روايات وقصص

قبل فرحي بربع ساعه حكايات صافي هاني

قبل فرحي بربع ساعة، لقيت أبويا وأمي قاعدين ورا عمود على كرسيين بلاستيك رخاص، في نفس الوقت اللي كانت فيه عيلة خطيبي الغنية مالية الصف الأولاني كأنهم عيلة مالكة. أمي همست لي: “ما تبوظيش يومك يا حبيبتي”، بس فيه حاجة جوايا اتجمدت. مشيت علطول على المسرح، وأخدت المايك، وابتسمت للناس اللي كانت متنحة. “قبل ما أقول (موافقة)، فيه حاجة لازم الكل هنا يعرفها.”قبل فرحي بربع ساعة، لقيت أبويا وأمي مستخبيين ورا عمود رخام على كرسيين بلاستيك من الرخاص دول. وفي الوقت ده، عيلة خطيبي كانوا قاعدين في الصف الأولاني زي الملوك، وبيلمعوا تحت النجف اللي أصلاً هما ما دفعوش تمنه.

​أمي كانت أول واحدة تلاحظ وشي وهو بيتغير.

​”ما تبوظيش يومك يا حبيبتي” همست لي وهي بتجبر نفسها على ابتسامة مرعشة من الجناب. أبويا كان حاطط إيده في حِجره ومثبت عينه في الأرض كأن الكسوف ده بتاعه هو.

​بس لأ، ما كانش بتاعه.قاعة الفرح في فندق “جراند إليسون” كانت بتبرق زي لوكيشنات السيما – ورد أبيض، وشرايط دهبي، وكاسات كريستال، وفرقة بتعزف هادي جنب الكوشة. متين فرد من المعازيم لابسين بدلات غالية وفساتين حرير. وقدام، خطيبي بريستون كان بيضحك مع أمه سينثيا، اللي كانت ليرم فصوص ألماظ كبيرة لدرجة تقلب بلدي.أنا ما طلبتش غير حاجة واحدة بس وأحنا بنرتب للفرح.

​قلت لبريستون: “أبويا وأمي يقعدوا في الصف الأولاني”.

​باس دماغي وقال لي: “أكيد يا كلير، دول اللي ربوكي”.

​ودلوقتي، هما قاعدين ورا عمود جنب باب السيرفيس، جنب صواني الأكل المكومة ويفطة خروج الطوارئ.

​سألت بهدوء: “مين اللي نقلهم هنا؟”

​أمي لمست دراعي: “حصل خير، مش مهم”.

​قلت لها: “لأ، مين؟”

​أبويا بلع ريقه وقال: “واحدة لابسة سماعة في ودنها قالت إن الصف الأولاني محجوز للعيلة بس”.

​بصيت ناحية سينثيا.

​رفعت كاس الشمبانيا بتاعها أول ما لمتني بصلها. ابتسامتها كانت مسطرة، حادة، وما فيهاش أي دم.

​بريستون جه بسرعة وهو بيظبط زراير القميص: “كلير، واقفة هنا ليه؟ المصور مستني”.

​شاورت على أبويا وأمي: “هما قاعدين هنا ليه؟”

​تعبيرات وشه اتهزت ثانية، وبعدين نشفت: أبويا وأمي ورا عمود!”

​قال بصوت واطي من تحت ضرسة: “هما مش من المجتمع ده يا كلير، أنتي عارفة الحفلات دي بتمشي ازاي”.افتكرت كل إهانة بلعتها فترة الخطوبة. سينثيا وهي بتقول على أمي “على قد حالها”. بريستون وهو بيتريق إن محل البويات والعدة بتاع أبويا ريحته كله تينر. أخته وهي بتسأل يا ترى عيلتي عندها “شوك وسكاكين فضة حقيقية” ولا لأ.

​كانوا فاكرين إني هموت واتجوز الشغلة دي.

​ما كانوش فاهمين حاجة.

​عديت من جنب بريستون وبصيت على المسرح، مطرح ما المايك محطوط جنب برج من الورد الأبيض.

​ساعتها فيه حاجة جوايا بقت باردة وصافية تماماً.

​رفعت الطرحة، ومشيت وسبت بريستون، قطعت الممر بفستان فرحي، وطلعت على المسرح.

​القاعة كلها هديت.

​أخدت المايك وابتسمت.ابني عنده 13 سنة اشتغل في غسيل المواعين من غير ما يقولي لكن صاحب الشغل اتصل بيا وقاللي إنتي عارفة ابنك بيعمل إيه بكل مرتب بياخده؟ كل اللي الولد بيقولهولك كدب

ابني كريم كان بقاله شهور نفسه في عجلة جديدة وكل شوية يطلبها مني ولما في يوم قالي إنه لقى شغل يوم السبت في مطعم صغير قريب من البيت عشان يغسل المواعين ما استغربتش

قالي وهو فرحان أنا عايز أجيبها بفلوسي أنا

ابتسمت غصب عني وأنا ببصله بفخر

من بعد ما أبوه مات من تلات سنين وكريم بقى مصمم إنه ما يطلبش مني حاجة غالية ويحاول يعتمد على نفسه على قد ما يقدر

كل سبت كان بيخرج بجينز قديم وكوتشيه ويرجع ريحته كلها صابون مواعين وبطاطس مقلية

وكل ما أسأله

إنت وفرت كام؟

كان يضحك ويقولي

قربت خلاص

لكن بعد ست شهور العجلة ما ظهرتش

وساعتها بدأت أحس إن في حاجة مش راكبة

في ليلة وأنا معدية قدام أوضته شوفته قاعد على السرير وبيعد رزمة فلوس كبيرة

أول ما حس بيا رفع عينه بسرعة وخبى الفلوس في شنطته

قلتله

إيه الفلوس دي يا كريم؟

اتوتر وقال

دي فلوسي يا ماما

طيب وإنت موفرهم للعجلة؟

سكت شوية وبعدين قال

آه طبعا

عدت الموقف ومعلقتش

لكن يوم سبت تاني رجع متأخر عن معاده بحوالي ساعتين

وكان الكوتشي بتاعه كله طين وكم قميصه مقطوع

جريت عليه وقلتله

إنت اتأخرت ليه؟ وإيه اللي حصل في هدومك؟

بصلي بسرعة وقال

وقعت وأنا راجع

بصيتله باستغراب

وقعت فين؟

قال وهو بيبعد عينه عني

على الطريق

وبعدين سألته

فين مرتبك؟

نزل عينه في الأرض وقال بصوت واطي

حطيته في مكان آمن

بدأ الشك يدخل قلبي

بس قلت لنفسي ده لسه عنده 13 سنة

يمكن فيه بنت في المدرسة

يمكن بيجمع فلوس عشان يجيب حاجة لنفسه ومش عايز يقوللي

يمكن عايز يعمل مفاجأة

لكن اللي حصل بعدها كان أكبر بكتير من أي حاجة كنت ممكن أتخيلها

تليفوني رن

كان صاحب المطعم

رديت وقلت

ألو؟

سمعته متردد وقال

مدام منى؟ ممكن نتكلم شوية عن كريم؟

قلبي اتقبض

قلتله

هو عمل حاجة؟

سكت ثواني طويلة وبعدين قال

بصراحة مش عارف أقولك إيه

قلتله بخوف

يعني إيه؟

قال

إنتي عارفة ابنك بيعمل إيه بكل مرتب بياخده؟

اتنفض قلبي وقلت

هو قالي إنه بيوفر الفلوس عشان يجيب عجلة

صوته اتغير وقال

يبقى لازم تقعدي قبل ما أقولك اللي عندي

وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي

كل اللي الولد بيقولهولك عن الفلوس دي كدب

قبل ما ألحق أسأله أي سؤال سمعت صوت خناقة جاي من بعيد

صوت كريم

كان بيصرخ

أرجوك متقولش لماما

جريت ناحية الشباك وأنا ماسكة التليفون وقلت

كريم؟

لكن صوت تاني جه من وراه وصاح بحاجة ما فهمتهاش

وفجأة سمعت صوت حاجة وقعت واتكسرت

صرخت

كريم!

صاحب المطعم رجع يمسك التليفون وكان نفسه مقطوع

وقال

مدام منى تعالي هنا حالا

ابنك حاول يعملها تاني

قفلت التليفون من غير ما أفكر

وخدت مفاتيح العربية وجريت على المطعم وقلبي كان بيخبط في صدري كأني حاسة إن ابني في خطر

طول الطريق كنت بسأل نفسي

إيه اللي كريم بيعمله من ورايا؟

وإيه اللي بيخليه يخبي فلوسه؟

وليه صاحب الشغل قال حاول يعملها تاني؟

ولما وصلت المطعم دخلت وأنا بدور عليه بعيني وسط الناس

وفجأة شوفته
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً

وقفت مكاني

وشي شحب

وركبتي خانتني ومقدرتش أشيل نفسي

لأن اللي شوفته قدامي ما كانش مجرد ابني واقف في المطعم

كان كريم واقف جنب الحيطة وهدومه متبهدلة وإيده بتترعش

وقدامه على الترابيزة كانت كل الفلوس اللي كان بيقولي إنه بيوفرها عشان العجلة

لكن الصدمة الحقيقية كانت في الشخص اللي واقف جنبه

الشخص اللي أول ما شوفته فهمت إن ابني كان بيكدب عليا طول الست شهور اللي فاتوا…

وإن الفلوس دي ما كانتش بتتجمع عشان يشتري عجلة أصلا.يتبع في الجزء الثاني…القصه كامله في أول تعليق👇👇شاور لي بإيده وحرك شفايفه من غير صوت وهو بيقول: “كلير، انزلي فوراً.”

​أنا ما اتهزتش، عدلت المايك وبصيت للمعازيم كلهم وقلت بصوت عالي وواضح في السماعات: “أنا عايزة أشكركم كلكم عشان جيتوا الليلة دي. الفندق جميل، الورد غالي، والألماظ اللي لابساه حماتي العزيزة سينثيا حقيقي يزغلل العين.. لدرجة إنه عماها عن أهم حاجة.”الناس بدأت تتبادل نظرات استغراب، وسينثيا نزلت كاس الشمبانيا من إيدها، وابتسامتها اختفت تماماً.

​كملت وكلامي طالع زي الرصاص: “لما جيت أرتب للفرح ده، طلبت طلب واحد بس من بريستون.. إن أبويا وأمي يقعدوا في الصف الأولاني. الراجل والست اللي طفحوا الدم عشان يربوني ويكبروني، الست اللي كانت بتخيط هدومها بإيدها عشان توفر لي تمن تعليمي، والراجل اللي شغال في محل بويات صغير ومستحمل ريحة التينر طول عمره عشان يدخلني أحسن جامعة.. الجامعة اللي عرفت فيها بريستون.”

​بريستون وصل تحت المسرح ومد إيده عشان يشد المايك: “كلير، كفاية جنان، أنتي بتفضحينا، انزلي وهنصلح كل حاجة!”بعدت خطوة لورا وقلت في المايك: “لأ مش هسكت. عيلة فيل المحترمة، اللي شايفين نفسهم ملوك المجتمع، قرروا قبل الفرح بربع ساعة إن أبويا وأمي (مش من مقامهم). الست سينثيا جابت موظفة الريديسيبشن ونقلت أبويا وأمي ورا عمود الرخام اللي هناك ده، جنب باب المطبخ ويفطة الطوارئ، عشان شكلهم ما يبوظش صور الفوتوسيشن!”كل الناس لفت رقبتها وبصت على العمود. أبويا كان لسه باصص في الأرض وشه أحمر من الكسوف، وأمي كانت بتعيط وكاتمة صوتها بمنديل.

​”هما كانوا فاكرين إني هبلع الإهانة دي زي ما بلعت تريقتهم طول فترة الخطوبة، عشان فاكرين إني هموت على فلوسهم ونسبهم.” بصيت لبريستون وسينثيا اللي كانوا هيطقوا من الغل، وقلت بابتسامة باردة: “بس أحب أقولكم، الفلوس اللي بتتباهوا بيها دي ما تعملش ضفر أبويا. والبدل الحرير اللي لابسنيها مش هتداري قلة أصلكم.”

​قلعت الطرحة من على شعري ورميتها على الأرض تحت رجلين بريستون.

​”عشان كده، أنا مش هقول (موافقة). الفرح ده لغي، والخطوبة دي انتهت. والنجف اللي في القاعة ده، اللي لسه ما دفعتوش تمنه.. ابقوا ادفعوه بقى براحتكم.”سبت المايك على الأرض، وعمل صوت صفير عالي هز القاعة كلها. نزلت من على المسرح، ووسط ذهول و صدمة الميتين فرد، مشيت مرفوعة الراس لحد ما وصلت للعمود. مسكت إيد أبويا وإيد أمي، وقلت لهم بصوت عالي سمع الكل: “يلا بينا من هنا.. المكان ده مش مقامنـا.”مشيت وأنا ماسكة إيد أبويا وإيد أمي، فستاني الطويل كان بيجر ورايا على الأرض، وكل خطوة بنمشيها كانت بتكسر السكوت اللي قلب القاعة. المعازيم كانوا بيبصوا لنا وهما فاتحين بقهم، ومحدش فيهم كان عارف ينطق ولا كلمة.

​قبل ما نعدي من الباب الكبير بتاع القاعة، سمعت صوت سينثيا وهي بتصرخ ورايا بكل غل: “أنتي فاكرة نفسك مين؟ أنتي ولا حاجة من غيرنا! أنتي وأهلك الجرابيع دول مش هتطولوا تدوسوا عتبة مكان زي ده تاني!”وقفت في مكاني. لفيت وشي ليها وبصيت لها بكل برود، القاعة كلها حبست أنفاسها مستنيين ردي. ابتسمت وقلت لها: “المكان اللي أهلي ما يتقدرواش فيه، ما يشرفنيش أدخله أصلاً يا سينثيا هانم. وفلوسكم اللي ذلينا بيها دي، ما اشترتش ليكم ريحة الذوق ولا الأصل.”

​بريستون جِه يجري ورايا وهو وشه جايب ألوان، حاول يمسك دراعي وهو بيقول بصوت واطي ومبحوح من الصدمة: “كلير.. أنتي بتخربي حياتك بجد؟ عشان خاطر قعدة كراسي هتشوهي سمعتنا وسمعتك؟ فكري في المستندات والعقد اللي بينا، فكري في شكلي قدام صحابي!”

​شلت إيده من عليا بمنتهى القرف وقلت له: “أنا لسه منقذة حياتي حالا يا بريستون. شكلك قدام صحابك ده مشكلتك أنت، روح حلها مع مامتك.سبته ومشيت. خرجنا برا الفندق كله، الهوا الساقع بتاع الليل خبط في وشي، وحسيت لأول مرة من شهور إني عارفة أتنفس بجد. أبويا وقف على الرصيف وبص لي، وعينيه كانت مليانة دموع، بس المرة دي ما كانتش دموع كسوف.. كانت دموع فخر.

​طبطب على كتفي وقال لي وصوته بيترعش: “سامحيني يا بنتي.. بوظت لك ليلتك.”

بوست إيده وقلت له: “أنت بتتكلم ازاي يا بابا؟ أنت ليلتي وعمري كله.. أنا اللي آسفة إني فكرت في يوم من الأيام أنزل راسي عشان ناس ما تسواش.”

​أمي خدتني في حضنها وهي بتعيط وبتقول: “جدعة يا قلب أمك.. تترد لك في الأفراح يا حبيبتي.”

​وقفنا تاكسي أبيض من على الرصيف. ركبنا إحنا التلاتة وورايا فستان الفرح منفوخ ومالي الكنبة، والسواق شغل أغنية شعبية هادية وبص لنا في المراية وهو مستغرب شكلنا ومبتسم.وأنا بـبص من الشباك على أنوار الفندق وهي بتبعد، طلعت تليفوني من جيب الفستان.. لقيت مكالمات ورسايل بتهل زي المطر من بريستون وأخته. عملت لهم كلهم “بلوك”، ومسحت صورنا سوا، وحسيت براحة مش طبيعية.

​القصة ما خلصتش هنا.. لأن تاني يوم الصبح، فيديو الفرح كان مكسر الدنيا على السوشيال ميديا، والكل كان بيتكلم عن “عروسة فندق جراند إليسون” اللي علمت عيلة فيل الأدب. المحل بتاع بابا اتملى زباين وناس جاية مخصوص بس عشان تسلم عليه وتدير له التحية، والكل عرف إن الأصل والكرامة أغلى بكتير من أي شبكة ألماظعدى أسبوع على الليلة دي، والموضوع ما كانش مجرد “تريند” وخلص، ده قلب الدنيا بجد. تليفون بابا ومحله الصغير ما بطلوش رن، ناس بسيطة وناس مفيش في غناها جايين يشتروا منه بويات وعدة بس عشان يطبطبوا عليه ويقولوا له: “عشت وعاشت اليد اللي ربت.”

​في وسط كل ده، بريستون وعيلته حاولوا يقلبوا الترابيزة عليا. طلعوا بيان على صفحة شركتهم بيقولوا فيه إن أنا اللي “مادية” وإن عيلتي كانت بتطمع في فلوسهم، بس محدش صدقهم، لأن الفيديو كان فاضح كل حاجة؛ نظرة الكسوف اللي كانت في عين بابا، وكبرياء عيلتهم المريض كان واضح للكل.

​في يوم، كنت قاعدة مع بابا وممي في الصالة بنشرب شاي، ولقينا الباب بيخبط. فتحت، لقيت بريستون واقف. كان باين عليه التهدل والتعب، مفيش أثر للواد “الفرفور” المظبط أزرار أكمامه بتاع زمان.قال لي وصوته مخنوق: “كلير.. أرجوكي اسمعيني. أمي مريضة من ساعتها، وأنا خسرت نص عملا الشغل بسبب الفضيحة دي.. أنا مستعد أعتذر لأبوكي وأمك قدام الدنيا كلها، بس ارجعي لي ونعمل فرح تاني في المكان اللي تختاريه.”بابا سمع صوته، فقام وقف ورايا عند الباب. بريستون أول ما شاف بابا، ركبته خبطت في بعضها، وقال له: “عمي.. أنا أسف، أنا ما كنتش أقصد..”

​بابا حط إيده في جيبه، وبص له بنظرة هادية ومريحة، وقال له بلهجة مصرية أصيلة واثقة: “بص يا ابن الناس.. المحل بتاعي ده صغير ور يحته تينر زي ما كنت بتقول، بس طلع شهادات، وطلع دكاترة، وطلع أهم حاجة.. طلع بنت بـميت راجل، تبيع فلوس الدنيا وماتبيعش كرامة أبوها وأمها. بنتي مش للبيع يا بريستون، ولا بفلوسك ولا باعتذارك.”بصيت لبريستون وقلت له: “سمعت بابا؟ الباب يفوت جمل يا بريستون.. ومستندات الفرح اللي بتهددني بيها، المحامي بتاعي هيبعتهالك بكره مع ورقة بطلب تعويض عن الأضرار النفسية اللي سببتوها لأهلي.”

​قفلت الباب في وشه، ولأول مرة من سنين حسيت إن ضهري مسنود بجد، وإن الكرامة لما بتتغسل بالحق، بتعيشك ملك طول العمر. وبابا خدني في حضنه وقال لي: “ربنا يرزقك باللي يصونك ويشيلك فوق راسه يا بنتي، عشان أنتي غالية قوي.”المحل الصغير بتاع بابا ربنا فتحها عليه ووسع رزقه، وبقى براند معروف وله كذا فرع، بس بابا صمم يفضل قاعد في المحل القديم بتاعه، بنفس ريحة التينر والبويات اللي كانت في يوم من الأيام سبب تريقة عيلة بريستون، بس المرة دي المحل بقى رمز للكرامة وكل اللي يدخله يدخل وهو محترم صاحبه وشايله فوق الراس.

​أما عيلة فيل، فالحال اتبدل بيهم تماماً. الفضيحة اللي حصلت في الفرح أثرت على سمعة شركتهم، والعملاء الكبار سحبو شغلهم منهم لأن محدش بقى عايز يتعامل مع ناس بـ”الخسة” دي. بريستون حاول يدخل في كذا مشروع عشان يعوض خسارته بس حظه كان عاثر، وأخته اللي كانت بتتريق على شوك وسكاكين عيلتي، اتجوزت واحد طمع في فلوسهم ورمى لها هدومها في الشارع بعد سنة واحدة بس.

​في يوم من الأيام، كنت معزومة في حفلة تخرج بنت صاحبتي في نفس الفندق.. “جراند إليسون”.كنت داخلة بكامل أناقتي، فستان شيك وبسيط، وماشية وثقتي في نفسي تدرس. وأنا بمر من جنب صالة الاستقبال، لمحت واحد واقف لابس لبس موظفين الفندق، وظهره محني وهو بيشيل شنط النزلاء.

​لما لف وشه.. عيني جت في عينه. كان بريستون!

​وشه اتقلب مية لون لما شافني، وحاول يستخبى ورا الشنط من الكسوف. أنا ما شمتش فيه، بس حسيت بـ”عدالة ربنا” وهي بتتحقق قدام عيني. الراجل اللي طرد أبويا وأمي وقعدهم جنب باب الخدمة عشان شكلهم، بقا هو اللي واقف يخدم على الناس في نفس المكان.عديت من جنبه من غير ما أقف ولا أقول كلمة، بس ابتسمت ابتسامة خفيفة وطلعت كملت طريقي.

​تليفوني رن في إيدي، كان جوزي.. الراجل اللي ربنا عوضني بيه بعد كذا سنة من الحكاية دي. مهندس محترم، ابن ناس بجد وأصل، أول حاجة عملها يوم خطوبتنا إنه دخل باس إيد بابا وإيد أمي قدام الناس كلها وقالهم: “أنا جاي أطلب إيد بنت الأصول”.رديت عليه وصوته الفرحان ملى ودني وهو بيقولي: “حبيبتي، أنا وبابا وماما مستنيينك في العربية بره الفندق، خلصتي عشان نروح نتعشى سوا؟”

​قلت له بابتسامة مالية وشي: “خلصت يا حبيبي.. أنا نازلة حالا.”

​نزلت السلم وأنا حاسة إن الدنيا صالحتني بكل الطرق الممكنة، وعرفت إن الوشوش الغنية بالفلوس ممكن تفقر في ثانية، بس النفوس الغنية بالأصل والكرامة.. بتفضل ملوك طول العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى