
سكتت.
«بس أنا كمان مش هقبل أكون إنسانة قليلة المقام في بيت ابني.»
دموعها نزلت.
ماكنتش عارفة هل دموعها حقيقية ولا لأ.
لكن لأول مرة ما اهتمتش أعرف.
قلت:
«أنا هسيبك مع نفسك شوية.»
ومشيت.
خرجت من البيت.
الهواء البارد ضرب وشي.
حسيت إني كنت مخنوقة طول السهرة وفجأة قدرت آخد نفس.
ركبت عربيتي.
وأول ما قفلت الباب انفجرت في العياط.
مش عشان الإهانة.
لكن عشان افتكرت كل السنين اللي فاتت.
بعد نص ساعة موبايلي رن.
ابني.
ما رديتش.
رن تاني.
رديت.
«أيوه.»
صوته كان هادي.
«وصلتي؟»
«أيوه.»
«ماما.»
«نعم؟»
سكت.
وبعدين قال:
«أنا آسف.»
غمضت عيني.
«إنت مالكش ذنب.»
قال:
«لا.»
«أنا كان لازم أتكلم من بدري.»
قلت:
«يمكن أنا اللي كنت بخبي عليك.»
«ليه؟»
«عشان كنت خايفة أخسرك.»
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال:
«إنتي مستحيل تخسريني.»
دموعي نزلت.
«أنا ابني كبر أوي.»
ضحك لأول مرة.
«يعني إيه؟»
«يعني بقيت بتعرف تحميني.»
قال:
«ده دورك كان زمان.»
قلت:
«وأنا كنت بعمله.»
«عارف.»
وبعدين قال:
«بس خلاص يا ماما.»
«إيه؟»
«الدور اتبدل.»
ضحكت.
«إنت هتحميني يعني؟»
«أيوه.»
«من مين؟»
قال:
«من أي حد.»
سكت لحظة.
وبعدين ضحك وقال:
«حتى لو كانت مراتي؟»
ضحك هو كمان.
لكن الضحكة كانت حزينة.
«حتى لو كانت مراتي.»
قفلنا.
وأنا لأول مرة من سنين حسيت إني مش لوحدي.
لكن اللي حصل في ليلة العيد ماكانش النهاية.
كان البداية.
بعد أسبوعين، ابني جه عندي الصبح.
كان لابس بدلة بسيطة ومسك ملف صغير.
قلت له:
«إيه ده؟»
قال:
«ورق.»
«أنا بخاف من الورق اللي في إيدك.»
ضحك.
«المرة دي خير.»
قعد.
وقال:
«أنا عايز أعمل حاجة.»
«إيه؟»
«أحول البيت القديم بتاع بابا لمكان باسمك.»
اتصدمت.
«ليه؟»
«لأنه بيتك.»
«بس أنا مش محتاجة.»
«أنا محتاج أعمله.»
قلت:
«يا ابني أنا عندي بيتي.»
«عارف.»
«أومال؟»
«عشان طول عمرك كنتي بتقولي إن البيت مش بالمباني.»
ابتسم.
«وأنا عايز أديكي مكان يفضل فاكرنا ببعض.»
دموعي نزلت.
«إنت ليه بتعمل كل ده؟»
قال:
«عشان أفهمت متأخر إن الأم مش بتطلب.»
سكت.
«الأم بتدي.»
وبعدين أضاف:
«وأنا أخدت منك كتير.»
حضنته.
فضل ساكت في حضني زي زمان.
ولأول مرة من سنين رجع ابني الطفل اللي كان بيجري عليا لما يقع.
بعدها بشهر حصل شيء ماكنتش متوقعاه.
مرات ابني جت عندي.
لوحدها.
من غير أولادها.
وقفت على الباب.
قلت:
«اتفضلي.»
دخلت.
كانت هادية جدًا.
قعدت.
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت:
«أنا جاية أعتذر.»
ما رديتش.
كملت:
«مش عن القهوة.»
بصيت لها.
«عن كل حاجة.»
سكت.
«أنا كنت شايفة إن وجودك بيهدد مكانتي.»
«إزاي؟»
قالت:
«كل ما ابني كان يمدحك كنت بحس إني أقل.»
هزيت راسي.
«وده كان يديكي الحق تهينيني؟»
دموعها نزلت.
«لأ.»
«تطلبي مني أخدمك؟»
«لأ.»
«تتكلمي عن لبسي؟»
«لأ.»
«تقوليلي افتكري مقامك؟»
غطت وشها بإيديها.
«لأ.»
فضلنا ساكتين.
وبعدين قالت:
«أنا غلطت.»
قلت:
«الغلط بيتصلح.»
رفعت عينها.
«يعني تسامحيني؟»
قلت:
«التسامح مش معناه إن اللي حصل ماكانش مؤلم.»
هزت راسها.
«فاهمة.»
«وأنا ممكن أسامحك.»
دموعها زادت.
«بس في شرط.»
«إيه؟»
«ماترجعيش تعملي كده تاني.»
قالت بسرعة:
«مش هعمل.»
«ومش عشاني.»
«أومال؟»
«عشان نفسك.»
سكتت.
«لأن اللي بيهين غيره عشان يحس إنه أعلى منه، بيكون محتاج يصلح حاجة جواه.»
فضلت ساكتة.
وبعدين قالت:
«هو ابني زعلان مني.»
قلت:
«ابنك مش عايز يخسرك.»
«إنتي لسه بتدافعي عني؟»
ابتسمت.
«أنا أم.»
لأول مرة ابتسمت.
«أنا كنت فاكرة إنك بتكرهيني.»
قلت:
«كنت بزعل منك.»
«بس؟»
«أيوه.»
«ليه؟»
«لأنك مرات ابني.»
سألت باستغراب:
«يعني؟»
قلت:
«كنت أتمنى أحبك.»
نزلت دموعها.
«وأنا كنت أتمنى أكون بنتك.»
سكتنا.
ماكانش فيه حضن.
ولا كلام كبير.
بس كان فيه شيء اتغير.
بعدها بأيام ابني عرف إنها جات عندي.
سألني:
«إنتي سامحتيها؟»
قلت:
«آه.»
«بسهولة؟»
«لأ.»
«ورجعتي تثقي فيها؟»
«الثقة بتتبني.»
هز راسه.
«وأنا؟»
«إنت إيه؟»
«لسه زعلانة مني؟»
ضحكت.
«إنت أكتر واحد مزعلني.»
فتح عينه.
«أنا؟»
«آه.»
«ليه؟»
قلت:
«عشان خليتني أعيش كل السنين دي فاكرة إن السكوت هو الحل.»
سكت.
وبعدين قال:
«عندك حق.»
مرت الشهور.
الحياة بدأت تهدى.
مرات ابني ما بقتش تطلب مني حاجة.
لو دخلت بيتهم كانت تقول:
«ماما لورنا اقعدي.»
والأولاد بقوا يجروا عليا.
وفي مرة حفيدي قال قدام أمه:
«تيتا مش هتخدم حد.»
مرات ابني ضحكت وقالت:
«طبعًا.»
بصيت لها.
ابتسمنا لبعض.




