روايات وقصص

مرات ابني حكايات صافي هاني

وبصوت هادي جدًا لدرجة إن محدش على السفرة قدر ياخد نفسه
بدأ يقول الكلمات اللي هتغير كل حاجة في السفرة دي للأبد…
«أنا مش هسمح لحد يهين أمي تاني.»
الكلمات خرجت من بوق ابني بهدوء شديد.
ولا صرخة.
ولا تهديد.
ولا حتى حركة عصبية.
بس بمجرد ما قالهم حسيت إن البيت كله اتغير.
مرات ابني فضلت واقفة مكانها كأنها مش فاهمة هو قال إيه.
بصت له شوية وبعدين ضحكت ضحكة متوترة وقالت:
«يعني إيه مش هتسمح؟»
ابني ما ردش عليها.
مد إيده للملف اللي كان على الترابيزة الصغيرة.
مسكه ورفعه قدام عينه لحظة.
وبعدين رجع بص لي.
قال:
«ماما اقعدي.»
قلت:
«أنا عايزة أمشي يا ابني.»
هز راسه وقال:
«هتمشي لما تحبي… بس مش وإنتي مكسورة.»
الجملة دي خلت دموعي تنزل من غير ما أحس.
أنا طول عمري كنت بخاف عليه.
من وهو صغير وأنا اللي كنت بحوش عنه الكلام الوحش.
لما كان يرجع من المدرسة زعلان كنت أقعد جنبه.
لما كان يقع كنت أجري عليه.
ولما كبر وبدأ شغله يكبر معاه كنت دايمًا أقول لنفسي:
«المهم يكون مرتاح.»
ماكنتش عايزة منه فلوس.
ولا بيت.
ولا عربية.
ولا حتى هدية.
كنت عايزة حاجة واحدة بس.
إن ابني يفضل فاكر إني أمه.
ومش محتاجة أكتر من كده.
مرات ابني قربت منه وقالت:
«إنت عامل كل ده عشان فنجان قهوة؟»
رفع عينه ليها وقال:
«لأ.»
سكت لحظة.
«أنا عامل كل ده عشان سنين.»
وشها اتغير.
أبوها قال بسرعة:
«يا ابني الموضوع بسيط ومش مستاهل تكبره بالشكل ده.»
ابني لف ناحيته.
«حضرتك شفت اللي حصل النهارده؟»
الرجل اتردد.
«أنا شفت إنها كانت متعصبة بس…»
ابني قاطعه:
«مش بس النهارده.»
سكت.
مرات ابني بدأت تتوتر.
«إنت بتتكلم عن إيه؟»
فتح الملف.
طلع منه مجموعة أوراق.
وحط أول ورقة على الترابيزة.
وقال:
«أنا بتكلم عن كل مرة أمي رجعت من بيتي وهي بتعيط ومقالتش لي.»
بصيت له بسرعة.
أنا فعلًا ما كنتش قلت له.
كنت دايمًا أخبي.
كنت أقول:
«مراتك تعبانة.»
«يمكن مضغوطة.»
«يمكن مش قصدها.»
«يمكن أنا فهمت غلط.»
كنت بحاول أحافظ على بيته.
بس الظاهر إني كنت بحافظ على بيت مش متحافظ عليا جواه.
مرات ابني قالت:
«هي اللي كانت بترجع تعيط؟»
بص لها.
«أيوه.»
«ومقالتلكش ليه؟»
قال بهدوء:
«عشان كانت خايفة عليكِ.»
أنا حسيت إن قلبي اتقبض.
مرات ابني ضحكت بسخرية.
«خايفة عليا؟»
رد:
«أيوه.»
«من إيه؟»
«من إنها تكون السبب في خراب جوازي.»
سكتت.
ولأول مرة شفتها مش عارفة ترد.
ابني رجع للأوراق.
«أنا بدأت أجمع كل حاجة من حوالي سبع شهور.»
أخوها قال:
«تجمع إيه؟»
رفع ورقة.
«شكاوى.»
مرات ابني شهقت.
