
كان واضح إن الجرح لسه موجود.
لكن بدأ يلتئم.
وفي أول عيد بعدها، ابني أصر إن العيد يكون عندي.
أنا قلت:
«لا يا ابني، بيتك أوسع.»
قال:
«المرة دي إنتي صاحبة البيت.»
ضحكت.
«وأنا هعمل إيه؟»
قال:
«هتقعدي.»
«بس؟»
«بس.»
جاءت مرات ابني وأولادي وأهلها.
كلهم دخلوا.
وأول حاجة حصلت إن مرات ابني جابت صينية القهوة.
وقالت:
«ماما لورنا، القهوة.»
قلت:
«حطيها هنا.»
ضحكت.
«لأ، أنا اللي هقدم.»
قلت:
«إنتي متأكدة؟»
قالت:
«جدا.»
وبدأت توزع الفناجين.
لما وصلت لي، وقفت لحظة.
وبعدين قالت:
«دي ليكي.»
مسكت الفنجان.
قلت:
«شكرًا.»
ابني كان واقف بعيد بيراقبنا.
ضحك.
وأنا شربت رشفة.
قلت:
«القهوة حلوة.»
مراته قالت:
«أهو أحسن من السنة اللي فاتت.»
ضحكت.
«بكتير.»
الأطفال ضحكوا.
والجو كله اتغير.
بعد الأكل، ابني قام وقال:
«ماما.»
«نعم؟»
«فاكرة الملف؟»
ضحكت.
«إزاي أنساه؟»
طلع ملف صغير.
قلت:
«تاني؟»
قال:
«اطمني.»
فتح الملف.
طلع ورقة.
«ده عقد البيت القديم.»
«ليه؟»
«بقى باسمك رسمي.»
اتصدمت.
«أنا قلتلك مش محتاجة.»
«وأنا قلتلك إني محتاج أعمله.»
مراته قربت وقالت:
«وأنا موافقة.»
بصيت لها.
قالت:
«ده حقك.»
حسيت إن عيني دمعت.
لكن المرة دي كانت دموع فرحة.
مسكت الورقة.
وبصيت لابني.
«أبوك كان هيبقى مبسوط منك.»
ابتسم.
«وأنا متأكد.»
في اللحظة دي فهمت إن ابني ماكانش بيحاول يثبت إنه غني.
ولا إنه صاحب شركة.
ولا إنه قادر يغير حياة أي حد بفلوسه.
هو كان بيحاول يصلح حاجة واحدة.
إن أمه ماتحسش إنها قليلة في بيت ابنها.
بعدها بسنة، البيت القديم اتفتح.
مش كبيت فخم.
ولا كقصر.
كان مكان بسيط.
فيه صور جوزي الله يرحمه.
صور ابني وهو صغير.
صور الأولاد.
وفي الصالة حطينا السفرة القديمة.
نفس السفرة اللي كنت بقعد عليها مع جوزي سنين.
وفي يوم افتتاح البيت، مرات ابني دخلت المطبخ.
رجعت وهي شايلة فطيرة تفاح.
حطتها قدامي.
قالت:
«أنا عملتها.»
بصيت لها.
«إنتي؟»
قالت:
«أيوه.»
ضحكت.
«دي مش فطيرة.»
قالت:
«ليه؟»
«دي شكلها محتاجة تدخل إنعاش.»
ضحكنا كلنا.
ابني قال:
«ماما، كلي واسكتي.»
ضحكت.
مراته قالت:
«المرة الجاية هتطلع أحسن.»
قلت:
«وأنا هعلمك.»
قالت:
«اتفقنا.»
وفي اللحظة دي حسيت إن الحياة أحيانًا بتدينا فرصة تانية.
مش عشان نمسح اللي حصل.
لكن عشان نتعلم منه.
مرت سنين.
أنا كبرت أكتر.
والأولاد كبروا.
والبيت بقى مكان كل عيد.
وفي كل عيد كانت السفرة تتملى بالناس.
لكن المرة دي ماكانش فيه حد واقف يخدم حد.
كل واحد كان بيقوم يعمل حاجة.
ابني يحط الأطباق.
مراته تقدم القهوة.
الأولاد يجيبوا العصير.
وأنا؟
كنت قاعدة.
بس.
وفي مرة حفيدي الصغير سألني:
«تيتا، إنتي ليه دايمًا بتقولي لنا نحترم بعض؟»
بصيت له.
وقلت:
«عشان الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير ويرجع يعوضها.»
«إزاي؟»
«لكن لو خسر احترامه لنفسه ولغيره، الموضوع بيكون أصعب.»
فكر شوية.
وبعدين قال:
«يعني اللي حصل زمان كان عشان ماما ماكنتش بتحترمك؟»
سكت الكل.
مرات ابني بصت لي.
أنا قلت:
«مامتك اتعلمت.»
الولد قال:
«وإنتي سامحتيها؟»
«أيوه.»
«ليه؟»
ابتسمت.
«عشان إحنا مش بنعيش عشان نعاقب بعض.»
مرات ابني مسكت إيدي من الناحية التانية.
وقالت:
«وعشان تيتا قلبها كبير.»
ضحكت.
«ما تبالغييش.»
قالت:
«مش مبالغة.»
ابني كان ساكت.
بس عينيه كانت بتلمع.
بعد العيد، لما الكل مشي، قعدت أنا وابني لوحدنا.
قال:
«ماما.»
«نعم؟»
«فاكرة يوم السفرة؟»
«طبعًا.»
«كنت مرعوب.»
ضحكت.
«إنت؟»
«آه.»
«ليه؟»
قال:
«لأني كنت عارف إن اللحظة دي هتغير حياتنا.»
سألته:
«كنت ناوي تعمل إيه قبل ما ترفع إيدها؟»
سكت.
وبعدين قال:
«كنت ناوي أتكلم عن الملف.»
«يعني كنت مقرر؟»
«أيوه.»
«من إمتى؟»
«من قبل العيد.»
«ليه؟»
قال:
«لأني وصلت لمرحلة ماقدرتش أتجاهل فيها اللي بيحصل.»
سكت.
«بس اللي حصل خلاني أعرف إن قراري كان لازم يحصل.»
بصيت له.
«لو الزمن رجع؟»
قال:
«كنت هتكلم بدري.»
ابتسمت.
«وأنا كمان.»
«كنت هتتكلمي؟»
«آه.»
«مع مين؟»
«مع نفسي الأول.»
ضحك.
«دي إجابة غريبة.»
قلت:
«لأ.»
«أومال؟»
«لأن أكبر غلطة عملتها إني فضلت أقول لنفسي إن تحملي للإهانة دليل على إني أم كويسة.»
سكت.
«لكن الأم الكويسة مش لازم تسكت على كل حاجة.»
هز راسه.
«عندك حق.»
قمت.
حطيت إيدي على كتفه.
وقلت:
«وإنت كمان ماتحميش اللي بتحبهم بالسكوت.»
قال:
«اتعلمت.»
مشيت ناحية الشباك.
كان الليل هادي.
وأضواء الشوارع بعيدة.
فتحت الشباك.
دخل هوا بارد.
افتكرت جوزي.
افتكرت أول بيت.
أول عيد.
أول مرة ابني قال لي «ماما».
افتكرت كل السنين.
وكل التعب.
وكل الخوف.
وبعدين ابتسمت.
لأن بعض الحكايات بتبدأ بإهانة.
لكن مش لازم تنتهي بيها.
أنا يومها ما خرجتش من بيت ابني مكسورة.
خرجت وأنا فاهمة حاجة ماكنتش فاهمها طول عمري.
إن الكرامة مش صوت عالي.
ومش خناقة.
ومش رد قاسي.
الكرامة أحيانًا تكون إنك تقفي بهدوء وتقولي:
«أنا أستحق الاحترام.»
وبس.
ومن يومها عمري ما سمحت لأي حد يحدد لي مقامي.
لا فلوسه.
ولا سنه.
ولا مكانته.
ولا حتى قربه مني.
لأن مقام الإنسان مش بيتحدد بلبسه.
ولا بفلوسه.
ولا ببيته.
ولا بكرسيه على السفرة.
مقامه بيتحدد بالطريقة اللي بيعامل بيها الناس.
واللي حصل في ليلة العيد علمني إن الإنسان ممكن يسكت سنين عشان يحافظ على بيته.
لكن البيت اللي يحتاج منك تهدري كرامتك عشان يفضل واقف…
مش بيت محتاج تحافظي عليه.
محتاج يتصلح.
أما ابني…
فكل ما كان ييجي عندي بعد كده ويشوفني قاعدة في مكاني المفضل جنب الشباك، كان يقول نفس الجملة:
«ماما، محتاجة حاجة؟»
وأنا كنت دايمًا أضحك وأقول:
«لأ يا ابني.»
فيقول:
«متأكدة؟»
وأرد:
«متأكدة.»
لحد يوم من الأيام قلت له:
«آه.»
اتخض.
«إيه؟»
قلت:
«عايزة فطيرة تفاح.»
ضحك وقال:
«دي سهلة.»
قلت:
«بس عايزاها زي بتاعة زمان.»
قال:
«مش هقدر.»
«ليه؟»
«لأن بتاعة زمان كان فيها سر.»
ضحكت.
«سر إيه؟»
قال:
«إنتي كنتي بتعمليها وإنتي مبسوطة.»
سكت.
وبعدين ابتسمت.
«يمكن.»
قال:
«يبقى اعمليها تاني.»
دخل المطبخ.
وقعد جنبي.
وبدأنا نعمل الفطيرة مع بعض.
زي ما كنت بعملها له وهو عنده سبع سنين.
بس المرة دي هو اللي كان بيقطع التفاح.
وأنا اللي كنت قاعدة أضحك.
ولما دخلت مرات ابني، بصت لنا وقالت:
«أنا كمان عايزة أتعلم.»
بصيت لها.
وقلت:
«تعالي.»
قعدت جنبنا.
وبدأت أعلمها.
وأنا ساعتها فهمت إن أحيانًا أجمل انتصار مش إن اللي ظلمك يتوجع.
أجمل انتصار إنك توصلي لليوم اللي تقدري فيه تبصي له من غير خوف.
ومن غير كراهية.
ومن غير ما تحتاجي تثبتي إنك كنتي صح.
بس تبقي مرتاحة.
وده بالضبط اللي حصل.
الملف اللي ابني فتحه في ليلة العيد ماكانش مجرد أوراق.
كان نهاية سنين من السكوت.
وبداية سنين من الاحترام.
أما الجملة اللي قالها…
«أنا مش هسمح لحد يهين أمي تاني.»
فما كانتش مجرد كلمات.
كانت وعد.
ووعد ابني وفّى بيه.
بس أهم حاجة عملها ماكانتْش إنه وقف قدام مراته.
أهم حاجة إنه خلاني أقف أنا كمان.
وأفهم إن السكوت وقت الظلم مش دايمًا حكمة.
وإن المسامحة مش معناها إننا نرجع لنفس المكان.
وإن الحب الحقيقي مش بيطلب منك تصغري نفسك عشان غيرك يكبر.
ومن يومها…
كل عيد وأنا بحط فطيرة التفاح على السفرة.
وبحط جنبها فنجان قهوة.
وببص على الكرسي اللي حصلت عنده الحكاية كلها.
وأبتسم.
لأن نفس السفرة اللي شهدت يومًا على إهانتي…
شهدت بعد كده على صلحنا.
ونفس البيت اللي دخلته وأنا حاسة إني غريبة…
بقى بيتًا أدخله وأنا مرفوعة الرأس.
ونفس الابن اللي كنت بخاف أخسره بسبب كلامي…
بقى هو أول واحد يقولي:
«اتكلمي يا ماما.»
وأنا أخيرًا…
اتعلمت أتكلم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



