شفته جوه الاوضة الصغيرة اللي دخلتها قلب حياتي رأس على عقب.
PART 1
“قومي خديها، الخمسين دولار دي كتير أوي على واحدة زيك بتلم خردة وزبالة عشان تعيش، مش كده؟”
الكلمات دي طلعت مني وأنا قاعد في عربيتي المكيفة والنظيفة، وبكل تعجرف وقسوة لحد دلوقتي بيكفوني خجل كل ما تفتكر العصرة دي.
المطر كان غرقان مصر الجديدة يومها، والزحمة تحت الكوبري كانت ماشية بالقطارة، وكنت أصلاً أعصابي تالفة عشان اجتماع مجلس الإدارة طول أكتر من اللازم.
عُمري كان تسعة وثلاثين سنة، صاحب سلسلة معارض أثاث فخمة، عندي فلوس ونفوذ، وثقة أعمى إن نجاحي ده معناه إني أذكى بكتير من إني أتعرض للنصب أو الخداع.
ولحد ما شفتها.
ست رفيعة لابسة بلوفر قديم وواقفة جنب صناديق زبالة كبيرة، بتفرز بهدوء إزازات بلاستيك وعلب كنز وتحطهم في شوال قديم.
شوية هواء قويين رجعوا الكابوت بتاع الجاكيت لوراء، وهنا شفت وشها بوضوح.
ليلى.
طليقتي.
الست اللي اتهمتها من تلات سنين كذب وتلفيق إنها على علاقة بأهم مورد عندي.
الست اللي كنت مقتصد إنها سرقت مية ألف جنيه من الشركة.
الست اللي طردتها في عز البرد من بيتنا من غير ما أسمعها ولا أديها فرصة تبرر نفسها.
مديت إيدي في محفظتي، وطلعت ورقة بمئة جنيه، وكرمشتها في إيدي، ورميتها من الشزاز بره.
وقعت في بركة طين جنب جزمتها القديمة.
“إيه اللي جابك للحال ده بعد ما بعتيني عشان مليونير؟” قلتها بابتسامة صفراء: “شكل حبيب القلب طردك إنتِ كمان؟”
ليلى بصت للفلوس اللي اتبهدلت في الطين، وبعدين رفعت عينها ببطء وبصتلي.
مكنش فيه أي غضب في عيونها.
ودي حاجة لوحدها رعبتني أكتر من العياط.
“احتفظ بفلوسك لنفسك يا حسام،” قالتها بكل هدوء وثبات: “يجي يوم وتحتاج الجنيه أكتر مني، ده لو ربنا أذن وفهمت في يوم من الأيام إنت ظلمت مين حواليك.”
لفت من جنب الفلوس وكملت طريقها.
معرفش ليه في اللحظة دي نزلت وراها بالعربية وركنت، يمكن عشان كيس الدواء الصغير اللي كانت ماسكاه في إيدها، ولا يمكن عشان علبة الشوربة الدافية اللي في الإيد التانية، ولا يمكن عشان لاحظت إنها بتعرج في مشيتها.
ولأول مرة من تلات سنين، القصة اللي كنت مصدقها عن لیلى حسيت إنها ناقصة ومخرومة.
مشيت وراها في حارة قديمة قرب السوق. الشوارع كانت طين ومية، والبيوت شبه آيلة للسقوط.
في الآخر، ليلى دخلت أوضة صغيرة يا دوب النอด بيوصلها بالعافية.
وبعدين سمعت صوتها وهي بتقول: “أنا جيت يا بابا، وجبت معايا شوربة دافية.”
وقفت قدام الباب مشمع ومصدوم.
بابا؟
ده أنا وليلى عمرنا ما خلفنا عيال.
قربت أكتر بخطوات مترددة، وعيني اتعودت على العتمة.
ولقيت راجل عجز في ركن الأوضة نايم على سرير حديد قديم. شعره أبيض زي الثلج، ونص جسمه الشمال مش متحرك خالص، ووشه دبلان وتعبان.
قلبي وقف في مكاني.
ده أبويا.
الحاج محمود.
طول الست شهور اللي فاتوا، كنت ببعت لأختي الصغيرة مريم تلات آلاف جنيه كل شهر، على أساس إنها حاطة أبويا في دار مسنين فاخرة برة المحافظة وإنهم مهتمين بيه أحسن اهتمام.
وكل أسبوع كانت بتبعت لي صور وفيديوهات.
أبويا قاعد في جناين شكلها يفتح النفس. أبويا في جلسات علاج طبيعي خاصة. أبويا بياكل في مطعم نضيف.
لكن أبويا دلوقتي فين؟
نايم على مرتبة قديمة في أوضة مقفولة وريحتها صعبة، وليلى -الست اللي رميتها برة حياتي- قاعدة جنبه بتنضف له وبتأكله الشوربة اللي اشتراها من تلم الزبالة والعلب الفارغة!
“بابا؟”
دخلت زي المجنون.
عينيه وسعت أول ما شافني، والدموع نزلت بغزارة على خدوده. حاول ينطق بس مكانش طالع منه غير أصوات مكسورة وضعيفة.
عقلي كان هيطير.
لفت وشي لليلى.
“إيه اللي جابه هنا؟ إيه اللي حصل له؟”
ليلى ما صرختش فيا. راحت بهدوء ناحية درج قديم، طلعت ملف ورق طبي وحطته على الترابيزة.
“إنت دايماً بتستعجل وتحكم على الناس قبل ما تعرف الحقيقة فين.”
خدت أول ورقة.
كانت ورقة خروج رسمية من مستشفى حكومي. التقرير بيقول إن فيه فرد من العائلة خرج الأب غصباً عن رغبة الدكاترة، رغم إن حالته كانت محتاجة رعاية مستمرة.
عيني نزلت على التوقيع اللي في آخر الورقة.
مريم فؤاد.
أختي.
فضلت باصص للورقة ومصدوم.
“ده مستحيل يكون حقيقي.”
ليلى ما ردتش.
“مريم بتبعتلي فيديوهات لبابا في الدار كل أسبوع!”