«شكاوى من مين؟»
«من ناس اشتغلوا في البيت.»
سكتت.
«ومن موظفين.»
قلب الورقة.
«ومن شركة الإدارة.»
قلب ورقة تانية.
«ومن أكتر من حد في العيلة.»
مرات ابني قربت منه.
«إنت كنت بتجسس عليا؟»
قال:
«لأ.»
وبص ليها بثبات.
«كنت بحاول أفهم ليه أمي كل مرة تيجي عندي ترجع وهي حاسة إنها ضيفة مش مرغوب فيها.»
أمها تدخلت وقالت:
«بس يا ابني إحنا ماكناش نعرف حاجة من دي.»
قال:
«وده مش ذنبكم.»
وبعدين بص لمراته.
«بس ذنب اللي كان يعرف.»
السكوت رجع تاني.
أنا كنت قاعدة ومش عارفة أتكلم.
هو فتح ورقة تانية.
وقال:
«عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني؟»
مراته ما ردتش.
«إن أمي كانت بتدفع تمن حاجات هي ماعملتهاش.»
رفع عينه ناحيتي.
«فاكرة يا ماما لما شنطتك اختفت؟»
قلبي وقع.
افتكرت.
من حوالي سنة.
كنت جبت شنطة صغيرة هدية من بنت جارتي.
وفي زيارة لبيت ابني اختفت.
مرات ابني قالت وقتها:
«يمكن حضرتك نسيتيها في البيت.»
وبعدين بعد كام يوم لقيتها في مخزن البيت.
لكن كان واضح إنها اتحطت هناك.
أنا ما قلتش حاجة.
قلت لنفسي يمكن أنا اللي نسيت.
ابني قال:
«الشنطة دي اتنقلت من أوضة الضيوف للمخزن بأمر من حد.»
مراته قالت:
«إيه الكلام ده؟»
«ومش دي بس.»
ورقة تانية.
«الهدية اللي أمي جابتها لأولادك واتقال لها إنها اتكسرت؟»
الطفل الكبير رفع عينه.
«الهدية اللي هي جابتها لي؟»
ابني بص له.
«أيوه.»
الولد قال:
«بس ماما قالت إن تيتا جابتها مكسورة.»
مرات ابني بصت لابنها.
«إنت بتتكلم ليه؟»
الولد سكت.
ابني قرب منه.
«قول اللي حصل يا حبيبي.»
الولد بص لأمه بخوف.
وبعدين قال:
«أنا شفتها وهي بتشيلها من الأوضة.»
الجو كله اتجمد.
مرات ابني قالت:
«إنت فاهم إنت بتقول إيه؟»
الولد بدأ يعيط.
أنا مددت إيدي له.
«تعالى يا حبيبي.»
جرى عليا وحضني.
فضلت أربت على ضهره.
ماكنتش فرحانة إن الحقيقة ظهرت.
كنت حزينة.
حزينة على طفل صغير اتحط في نص مشاكل الكبار.
ابني بص لمراته.
«حتى ولادك بقوا خايفين يتكلموا.»
قالت بعصبية:
«إنت بتتهمني إني بأذي ولادي؟»
«أنا ما اتهمتش.»
وأشار للملف.
«أنا بوثق.»
الكلمة وقعت عليها تقيلة.
أخوها وقف وقال:
«إنت بتعمل إيه بالظبط؟»
ابني رد:
«بحط حدود.»
«حدود؟»
«أيوه.»
«يعني هتطلق أختي؟»
الكل سكت.
أنا بصيت لابني.
مرات ابني نفسها اتجمدت.
هو ما جاوبش بسرعة.
قفل الملف.
وقال:
«أنا مش هعلن أي قرار وأنا غضبان.»
وبعدين بص لمراته.
«لكن من اللحظة دي مفيش إهانة لأمي.»
مرات ابني قربت منه.
«يعني هي السبب؟»
«محدش قال كده.»
«أومال؟»
«إنتي اللي عملتي ده بنفسك.»
سكتت.
«أنا ادّيتك فرص كتير.»
بدأت دموعها تظهر.
لكنها قالت:
«أنا كنت بحاول أحافظ على بيتي.»
رد:
«الحفاظ على البيت مش معناه كسر اللي جوه البيت.»
الكلام ده خلاني أعيط.
مش عشان هو وقف جنبي بس.
لكن عشان حسيت إنه أخيرًا فهم.
فهم كل حاجة أنا حاولت أخبيها عنه.
كل مرة رجعت فيها من عنده وقلت:
«أنا تعبانة بس.»
كل مرة كنت أقفل الباب ورايا وأعيط في العربية.
كل مرة كنت أشوف صورته وهو صغير وأقول لنفسي:
«ماينفعش أكون سبب في تعاسته.»
أنا كنت فاكرة إن السكوت حب.
لكن اكتشفت إن السكوت ساعات بيخلي الغلط يكبر.
ابني قرب مني.
«ماما.»
مسحت دموعي.
«نعم؟»
«إنتي مش هتخدمي حد هنا تاني.»
ضحكت وسط دموعي.
«أنا أصلًا جاية زيارة.»
قال:
«وأنا عارف.»
وبعدين بص للسفرة.
الأطباق.
الكوبايات.
الصواني.
كل حاجة كانت موجودة.
وقال:
«من النهارده لو أمي دخلت بيتي تبقى ضيفة.»
مرات ابني ردت:
«وده بيتي أنا كمان.»
قال:
«طبعًا.»
«يبقى أنا من حقي أطلب منها تساعد.»
«من حقك تطلبي.»
سكت لحظة.
«ومش من حقك تهيني.»
مرات ابني بصت في الأرض.
أبوها قال:
«أنا شايف إن الأفضل نهدى وكل واحد يرجع بيته.»
ابني قال:
«اتفقنا.»
وبدأ الضيوف يتحركوا.
لكن قبل ما حد يمشي، ابني وقف وقال:
«بس في حاجة تانية.»
الكل وقف.
فتح الملف مرة تانية.
وأخرج ورقة مختلفة.
قال:
«أنا كنت ناوي أعلنها النهارده قبل العشا.»
مراته بصت له.
«إيه؟»
قال:
«الشركة.»
وشها اتغير.
«الشركة؟»
«أيوه.»
«مالها؟»
«أنا قررت أغير هيكل الملكية.»
أخوها قال:
«ليه؟»
«عشان الشركة ما تبقاش مرتبطة بأي حد من العيلة.»
مرات ابني فهمت.
«إنت بتخرجني؟»
قال:
«من الإدارة، أيوه.»
«ليه؟»
«لأنك ما أثبتيش إنك تقدري تفصلي بين حياتك الشخصية وشغلك.»
صرخت:
«أنا اشتغلت معاك عشر سنين!»
قال:
«وأنا مقدر ده.»
«يبقى إزاي؟»
«هتاخدي كل حقوقك المالية المثبتة.»
«بس؟»
«بس.»
«وأنا؟»
«هتفضلي زوجتي لحد ما إحنا الاتنين نقرر غير كده.»
سكتت.
«لكن شغلي مش مكان للانتقام ولا للمجاملات.»
أخوها بص ليها.
وأمها بدأت تبكي.
أنا كنت مصدومة.
ماكنتش أعرف إن الموضوع وصل للشركة.
لكن ابني كان واضح إنه مخطط لكل حاجة من فترة.
بعد ما الناس بدأت تمشي، أنا وقفت.
قلت:
«أنا لازم أروح.»
ابني قال:
«هيوصلك السواق.»
هزيت راسي.
«لأ.»
«ماما.»
«أنا محتاجة أرجع بيتي لوحدي.»
قرب مني.
«متزعليش مني.»
ضحكت.
«أنا مش زعلانة منك.»
وبعدين بصيت لمراته.
كانت واقفة بعيد.
لأول مرة ماكانش عندها كلام.
قلت لها:
«أنا مش عايزة آخد منك ابني.»
رفعت عينها.
«ولا عايزة أخرب بيتك.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى